الوقت - كما كان متوقعاً، فإن مغامرات نتنياهو العسكرية المتكررة في غزة ولبنان خلال الأشهر الثمانية عشرة الماضية، لم تسهم في تهدئة الأوضاع المتأزمة داخل الكيان المحتل، بل زادت الطين بلةً، وأثقلت كاهل حكومته المتهاوية.
اليوم، تتهاوى صروح الأزمة السياسية كالرُكام فوق رأس "بيبي"، لتجعل منه واجهةً لفشل ذريع لا يخفى على أحد، فبعد أن أخفقت محاولاته للهروب إلى الأمام من خلال إشعال فتيل حرب جديدة في غزة، وجد نفسه مضطراً إلى فتح جبهة أخرى لا تقل ضراوةً، جبهة حرب داخلية ضد مؤسسات الدولة.
وقد وصفت وسائل الإعلام الصهيونية هذه التحركات بأنها حملة شعواء، تتسم بعنفٍ أقرب إلى البلطجة، تستهدف المؤسسات الحكومية ورموزها، في خطوة لا تنفصل عن محاكمته المستمرة بتهم الفساد، فعلى سبيل المثال، وبعد شهور من المناورات، نجح أخيراً في إقالة المدعية العامة غالي بهاراف ميارا، التي كانت قد وجهت تحذيراً شديد اللهجة قبل إقالتها، مؤكدةً أن حكومة نتنياهو تسعى إلى وضع نفسها في مقامٍ أعلى من القانون، تعمل دون رقابة أو توازن، وتتخذ قرارات أحادية حتى في أشدّ الأوقات حساسيةً.
ومنذ عام 2019، يرزح نتنياهو تحت وطأة سلسلة من قضايا الفساد التي تتنوع بين الرشوة والاحتيال واستغلال السلطة، وهو يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى إضعاف النظام القضائي، وعلى رأسه المحكمة العليا، بغية الهروب من شبح الإدانة، وتشمل استراتيجيته تغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة لتثبيت من يدينون له بالولاء، بما يضمن له حصانةً من سيف العدالة.
ولعل من أبرز أهداف نتنياهو في هذه المرحلة، رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، رونين بار، الذي وجّه إليه اتهاماً صريحاً بالتقصير، مدعياً أنه كان على علم مسبق بهجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، وقد زعم مكتب رئيس الوزراء في بيان رسمي أن "هذه الحقيقة ليست ضرباً من خيال المؤامرة"، مشيراً إلى أن رئيس الشاباك كان يدرك تماماً منذ الساعة الرابعة والنصف فجراً في ذلك اليوم، أن هجوماً على مستوطنات غلاف غزة بات وشيكاً.
غير أن أصابع الاتهام الموجهة إلى بار، لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد ربطت وسائل الإعلام والمحللون محاولة نتنياهو للإطاحة به، بتحقيقات يجريها جهاز الشاباك حول علاقات مشبوهة بين مكتب نتنياهو والحكومة القطرية، تتضمن مزاعم بتحويلات مالية تهدف إلى تعزيز مصالح الدوحة، ويبدو أن المصالح الشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت حاضرةً بقوة في هذه القضية التي أثارت جدلاً واسعاً، وأضفت مزيداً من التعقيد على المشهد المتأزم.
يواجه بنيامين نتنياهو سيلاً من الاتهامات من منتقديه، الذين يرونه يسعى إلى التملّص من مسؤوليته التاريخية عن الهزيمة الاستخباراتية والعسكرية المهينة أمام حركة حماس في السابع من أكتوبر، عبر تحميل المسؤولين الأمنيين وزر الإخفاق، وعلى رأسهم رونين بار، رئيس جهاز الشاباك، سعياً منه لتحويل أنظار الرأي العام عن الضغط الشعبي المتعاظم، وقد ذهب بعض كبار قادة الجيش والشاباك، إلى اعتبار سياسات نتنياهو تهديداً صارخاً للأمن القومي لكيان الاحتلال.
وفي خطوة لم يُعهد لها مثيل في تاريخ حكومات الاحتلال، أقدم نتنياهو على قرار بإقالة رئيس جهاز الشاباك، غير أن المحكمة العليا وقفت له بالمرصاد، معارضةً خطوته، ليجد نفسه مضطراً إلى التراجع عنها، متخلياً عن قراره، ولو مؤقتاً، هذه الواقعة أعادت تسليط الضوء على الصراع المحتدم بين نتنياهو والجهاز القضائي الإسرائيلي، الذي يزداد شراسةً مع مرور الوقت.
وفي ظل مساعي الادعاء العام لمحاكمة نتنياهو في ملفات فساد متعددة، انصبّت جهود الأخير خلال عام 2023 على محاولة تقويض استقلال المحكمة العليا، والحدّ من نفوذها الذي لطالما مثّل عقبةً أمام طموحاته السياسية، ففي يوليو من ذلك العام، أقرّت حكومته قانوناً يهدف إلى تقييد صلاحيات المحكمة العليا، ومنعها من إلغاء القرارات الحكومية بدعوى "عدم المعقولية"، غير أن المحكمة العليا أبطلت هذا القانون في يناير 2024 بأغلبية ثمانية أصوات مقابل سبعة، في خطوة اعتُبرت انتصاراً نسبياً لاستقلال القضاء.
لكن حتى اشتعال الحرب لم يثنِ نتنياهو عن مساعيه لتطويق سلطة القضاء، ففي يناير 2025، عادت حكومته لتقديم مشروع قانون جديد، صاغه ياريف ليفين، وزير العدل، وجدعون ساعر، وزير الخارجية، وفي السابع والعشرين من مارس، وبعد ثلاث جلسات قراءة في الكنيست، نجحت الحكومة في تمرير القانون، الذي أعاد تشكيل لجنة تعيين القضاة، وكانت اللجنة سابقاً تتألف من تسعة أعضاء: ثلاثة قضاة، ومحاميين مستقلين، وأربعة سياسيين يتوزعون بالتساوي بين الحكومة والمعارضة، إلا أن القانون الجديد نصّ على أن اختيار المحامين سيكون منوطاً بالحكومة والمعارضة، وهو تغيير سيجري تطبيقه بعد الانتخابات المقبلة.
وقد جاء هذا التعديل وسط اضطرابات سياسية متفاقمة، تأججت بفعل استئناف الحرب، مع تصاعد المطالب الشعبية بإبرام صفقة لتبادل الأسرى مع حركة حماس، وسُجّلت أكثر من 71,023 اعتراضاً على القانون، ورغم ذلك، تم تمريره بأغلبية 67 صوتاً مقابل صوت واحد فقط، وهو ما تحقق بسبب مقاطعة المعارضة لجلسة التصويت.
وفي خضم هذه الفوضى السياسية، وجّه بيني غانتس، زعيم حزب الوحدة الوطنية، رسالةً إلى نتنياهو، دعاه فيها إلى التخلي عن هذا القانون، وأكد غانتس في رسالته أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالةً من التمزق والجراح الغائرة، قائلاً إن "الشعب الإسرائيلي لم يشهد انقساماً كهذا منذ السادس من أكتوبر 2023"، وأضاف: “ما زال 59 من مواطنينا يقبعون في أسر حركة حماس، فيما يخوض جنودنا—بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية—معارك ضارية على جبهات متعددة".
وقد حملت كلمات غانتس رسالةً ذات مغزى، إذ سعى من خلالها إلى فضح محاولات نتنياهو لاستخدام تعديلاته القانونية كأداة لتغطية إخفاق حكومته في إدارة الأزمة السياسية الخانقة، التي خلّفتها هزيمتها في حرب غزة، وفشلها الذريع في إنجاز صفقة تبادل الأسرى، مستغلاً بذلك انقسامات المجتمع الإسرائيلي لتثبيت أركان حكمه المتهاوي.
كان تحذير بيني غانتس أشبه بجرس إنذار مدوٍ، إذ أكد أن تمرير القوانين بصورة أحادية عبر أغلبية برلمانية، دون التفاف شعبي ودعم مجتمعي، يُلحق أضراراً جسيمةً بقدرة الدولة على تحقيق إصلاحات شاملة، ويُعزّز الانقسامات المجتمعية، ويُعمّق جذور انعدام الثقة في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وفي محاولة أخيرة قبل التصويت النهائي، توجه غانتس بنداء مباشر إلى ياريف ليفين، وزير العدل، داعياً إياه إلى التراجع عن هذا المشروع المثير للجدل، وفي تقرير بثته القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، وصف غانتس المضي قدماً في هذا القانون بأنه "خطأ فادح"، يهدّد بتداعيات لا تُحمد عقباها، غير أن ليفين، الذي بدا مدفوعاً بإصرار لا يتزعزع، ردّ على غانتس مدافعاً عن المشروع، واصفاً إياه بأنه "تسوية مقبولة"، مشيراً إلى أنه أكثر اعتدالاً مقارنةً بالمقترح السابق، الذي كان يمنح الحكومة سيطرةً كاملةً على تعيين القضاة، وزعم ليفين أن هذه الإصلاحات تهدف إلى "ردم الهوة الوطنية وإصلاح الشرخ المجتمعي".
لكن بالنسبة لنتنياهو، فإن الحديث عن "الإصلاح" ليس سوى شعار أجوف، بعيد كل البعد عن جوهر سياساته، فما يروّج له لا يتجاوز كونه غطاءً هشاً لسياسات استبدادية تسعى إلى تكريس سلطته بأي ثمن، إن نهجه السياسي ليس سوى مزيج من هوس البقاء وشعبوية مسمومة، تجعل من التضحية بكل شيء أمراً مقبولاً في سبيل الحفاظ على قبضته على الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب المسؤولين الأمنيين، أو القضاة الذين يقفون عقبةً أمام طموحاته.
وكما عبّر يائير لابيد، زعيم المعارضة، فإن "نتنياهو مستعدٌ لتدمير البلاد بأسرها ليهرب من شبح السجن"، هذه التصريحات تختزل واقعاً قاتماً يرسم صورة رجلٍ يقف على حافة الهاوية، مستعداً للتضحية بمستقبل شعبه مقابل تأمين بقائه السياسي.