الوقت - في أعقاب تنكر الكيان الصهيوني للهدنة واستئنافه غاراته الجوية الغاشمة على قطاع غزة، لم تلبث حركة حماس، بعد أيام من التريث والتبصر إزاء الکيان المحتل، أن أطلقت العنان لصواريخها الباسلة مستهدفةً مناطق متفرقة من الأراضي المحتلة.
وفي هذا المضمار، أفادت مصادر إعلامية يوم الأحد بدوي صافرات الإنذار في مستوطنة "عسقلان" بفلسطين المحتلة، وکشفت المصادر العبرية أن دوي عدة انفجارات تردد صداه في عسقلان، والمستوطنات الصهيونية المحيطة بغزة في أعقاب هذه الهجمات.
واضطر دانيال هاغاري، المتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني، إلى الإقرار بأن المقاومة الفلسطينية أطلقت صاروخين من شمال غزة صوب عسقلان.
رسائل هجمات حماس إلى قادة تل أبيب
تنطوي الصواريخ التي أمطرت بها حماس المستوطنات الصهيونية، على رسائل ذات دلالات عميقة لساسة الكيان الصهيوني.
برهنت حماس من خلال هذه العملية الافتتاحية أنها، على الرغم من المزاعم المتواترة لقادة الصهاينة بشأن اجتثاث قدراتها الهجومية، ما فتئت تحتفظ بترسانتها الصاروخية، وتمتلك زمام القدرة على دكّ الأراضي المحتلة.
وبينما سعت وسائل الإعلام الغربية والصهيونية جاهدةً لتصوير مساعي الحفاظ على وقف إطلاق النار كدليل على وهن المقاومة، جاءت هذه الهجمات لتؤكد أن حماس لن تحيد قيد أنملة عن مواقفها الصلبة في نصرة الشعب الفلسطيني.
كما أنذرت حماس الکيان الصهيوني بأن استمرار العدوان قد يفضي إلى تأجيج أوار المواجهات، ويلقي بأمن الأراضي المحتلة في مهب الريح، وهو ما كابده الكيان طوال الستة عشر شهراً من المواجهات قبل إرساء وقف إطلاق النار.
وفي ظل وجود عشرات الأسرى الإسرائيليين في قبضة المقاومة بغزة، أوضحت حماس من خلال هذه الهجمات أن أي خرق للاتفاقيات، قد يلقي بظلاله القاتمة على مصير الأسرى، وأن المسؤولية تقع بكاملها على كاهل حكومة نتنياهو.
لقي عدد من الأسرى المتبقين في غزة حتفهم في الآونة الأخيرة جراء هجمات جيش الاحتلال، وقد حذرت حماس من أن استمرار المواجهات والمماطلة في تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، يقوّض فرص نجاة الأسرى الصهاينة، وهذا الأمر قد دفع عدداً من الأسرى المحررين إلى توجيه رسالة بالغة الأهمية إلى نتنياهو، يناشدونه فيها وقف الحرب وضمان صون أرواح الأسرى عبر سبل التفاوض.
يذهب عدد من المحللين إلى أن حماس، بانتهاجها استراتيجيات مستحدثة، بما في ذلك التركيز على حرب العصابات وتوظيف تكتيكات غير متكافئة، استطاعت أن تظل شوكةً في حلق "إسرائيل"، فرغم الخسائر الفادحة، ما برحت هذه الحركة تستقطب المقاتلين وتحافظ على بنيتها العسكرية.
استعداد المقاومة لإشعال فتيل الحرب
يأتي الاستعراض العسكري لحماس في وقتٍ لا تزال فيه هذه الحركة، خلافاً لمزاعم قادة تل أبيب، حاضرةً بقوة في ميدان النزال، فقد أماطت أجهزة الاستخبارات الأمريكية اللثام في الأشهر الأخيرة عن نجاح حماس في استقطاب آلاف المقاتلين الجدد، القادرين على مواصلة القتال ضد "إسرائيل" لأشهر مديدة.
وفي غمرة عملية تبادل الأسرى إبان فترة وقف إطلاق النار، أبانت كتائب القسام، بحضورها الطاغي في غزة، أنها لا تزال تمتلك قوات ضاربة جاهزة للحرب ومجابهة العدو المحتل.
لذلك، فإن أي مواجهة واسعة النطاق ستفضي إلى إظهار القوة العسكرية للمقاومة، وتعزيز الالتفاف الشعبي حول فصائل المقاومة كحماس والجهاد الإسلامي.
وبالنظر إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء "إسرائيل"، تسعى حثيثاً إلى تأجيج التوتر مع فصائل المقاومة، فإن القادة الفلسطينيين أعدوا العدة لمواجهة العدو.
وقد كشفت مصادر خاصة بفصائل المقاومة الفلسطينية، في حديثها مع الجزيرة، عن استعداد المقاومة للتصدي لاعتداءات الصهاينة، مؤكدةً أن المقاومة أعادت رسم خططها الميدانية لمجابهة جيش الاحتلال، مستندةً إلى خبرتها المتراكمة في المواجهة المباشرة مع الصهاينة على مدار 470 يوماً من أتون الحرب.
وشددت هذه المصادر قائلةً: "ستتبنى المقاومة استراتيجيةً دفاعيةً مرنةً وفعالةً وفقاً للخبرة الميدانية المتراكمة، وتكتيكات حرب الأفراد بين مقاتليها، كما برهنت المقاومة على قدرتها الفذة على قلب موازين القوى لمصلحتها".
ووفقاً لهذا التقرير، "لن تسير المواجهة مع المحتلين الصهاينة في الأيام المقبلة على النهج التقليدي، وستعتمد الفصائل الفلسطينية المسلحة على تكتيك الكمائن المبتكرة والمباغتة، مُهاجمةً الجنود الصهاينة من خلف الخطوط ومن زوايا لم تخطر لهم على بال".
يأتي الهجوم الصاروخي الأخير في وقتٍ وفرت فيه آلاف الأطنان من الحديد والمعادن ومخلفات الصواريخ والقنابل غير المنفجرة للكيان، منجماً ثرياً من المواد الأولية لصناعة الصواريخ لفصائل المقاومة لإعادة رفد ترسانتها الصاروخية، وهي قضية أثارت هواجس وسائل الإعلام والمحللين الصهاينة مراراً وتكراراً.
في الوقت الراهن، تمتلك حماس وسائر الفصائل الفلسطينية عتاداً وفيراً لتوجيه ضربات موجعة للکيان الإسرائيلي، ولا مراء في أنه في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق، سيستلّ الفلسطينيون كل أسلحتهم لإنزال العقاب بالعدو.
عجز نتنياهو عن توفير الأمن للمستوطنين
على الرغم من مزاعم الوزراء الصهاينة المتطرفين بأن حماس قد أُنهكت قواها، وأنهم يرمون من وراء استئناف الحرب إلى انتزاع المزيد من التنازلات من الفلسطينيين، إلا أن كتائب القسام باغتت الصهاينة وزلزلت أركانهم بهجماتها الصاروخية.
في أعقاب الهجمات الصاروخية لقوات المقاومة في غزة على عسقلان، أقرت وسائل الإعلام الصهيونية بأن هذه الهجمات تكشف النقاب عن أن تدمير حماس كان محض أضغاث أحلام.
وذكر الموقع الصهيوني "حدشوت بزمان" في معرض تعليقه على هذا الهجوم: "كل من زعم لكم عبر شبكات الأخبار أن حماس قد تم تفكيكها، يعيش في عالم من الأوهام لا في عالم الحقائق"، وأضاف الموقع إن حماس استأنفت إنتاج الصواريخ، والأدهى من ذلك، أنها تستغل المتفجرات من قنابل الطائرات الإسرائيلية للقيام بهذا الصنيع.
ووفقاً لهذه الوسيلة الإعلامية الصهيونية، "أظهرت حماس قدرتها على إطلاق الصواريخ، بيد أنها لم ترفع سقف الهجمات حتى الآن، حماس على أتم الاستعداد لعمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، لا تصدقوا التقارير التي تزعم أن حماس قد وهنت قواها".
لذلك، تكشف هجمات حماس الأخيرة وردود الفعل الداخلية، النقاب عن التحديات الجسيمة التي تواجهها حكومة نتنياهو في توفير الأمن للمستوطنين، وإدارة الأزمات الأمنية، ومع تصاعد حدة المواجهات، أضحى المستوطنون عرضةً للهجمات المتبادلة، وهذا الوضع يجسّد إخفاق الحكومة في حماية هذه المناطق.
ستلقي الهجمات الصاروخية التي تشنها حماس وفصائل المقاومة الأخرى، بظلالها الثقيلة على الصهاينة، واستمرار هذا الوضع سيحوّل جميع الأراضي المحتلة إلى بؤر من عدم الاستقرار، فقد عطلت صافرات الإنذار وعمليات الإخلاء الطارئة نسيج الحياة اليومية للمواطنين، وأشاعت الخوف والهلع في النفوس.
إن إخفاق أنظمة الدفاع في اعتراض صواريخ حماس، أجّج نيران القلق وانعدام الأمن بين المستوطنين، وقد تعرضت مدن ذات ثقل مثل تل أبيب وعسقلان مراراً للهجمات، ما أدى إلى تفاقم الرعب العام وتقويض الثقة في قدرة الحكومة على توفير الأمن.
إذا قصرت أنظمة الدفاع الإسرائيلية عن أداء مهامها على الوجه الأكمل، فإن صواريخ المقاومة قد تصيب المراكز الحساسة والمطارات والقواعد العسكرية والمباني الحكومية، وهذه المسألة لا تفضي إلى خسائر مادية فادحة فحسب، بل تزيد أيضاً من حصيلة الضحايا.
لقد أثار الفشل في اعتراض صواريخ حماس، سيلاً من الانتقادات اللاذعة من خصوم نتنياهو السياسيين، لذلك، إذا اندلعت حرب شاملة بين الطرفين وعجزت حكومة نتنياهو عن ضمان أمن المواطنين، فستتفاقم أزمة شرعية الحكومة، وقد تتصاعد الاحتجاجات الداخلية والضغط على المسؤولين الأمنيين، وقد وجّه قادة المعارضة، بمن فيهم يائير لابيد، سهام النقد إلى نتنياهو، متهمين إياه بالعجز عن توفير الأمن للمستوطنين، ومنتقدين سياساته.
من ناحية أخرى، اتهم طيف واسع من المستوطنين الحكومة بالقصور في توفير الأمن، وطالبوا بتغييرات جذرية في السياسات الأمنية، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تأجيج الاضطرابات الداخلية، وزعزعة الاستقرار السياسي في "إسرائيل".
في ذات السياق، أعرب المستوطنون، ولا سيما عائلات الأسرى، عن سخطهم من الوضع الأمني في الآونة الأخيرة، من خلال تنظيم مظاهرات ضد سياسات حكومة نتنياهو، ويلقون باللائمة على نتنياهو، لتعريضه أمن الإسرائيليين للخطر على مذبح مصالحه الشخصية.
ستلقي المواجهة المتجددة بين حماس و"إسرائيل"، بظلالها الثقيلة على كلا الطرفين، بالنسبة للإسرائيليين، يمكن أن تفضي هذه الحرب إلى تفاقم انعدام الأمن والانهيار الاقتصادي وتصاعد المعارضة الداخلية، ما سيضع في نهاية المطاف حكومة نتنياهو المتطرفة على شفا الهاوية، أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد تمثّل فرصةً سانحةً لتعزيز الدعم الدولي، وإظهار قوة المقاومة لتقويض موقف الكيان الصهيوني في المنطقة.