الوقت - إذا افترضنا أن زيارة ترامب لتركيا كانت مصحوبة بسلسلة من الحوافز العسكرية، بما في ذلك صفقة طائرات إف-35 ومطالبات بزيادة الضغط على حزب الله ومحور المقاومة، فلا ينبغي تحليل هذه الزيارة في إطار العلاقات بين واشنطن وأنقرة فقط، بل يجب تقييمها في سياق تحوّل الولايات المتحدة من "استراتيجية الحرب المباشرة" إلى "استراتيجية هندسة التوازن الإقليمي".
أظهرت الحرب الأخيرة، خلافاً للتوقعات الأولية، أن محور المقاومة لم ينهر فحسب، بل تمكن من الحفاظ على هيكله القيادي وشبكته اللوجستية وقدرته على إعادة الإعمار. بالنسبة لواشنطن، كانت هذه التجربة بمثابة رسالة واضحة: التفوق العسكري وحده لا يكفي لتغيير التوازن الجيوسياسي. لذا، تحوّلت الاستراتيجية الأمريكية نحو تفكيك الروابط السياسية والأمنية والجغرافية لمحور المقاومة.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ تركيا مجرد حليف في حلف الناتو، بل هي أيضاً حلقة وصل بين ثلاث مناطق جغرافية حساسة: شرق المتوسط، والقوقاز، وبلاد الشام. وأي تغيير في سلوك أنقرة الاستراتيجي قد يؤثر في آنٍ واحد على سوريا ولبنان والعراق والقوقاز، بل وحتى على خطوط الطاقة والعبور. ولهذا السبب، قيّمت الولايات المتحدة التنازلات، مثل وعد شراء مقاتلات إف-35، ليس كثمن لعقد عسكري، بل كتكلفة لإعادة تركيا إلى بنية الأمن الأمريكية المرغوبة.
ومن منظور استراتيجي، تسعى الولايات المتحدة إلى تغيير معادلة الضغط. ففي العقدين الماضيين، كان الضغط على إيران مباشراً في معظمه من خلال العقوبات والاغتيالات والهجمات المحدودة والوجود العسكري حول إيران. لكن واشنطن خلصت الآن إلى أن إعادة تنظيم محيط إيران أكثر فعالية، بحيث تُكرّس طهران معظم قوتها للحفاظ على عمق استراتيجي وإدارة الأزمات المتزامنة.
في هذا النموذج، تجد تركيا دورًا يتجاوز دور الشريك الأمني. إذ يمكنها التأثير على الحكومة اللبنانية، وتغيير موازين القوى في شمال سوريا، والتأثير بشكل غير مباشر على التطورات في العراق، وممارسة ضغط جيوسياسي في جنوب القوقاز، وتعزيز مسارات الطاقة البديلة وخطوط النقل.
في الواقع، تسعى واشنطن إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها بدلًا من مهاجمة مركز ثقل محور المقاومة. ولكن يجب التذكير بأن البُعد الأعمق لهذه الاستراتيجية لا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل أيضًا الجوانب الاقتصادية والجيواقتصادية. فإذا تمكنت الولايات المتحدة، بمساعدة تركيا، من تفعيل ممرات نقل وطاقة جديدة، وفي الوقت نفسه تحدي الطرق التقليدية التي تربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط، فإنها ستُقلل، على المدى البعيد، جزءًا من الميزة الجيوسياسية لإيران دون الدخول في حرب واسعة النطاق. من هذا المنظور، لم تعد قضايا مثل القوقاز وممرات النقل وشمال سوريا قضايا منفصلة، بل أصبحت جزءًا من خريطة واحدة.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أكبر غموض في هذه الاستراتيجية يكمن في تركيا نفسها.
على عكس العديد من حلفاء أمريكا، تسعى أنقرة إلى لعب دور قوة إقليمية مستقلة، لا دور تابع. ويدرك أردوغان تمامًا أن القيمة الاستراتيجية لتركيا تنبع تحديدًا من هذا الدور "الوسيط والموازن".
تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه في حال اندماج تركيا بشكل كامل في الاستراتيجية الأمريكية، فإنها ستفقد جزءًا كبيرًا من قوتها التفاوضية في مواجهة روسيا وإيران والصين والدول العربية وحلفائها.
لذا، فإن السيناريو الأرجح هو أن تختار تركيا التعاون التكتيكي دون تحالفات استراتيجية؛ أي أنها ستنحاز إلى واشنطن في بعض القضايا، لكنها ستتجنب الدخول في مواجهة شاملة مع إيران أو حلفائها. وهذا هو النمط نفسه الذي اتبعته أنقرة في السنوات الأخيرة تجاه روسيا.
لكن ما يُغفل عنه غالبًا هو أن ما يتشكل اليوم ليس مجرد تحالف ضد حلفائها، بل هو تنافس على النظام الإقليمي ما بعد الحرب. تُدرك أمريكا أنه إذا تولّت الجهات الفاعلة الإقليمية مسؤولية احتواء الأزمات، فإن تكلفة الوجود المباشر لواشنطن ستنخفض، وفي الوقت نفسه سيتم ضمان أمن الكيان الصهيوني الغاصب مع تقليل الاعتماد على التدخل العسكري الأمريكي.
لذا، إذا نظرنا إلى اجتماع ترامب وأردوغان في هذا السياق، فإن القضية الرئيسية ليست بيع بضع طائرات مقاتلة أو حتى الضغط على حزب الله؛ بل هي مساعي أمريكا لبناء "حزام احتواء جيوسياسي" يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى القوقاز. في هذا الحزام، يُوفّر الكيان الصهيوني الردع العسكري، وتُدير تركيا مراكز جيوسياسية ومراكز عبور، وتُقدّم بعض الدول العربية الدعم المالي والسياسي، وتلعب الولايات المتحدة دورًا تنسيقيًا وضامنًا للأمن في هذه البنية.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان هذا التقييم صحيحًا، فإن غرب آسيا قد دخل مرحلة لم يعد فيها التنافس الرئيسي على الاستحواذ على الأراضي، بل على السيطرة على الممرات وشبكات النفوذ والدول الوكيلة وطرق الربط الجيوسياسي.
في ظل هذه الظروف، يُشكّل كل اتفاق عسكري، وكل صفقة أسلحة، وكل اجتماع دبلوماسي جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. مشروعٌ سيُحدّد نجاحه أو فشله مستقبل النظام الأمني في غرب آسيا لسنوات قادمة.
