الوقت - في حين يطالب الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان بوقف تسليح آلة الحرب التابعة للكيان بسبب جرائمه في غزة ومناطق أخرى من غرب آسيا، تُظهر الأدلة والتقارير الدولية أنه على الرغم من هذه المطالبات، تواصل بعض الدول تعزيز القدرات العسكرية لتل أبيب.
على مدى العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الموردين الرئيسيين للأسلحة والمعدات العسكرية للكيان الصهيوني، ووفروا الجزء الأكبر من احتياجاته الدفاعية، ولكن في السنوات الأخيرة، انضمت جهات فاعلة جديدة إلى هذه الدائرة.
في غضون ذلك، عززت الهند، بوصفها أحد الشركاء الصاعدين لإسرائيل، تعاونها العسكري والصناعي مع تل أبيب إلى مستوى غير مسبوق، وتحولت تدريجياً من مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية إلى شريك فاعل في إنتاج وتوريد المعدات العسكرية للكيان.
وفي هذا السياق، أعلنت منظمة العفو الدولية في تقرير لها يوم الخميس أن الهند لا تزال تُرسل الأسلحة والذخائر والمكونات العسكرية إلى الكيان، على الرغم من إدراكها للخطر الجسيم المتمثل في استخدام الكيان الصهيوني للأسلحة المُصدّرة في هجماته على غزة.
وأعلنت منظمة العفو الدولية أن استمرار إصدار تراخيص نقل الأسلحة إلى الكيان الصهيوني يُعرّض الهند لخطر التواطؤ في الجرائم الدولية والإبادة الجماعية في غزة، ودعت نيودلهي إلى الوقف الفوري لجميع الصادرات المباشرة وغير المباشرة للأسلحة والذخائر والمكونات والمعدات العسكرية إلى الكيان.
الشراكة الاستراتيجية في المجال العسكري
دخلت العلاقات العسكرية بين الهند والكيان الإسرائيلي مرحلة جديدة في تسعينيات القرن الماضي، لكنها أصبحت خلال العقدين الماضيين إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية. اختارت الهند، التي كانت تُعتبر لسنوات طويلة أكبر مستورد للأسلحة في العالم، تل أبيب كأحد أهم شركائها الدفاعيين، وذلك لسهولة حصولها على التقنيات العسكرية المتقدمة، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع، ومعدات الاستخبارات.
ووفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تُعدّ الهند أكبر مستورد للصناعات الدفاعية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، إذ تستحوذ على نحو ثلث صادرات الكيان العسكرية.
وقد بلغت قيمة العقود العسكرية بين الجانبين عشرات المليارات من الدولارات منذ مطلع الألفية الثانية، وتم توقيع اتفاقيات دفاعية بين البلدين بقيمة تزيد عن 20 مليار دولار أمريكي خلال الفترة من 2020 إلى 2024 فقط، ما يُمثّل نحو 34% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية. وخلال هذه الفترة، لم يقتصر التعاون على شراء المعدات الجاهزة، بل امتدّ ليشمل الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، وهو اتجاه عزّز مكانة تل أبيب في الاستراتيجية العسكرية لنيودلهي أكثر من أي وقت مضى.
بالإضافة إلى ذلك، بدأت شركات صهيونية مثل رافائيل وإلبيت سيستمز وصناعات الفضاء الإسرائيلية تعاونًا مكثفًا مع الصناعات الدفاعية الهندية.
ووفقًا لإحصائيات نشرها موقع "ريديت"، يُعدّ صاروخ "سبايك" المضاد للدبابات، الذي تُصنّعه شركة رافائيل، أحد محاور التعاون العسكري بين البلدين. ففي السنوات الأخيرة، وقّعت الهند عدة عقود لشراء وإنتاج هذه الصواريخ، كما يُجرى جزء من إنتاجها داخل الهند. وقد أدّى توسّع التعاون في مجال الصواريخ الموجّهة إلى اندماج تدريجي للصناعات الدفاعية الهندية في سلسلة توريد الأسلحة الإسرائيلية، وهو اتجاه يُعتبر متجاوزًا للعلاقات التقليدية بين البائع والمشتري.
ومن مظاهر هذا التعاون أيضًا مشروع منظومة الدفاع الجوي "باراك-8" المشترك، الذي طوّرته صناعات الفضاء الإسرائيلية ومنظمة البحوث الدفاعية الهندية. وتُقدّر قيمة هذه المنظومة، التي تستخدمها القوات البحرية والبرية والجوية الهندية، بمليارات الدولارات، وتُعتبر أنجح مشروع عسكري مشترك بين الجانبين. ولا يقتصر التعاون في هذا المشروع على شراء المعدات فحسب، بل يشمل أيضًا نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.
في خطابه بمناسبة عيد الاستقلال في 15 أغسطس/آب 2025، كشف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي عن خطة بعنوان "مهمة سودارشان تشاكرا"، وهي خطة وطنية لإنشاء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، وقدرات دفاعية ضد الصواريخ الباليستية، وقدرات هجومية جوية بحلول عام 2035.
وقد أصبحت هذه الخطة، التي طُرحت تحت شعار "الدرع والسيف"، القوة الدافعة وراء العديد من صفقات الأسلحة بين الهند وإسرائيل. يستلهم المشروع من تجربة نظام الدفاع متعدد الطبقات الإسرائيلي، بما في ذلك "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"بيكان". سيتم تطوير بعض مكونات هذه الخطة من قبل الصناعات الهندية المحلية، وسيتم شراء مكونات أخرى من تل أبيب، بينما سيتم تطوير مكونات أخرى من خلال الإنتاج المشترك.
التعاون في مجال الطائرات المسيّرة
أصبح مجال الطائرات المسيّرة أيضاً أحد الركائز الأساسية للعلاقات العسكرية بين الجانبين. تُعدّ الهند حاليًا من أكبر مشتري الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في العالم، وتمتلك أنظمةً مثل "هيرون" و"سيرشر" و"هاروب".
ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، كانت إسرائيل من أبرز موردي تكنولوجيا الطائرات المسيّرة للهند على مدى العقدين الماضيين، ويعتمد جزءٌ كبيرٌ من قدرات الاستطلاع والمراقبة للجيش الهندي على هذه المعدات. كما بدأت شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية بإنتاج عائلة طائرات "هيرميس 900" المسيّرة في الهند من خلال مشروعها المشترك "أداني-إلبيت للأنظمة المتقدمة في الهند".
بحسب صحيفة تايمز أوف إنديا، تعمل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) مع شركات هندية على تطوير طائرات هاربون المسيّرة وإنشاء جيل جديد من الأنظمة غير المأهولة. وذكرت وكالة رويترز أن الهند استخدمت طائرات هاربون المسيّرة لمهاجمة أهداف عسكرية واستهداف أنظمة الدفاع الجوي الباكستانية خلال النزاع مع باكستان في مايو/أيار 2025.
حرب غزة وتنامي التعاون العسكري الهندي-التل أبيب
مع اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان من المتوقع أن تؤدي ضغوط حقوق الإنسان والاحتجاجات العالمية إلى تقليص التعاون العسكري مع تل أبيب، إلا أن التقارير المنشورة تشير إلى اتجاه مختلف.
أعلنت منظمة العفو الدولية أن ما لا يقل عن 2596 شحنة عسكرية أُرسلت من الهند إلى الأراضي المحتلة في الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وشملت هذه الشحنات أكثر من 390 ألف قطعة سلاح خفيف، ونحو 565 ألف ذخيرة متفجرة، ومئات من قطع غيار المركبات العسكرية.
يُشير التقرير أيضًا إلى أن من بين الشحنات قطع غيار رشاشات، وقذائف مدفعية عيار 155 ملم، ورؤوس حربية متفجرة لطائرات مسيرة انتحارية، ومكونات مركبات مدرعة، تم تسليمها إلى شركات أسلحة إسرائيلية كبرى، من بينها إلبيت ورافائيل والصناعات الجوية الإسرائيلية.
ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن استمرار هذه الصادرات، في وقت حذرت فيه محكمة العدل الدولية من خطر الإبادة الجماعية في غزة، قد يُعرّض الهند لاتهامات بالتواطؤ في انتهاكات القانون الدولي.
من جهة أخرى، تُشير التقارير إلى أن الجانبين تفاوضا في عامي 2025 و2026 على سلسلة من العقود الجديدة بقيمة مليارات الدولارات. ووفقًا لموقع "اعرف إسرائيل"، أفادت بعض المصادر بوجود حزم دفاعية بقيمة 3.7 مليار دولار لأنظمة الدفاع والصواريخ. كما تم اقتراح اتفاقيات للتطوير المشترك لأنظمة الدفاع الصاروخي والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وتضم نيودلهي وتل أبيب "مجموعة عمل دفاعية مشتركة" تعقد اجتماعات دورية سنويًا. في اجتماع عُقد في تل أبيب بتاريخ 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم بشأن التعاون الدفاعي، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: البحث والتطوير، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وتوريد المعدات العسكرية.
مهّد هذا الاتفاق الطريق أمام البلدين لرفع مستوى علاقاتهما إلى "شراكة استراتيجية خاصة" خلال زيارة ناريندرا مودي إلى تل أبيب في فبراير/شباط 2026. وحدّد البيان المشترك الصادر عن اجتماع مودي-نتنياهو خارطة طريق للتطوير والإنتاج المشتركين لتقنيات دفاعية متقدمة، بهدف تقليل الاعتماد على العقود المستوردة فقط.
كما وردت تقارير عن صفقة جديدة محتملة بقيمة تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، والتي في حال إتمامها، ستنقل العلاقات الدفاعية بين الجانبين إلى مرحلة لا تقتصر فيها الهند على كونها مستهلكًا، بل شريكًا تقنيًا للصناعات العسكرية الإسرائيلية.
ويزداد هذا التطور أهميةً نظرًا لطبيعة العلاقات الدفاعية المتغيرة بين الجانبين. كانت الهند سابقًا مستوردًا رئيسيًا للأسلحة الإسرائيلية، لكنها أصبحت الآن جزءًا من سلسلة إمداد الصناعات العسكرية للكيان. سيتيح هذا لإسرائيل خفض تكاليف الإنتاج وتلبية بعض احتياجاتها الحربية من خلال القدرات الصناعية الهندية.
عمومًا، يُظهر توسيع التعاون الدفاعي بين نيودلهي وتل أبيب، وسط ضغوط دولية متزايدة على حكومة نتنياهو، أن الاعتبارات الاستراتيجية والأمنية لا تزال تُطغى على انتقادات حقوق الإنسان، وأن استمرار هذا التوجه لن يُسهم فقط في توطيد الشراكة العسكرية بين الجانبين، بل سيُعزز أيضًا قدرة الكيان الصهيوني على مواصلة شن الحرب في المنطقة.
