الوقت - في الوقت الذي جرت فيه مراسم تشييع جثمان القائد الشهيد للثورة الإسلامية في طهران، توجهت أنظار الرأي العام العالمي مرةً أخرى نحو إيران. ما شهدته شوارع طهران لم يكن مراسم حداد فحسب، بل تحوّل إلى أحد أبرز الأحداث السياسية والإعلامية في التاريخ على الصعيد الدولي.
فمنذ ساعات الفجر الأولى، تابعت عشرات القنوات التلفزيونية ووكالات الأنباء والصحف العالمية المرموقة الحدث بشكل مباشر وآني، حيث تجاوزت التغطية مجرد وصف مراسم التشييع إلى تحليل الرسائل السياسية والأمنية والجيوسياسية التي حملها هذا الحدث.
واللافت للنظر أن العديد من وسائل الإعلام التي خلال الأشهر الماضية ركزت على سيناريوهات عدم الاستقرار وإضعاف الجمهورية الإسلامية بعد الحرب، اضطرت هذه المرة إلى الاعتراف بحقيقة مختلفة؛ حقيقة جسّدها الحضور الجماهيري الهائل، انتظام سير المراسم، استمرار عمل مؤسسات الحكم، ومشاركة الوفود الأجنبية، مما أظهر صورةً مغايرةً لإيران بعد الحرب. وهذا ما جعل مراسم تشييع القائد الشهيد تتحول، إلى جانب أبعادها الدينية والوطنية، إلى ساحة تنافس للروايات وإعادة تعريف صورة إيران في وسائل الإعلام العالمية.
وسائل الإعلام العالمية؛ من سرد حدث إلى اعتراف بالتماسك الوطني الإيراني
منذ اللحظات الأولى لانطلاق المراسم، حوّلت وسائل الإعلام الدولية طهران إلى واحدة من أهمّ المراكز الإخبارية في العالم، عبر إرسال مراسلين وبثّ مباشر.
وكتبت وكالة رويترز في تحليل غير مسبوق أن مراسم التشييع تجاوزت وداعاً وطنياً، وأن بحر المعزين في طهران وجّه رسالةً واضحةً إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مفادها أن محاولاتهما لتفكيك الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد فشلت. وأكدت الوكالة أن إيران لم تضعف بعد الحرب بل أظهرت نفسها كدولة صامدة ومتحدة، ومستعدة للعب دور فاعل في النظام الإقليمي الجديد.
أما بي بي سي العربية، فوضعت خبر التشييع في صدارة أخبارها، ووصفت المراسم بأنها «تاريخية»، مشيرةً إلى امتداد موكب التشييع لعدة كيلومترات في شوارع طهران.
كما اعتبرت وكالة فرانس برس أن الحضور الكثيف دلالة على صمود إيران بعد هجمات أمريكا والكيان الصهيوني، وذكرت أن عدد المشاركين قد يعادل أو يتجاوز عدد المشاركين في مراسم تشييع مؤسس الجمهورية الإسلامية.
ومن جانبها، نقلت وكالات أسوشيتد برس، وABC نيوز، ويورونيوز، وTRT التركية على نطاق واسع صور الحشود الغفيرة، والأجواء العاطفية للمراسم، ومشاركة مختلف شرائح المجتمع.
وفي المشهد الإعلامي الإقليمي، وصفت قنوات الجزيرة، والمنار، والمسيرة، والعهد، وشهاب فلسطين، وشبكات عراقية ولبنانية أخرى الحضور الجماهيري الكبير كأبرز سمات هذا الحدث، مع تغطية مباشرة للمراسم.
من ناحية أخرى، أفادت وسائل الإعلام الروسية مثل وكالة ريا نوفوستي وتاس، بأن شوارع طهران كانت منذ فجر اليوم مكتظةً بالجماهير التي خرجت لتوديع القائد الشهيد.
حتى وسائل إعلام الكيان الصهيوني مثل تايمز إسرائيل، وجيروسالم بوست، وهيئة البث الإسرائيلية (هآرتس) لم تستطع تجاهل ضخامة الحضور، وذكرت أن شوارع طهران كانت مليئةً بالناس.
فشل رواية عدم الاستقرار؛ ما الرسائل التي تلقتها وسائل الإعلام الأجنبية؟
الوجه المشترك في جُل التقارير المنشورة كان التركيز على نقطة أساسية؛ وهي استمرار التماسك الداخلي في إيران. خلال الأشهر الماضية، استندت بعض التحليلات الغربية إلى فرضية أن استبعاد قائد الثورة قد يمهّد لانهيار سياسي وشرخ في بنية السلطة، إلا أن الصور المنشورة من طهران قدّمت روايةً مختلفةً أمام الرأي العام العالمي.
إن تقرير رويترز عن «مقاومة إيران ووحدتها»، ووصف وكالة فرانس برس لـ«صمود الجمهورية الإسلامية»، وسرد بي بي سي العربية لمراسم «تاريخية»، وحتى اعتراف وسائل الإعلام الإسرائيلية بالحضور الجماهيري الواسع، كلها تدل على أن رواية الضعف قد انهارت.
ولم يقتصر هذا الانطباع على وسائل الإعلام فقط، فقد كتب غلين غرينوالد، الصحفي الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر، مع نشره لصور المراسم، أن تصور وجود حشود كهذه لتشييع قائد في أمريكا، يكاد يكون مستحيلاً.
كما وصف ماكس بلومنتال، الكاتب والصحفي الأمريكي، مراسم التشييع بأنها من اللحظات الخالدة في الحركات المناهضة للإمبريالية، وأكد أن الهدف من اغتيال قائد الثورة كان تغيير النظام السياسي في إيران، لكن صور طهران اليوم تبيّن أن هذه الاستراتيجية حققت نتائج عكسية.
هذه التصريحات، إلى جانب تقارير وسائل الإعلام الغربية، تشير إلى أن الحرب الإدراكية ضد إيران تواجه تحديات أمام الحقائق الميدانية.
تشييع القائد الشهيد؛ حدث يفوق كونه مراسم وطنية
ما يميّز تغطية وسائل الإعلام العالمية عن مجرد خبر عادي، هو تركيزها على التداعيات الاستراتيجية لهذه المراسم. قسم كبير من وسائل الإعلام الدولية تناول، إلى جانب التغطية، موضوعات مثل المفاوضات المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة، أمن مضيق هرمز، توازن القوى في غرب آسيا، حضور الوفود الأجنبية ومستقبل التطورات الإقليمية؛ ما يدل على أنهم لم يعتبروا هذا الحدث مجرد شأن داخلي.
في الواقع، تحوّل تشييع القائد الشهيد إلى منصة لتقييم مستقبل الجمهورية الإسلامية؛ اختبار رصدته العديد من الوسائل عبر استمرار النظام السياسي، المشاركة الجماهيرية الواسعة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
وفي الوقت ذاته، عزّز حضور الوفود الأجنبية العديدة، وبثّ عشرات الوسائل الإعلامية الدولية المباشر، واستمرار المراسم لأيام في إيران والعراق، رسالة أن هذا الحدث قد تجاوز حدود إيران ليصبح حدثاً إقليمياً وربما دولياً.
صفوة القول
إن مراجعة تقارير وسائل الإعلام الغربية والعربية والروسية والآسيوية تظهر أنه رغم اختلاف المناهج، إلا أن جميعها أكدت على عدة عناصر مشتركة: الحضور الجماهيري الكبير، انتظام وأمن المراسم، استمرارية الهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية، والأهمية الجيوسياسية لهذا الحدث. هذه العناصر مجتمعةً تقدّم صورةً مختلفةً عن إيران بعد الحرب، صورة تختلف بوضوح عن الروايات السابقة التي تحدثت عن انهيار أو ضعف الجمهورية الإسلامية.
ومن منظور الاتصالات الاستراتيجية، يمكن اعتبار مراسم تشييع القائد الشهيد من أنجح الأحداث الإعلامية في السنوات الأخيرة. فبدون الحاجة إلى رسائل دعائية، نقل الحدث عبر حضور الناس وانتشاره الواسع في وسائل الإعلام العالمية رسالة الثبات، التماسك والاستمرارية إلى الجمهور الخارجي.
لذلك، لا تقتصر أهمية هذه المراسم على أبعادها الدينية أو التاريخية فحسب، بل يجب اعتبارها جزءاً من حرب الروايات في النظام الدولي؛ حيث شكّلت صورة الملايين في شوارع طهران تحدياً للعديد من الحسابات والروايات السابقة بشأن مستقبل إيران، وأظهرت أنه في معادلات القوة، لا يزال رأس المال الاجتماعي والانسجام الوطني من أهمّ عوامل الردع والاقتدار للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
