الوقت- في الفضاء التحليلي الإيراني، ظل هناك منظورٌ يرى باكستان باعتبارها دولةً تابعةً لأمريكا، والدول العربية المطلة علی الخليج الفارسي، وخاصةً المملكة العربية السعودية، وبناءً على ذلك، يعتبر أي مسعى من إسلام آباد لتوسيع علاقاتها مع طهران بأنه مسعى تكتيكي، أو مرحلي، أو حتى خادع. هذا المنظور، وإن كان يرتكز على جزء من الحقائق التاريخية، إلا أنه في ظل الظروف الإقليمية الجديدة، لم يعد كافيًا لتحليل سلوك باكستان.
أولًا، لا بد من التسليم بأن باكستان، مثلها مثل أي دولة أخرى، تنظّم سياستها الخارجية بناءً على مصالحها الوطنية. وكما تضع إيران أيضًا مصالحها نصب أعينها دائمًا في تفاعلاتها مع القوى المختلفة، فإن باكستان مضطرة أيضًا إلى إقامة توازن بين علاقاتها مع الفاعلين الإقليميين وعبر الإقليميين المتعددين. إن إقامة علاقات وثيقة مع أمريكا، والصين، والدول العربية، أو حتى السعي لتحسين العلاقات مع إيران، لا يعني بالضرورة الخيانة لأحدهم أو التبعية الكاملة لآخر؛ بل هو جزء من سياسة “الموازنة” التي تنتهجها الكثير من الدول المتوسطة في النظام الدولي.
ثانيًا، إن التصور القائل بأن باكستان تحتاج إلى “الرقص على أنغام” إيران أو تقديم تنازلات أحادية الجانب لإرضائها، لا يتوافق مع الحقائق الجيوسياسية. باكستان دولة يزيد عدد سكانها عن 250 مليون نسمة، وتتمتع بموقع استراتيجي يربط جنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وغرب آسيا، والمحيط الهندي. وهي تحظى بدعم استراتيجي من الصين، ولها علاقات اقتصادية وأمنية واسعة مع الدول العربية، ولا تزال تحافظ على مكانتها في التعامل مع الغرب أيضًا. وعليه، فإن إسلام آباد تسعى إلى توسيع علاقاتها مع طهران ليس من موقع ضعف، بل من موقع تحقيق مصالحها.
من جهة أخرى، ازدادت أهمية إيران بالنسبة لباكستان بشكل مضطرد. فالتطورات في أفغانستان، وتهديد الجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية، وضرورة تأمين الحدود المشتركة، وتطوير التجارة الإقليمية، وربط ممرات العبور، وأمن الطاقة، وكذلك خفض التوترات الإقليمية، كلها عوامل جعلت البلدين في حاجة ماسة إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى.
وفي ظل هذه الظروف، لا ينبغي تفسير الزيارات المتكررة لكبار المسؤولين الباكستانيين إلى إيران، والحوارات الأمنية والاقتصادية، وحتى مسعى إسلام آباد للعب دور الوسيط في بعض الأزمات الإقليمية، على أنها مجرد “لعبة سياسية” أو “عرض دبلوماسي”.
في العلاقات الدولية، عادةً ما تجد الوساطة معناها عندما تشعر دولة ما بأنها ستحقق مكاسب لنفسها من خفض التوتر بين طرفين. وعليه، حتى لو كان دافع باكستان قائمًا بالكامل على مصالحها الوطنية، فإن هذا الأمر لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الإيرانية. الواقعية السياسية تقتضي أن تستغل الدول تقارب المصالح، حتى لو كان مؤقتًا، لإنشاء آليات تعاون مستدامة.
يظهر تاريخ العلاقات الدولية أن العديد من الشراكات الاستراتيجية في عالم اليوم لم تتشكل على أساس الثقة الكاملة، بل على أساس إدارة الخلافات وإدراك المصالح المشتركة. والثقة عادةً ما تكون نتاجًا للتعاون الناجح، وليست شرطًا مسبقًا له. كما أن التشاؤم المزمن يمكن أن يكون ضارًا تمامًا مثل التفاؤل المفرط. وإذا تم تفسير أي إجراء إيجابي من باكستان مسبقًا بسوء النية، فستضيع فرص التعاون في مجالات مثل التجارة الحدودية، والأمن، والطاقة، والنقل، وربط الممرات الإقليمية، والتعاون في إطار المنظمات الإقليمية، وتطوير المناطق الحدودية. في المقابل، فإن سياسةً تقوم على “الثقة المشروطة والتعاون المرحلي” يمكنها أن تحقق مصالح إيران، وفي الوقت نفسه تتيح إمكانية التقييم المستمر لسلوك الطرف الآخر.
نقطة مهمة أخرى هي تغير البيئة الجيوسياسية الإقليمية. إن تنافس القوى العظمى، والأهمية المتزايدة لممرات العبور، والتحول في سوق الطاقة، والدور المتنامي للصين في المنطقة، وتغير موازين الأمن، كلها عوامل جعلت التعاون بين إيران وباكستان أكثر منطقيةً من الناحية الاستراتيجية من أي وقت مضى. فلم يعد هذا التعاون مجرد خيار سياسي، بل تحول في العديد من المجالات إلى ضرورة جيواقتصادية وجيوسياسية.
بناءً على ذلك، فإن السياسة العقلانية لإيران ليست الثقة غير المشروطة بباكستان، ولا التشاؤم الدائم تجاه أي إجراء تتخذه؛ بل هي اعتماد نهجٍ قائم على الواقعية، وتحديد مشاريع مشتركة، وزيادة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وتطوير التعاون الأمني، وتعزيز الروابط الشعبية، والتقييم المستمر لسلوك الطرف الآخر.
ويجب الانتباه إلى أن العلاقات بين إيران وباكستان لن تصبح مستقرةً إلا عندما تتجاوز مستوى الشعارات السياسية وتترسخ على أساس المصالح الاقتصادية والأمنية والإقليمية المشتركة. فكلما كانت المصالح المشتركة بين البلدين أعمق وأكثر مؤسسيةً، قلّ احتمال العودة إلى حالات انعدام الثقة السابقة.
إن فنّ الدبلوماسية يتمثّل تحديدًا في أنه حتى في غياب الثقة الكاملة، يمكن استثمار الفرص الناشئة عن تقارب المصالح لبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
في النهاية، من الأفضل أن نبتعد عن ثنائية “هل باكستان صديق حقيقي أم أنها تخدع إيران؟”. في العلاقات الدولية، لا تملك الدول صديقًا دائمًا ولا عدوًا دائمًا؛ ما يدوم هو مصالحها الوطنية. لذا، ليس السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت باكستان صادقةً تمامًا أم لا، بل السؤال هو: هل أوجد التقارب الحالي للمصالح بين إيران وباكستان فرصًا يمكن لإيران استثمارها أم لا؟
