الوقت- في الوقت الذي ينتظر فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في مكاتبهم بقصر الرئاسة نجاح مفاوضات واشنطن التي تهدف إلى وقف هجمات الكيان الصهيوني، يواصل الجيش الإسرائيلي تقدمه في عمق الأراضي اللبنانية، متوغلاً إلى ما وراء نهر الليطاني واقترب من مدينة النبطية؛ تقدم كان من الممكن أن يؤدي إلى احتلال قصر الرئاسة في بيروت تحت أقدام الجنود الإسرائيليين لو لم يكن هناك صمود مقاتلي حزب الله.
تقدّم الجيش الإسرائيلي شمال نهر الليطاني واحتل قلعة بوفورت القروسطية في محافظة النبطية الجنوبية؛ تلك القلعة التي كانت رمزاً لانتصار الجنوب الذي لا يُقهر. وتظهر مقاطع الفيديو المنشورة الجنود المحتلين داخل هذه القلعة التي تعود إلى حقبة الحروب الصليبية، وهم يرفعون أعلام "إسرائيل" وراية لواء جولاني على أسوارها.
أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أعلن بوضوح أن العمليات في مرتفعات شقيق (بوفورت) ووادي السلق بدأت بهدف تدمير البنى التحتية لحزب الله، وأن القوات الإسرائيلية قرب النبطية «جاهزة، إذا اقتضى الأمر، لتوسيع الهجوم، ما يعني الاستعداد لحصار المدينة الكبيرة النبطية».
وجاء هذا التقدم بعد أن أصدرت القوات الإسرائيلية في الأيام الماضية أوامر بإخلاء ثلاثة وعشرين قرية تقع خارج الخط الأصفر، مما يعني أن الجيش يسعى فعلياً لفرض منطقة أمنية أوسع من المنطقة العازلة السابقة.
وفي القسم الغربي، تشمل هذه القرى: مزرعة بيت الصياد، مجدل زون، وزبقين. أما القرى في القسم المركزي فتضمّ: ياطر، سربين، الطيري، كونين، حداثا، بيت ياحون، شقرة، مجدل سلم، قبريخا وفرون. وتقع قرى زووتر الشرقية، يحمر الشقيف وأرنون في منطقة شمال نهر الليطاني، فيما تتوزع قرى دير ميمس، مرجعيون، أبلسقي، المري، عين أبلس، عين عطا وكفرشوبا في القسم الشرقي منه.
الجماعات التي كانت تسكن هذه المناطق قد أُجبرت على التشرد، وأصبح الكثير من اللبنانيين يعيشون في خوف دائم من هجوم قد يحدث في أي وقت وأي مكان، إذ تحولت أصوات طائرات المراقبة المسيرة التابعة للكيان الصهيوني إلى الموسيقى التصويرية المستمرة لحياتهم اليومية.
وسط هذه الأزمة الحرجة، يصرّ المسؤولون اللبنانيون على مواصلة المفاوضات العبثية في واشنطن، وبدلاً من تعزيز آليات الدفاع، اتخذوا خطوةً غريبةً بإعلان العمليات العسكرية لحزب الله غير قانونية، وطالب رئيس الوزراء بتسليم السلاح، ما يسرع وتيرة التقدم العدواني للکيان الصهيوني.
ومن الأمثلة الصارخة على هذا التعطيل المزعج لمسار المقاومة الوطنية، ما يجري في المحكمة العسكرية في بيروت؛ حيث تم الأسبوع الماضي اعتقال ثلاثة من مقاتلي حزب الله أثناء مرورهم بتفتيش عسكري حاملين أسلحة متوجهين إلى خط المواجهة. وبعد جلسة قصيرة لم تتجاوز خمس دقائق، دفعوا غرامةً رمزيةً قدرها عشرة دولارات وأُطلق سراحهم. وفي تلك الجلسة، عبّر هؤلاء المقاتلون، مدافعو الأرض، عن فضيحة المحكمة العسكرية قائلين: «نحن نحاول الدفاع عن أرضنا. مكاننا هو الجنوب.»
أما ماذا يفعل الجيش اللبناني في مقابل ذلك؟ في الميدان، يتواجد الجيش اللبناني على مسافة بعيدة من «الخط الأصفر» - في نقاط مثل كفردونين ومرجعيون - ولا يفعل سوى مراقبة إخلاء "إسرائيل" لـ 23 قرية. جيش يحتل المرتبة 118 من أصل 145 دولة في التصنيف العالمي لعام 2026، يفتقر تماماً إلى أي منظومة دفاع جوي فعّالة، وقواته الجوية أصبحت موضوع نكات يومية تُروى في الأوساط الشعبية.
بعد انتهاء الحرب السابقة بين حزب الله و"إسرائيل" في عام 2024، أُلزم الجيش اللبناني بتفكيك ترسانة حزب الله. وحتى يناير، أعلن الجيش اللبناني عن إتمام المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح: تطهير مخازن الأسلحة، تعطيل الأنفاق والمواقع الصاروخية، والاستيلاء على الأماكن المهجورة التابعة لحزب الله، والتي تمت غالباً بموافقة المقاومة، في محاولة لإثبات حسن النية ومنع اندلاع أزمة داخلية. إلا أنه اتضح الآن أن الصهاينة استغلوا هذه الإجراءات إلى أقصى حد، وتقدموا بلا أي عائق إلى ما وراء نهر الليطاني.
أما رد فعل الجيش اللبناني على هذه الاعتداءات، فاقتصر على إصدار البيانات فقط، حتى عندما استُهدف أفراد قواته من قبل الجيش الصهيوني وسقط منهم قتلى وجرحى.
فهل هذا الضعف مجرد صدفة؟ لا على الإطلاق. يقول المحللون الدوليون واللبنانيون بصراحة إن هذه الحالة هي نتاج سياسة «التفوق العسكري النوعي» الأمريكية؛ وهو قانون يلزم واشنطن منذ عام 2008 بعدم بيع أي سلاح لأي دولة في الشرق الأوسط (باستثناء "إسرائيل") قد يهدد هذا التفوق. والجانب الآخر من هذا القانون هو فرض ضعف قسري على القوات المسلحة اللبنانية لضمان التفوق العسكري لـ "إسرائيل".
محمد بزي، مدير مركز دراسات الشرق الأدنى لدى هاغوب كفوريكيان وأستاذ جامعة نيويورك، قال: «نقدي يتمحور حول أننا نسمع باستمرار أن الجيش اللبناني يجب أن يؤمّن أمن لبنان، وخاصةً جنوب لبنان. لكن ما لا نسمعه في هذا النقاش هو أن الجيش اللبناني يُبقي عمداً ضعيفاً، غير جاهز ومفتقر للتجهيز، بفعل الولايات المتحدة والدول الغربية التي تقدم الدعم العسكري والتسليحي.»
والنتيجة على أرض الواقع واضحة: "إسرائيل" تلقّت مساعدات عسكرية تفوق 300 مليار دولار، وتضيف طبقات جديدة إلى قبة حديدها، في حين أن الجيش اللبناني لا يستطيع حتى إسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية واحدة.
وبينما تُمحى هذه المناطق واحدةً تلو الأخرى من خارطة السكان، تواصل حكومة لبنان إرسال إشارات الانقسام وتضعيف الجبهة الوطنية: فهي تخاطب المجتمع الدولي قائلةً «إذا انسحبت إسرائيل، فالجيش مستعد لتسلم الأراضي»، في إشارة صريحة إلى نزع سلاح المقاومة، وتواسي اللبنانيين بوعود «بإرساء سلطة الدولة قريباً»، بل وتغرق في سراب الحديث عن تغيير «عقيدة الضاحية».
كانت عقيدة الضاحية، التي وُضعت بعد حرب 2006 بهدف فرض تكلفة باهظة على البيئة الداعمة لحزب الله، قد تحولت اليوم إلى ذريعة لهدم البنى التحتية للبنان. وبعض المتطرفين الإسرائيليين لا يخفون قولهم صراحةً: «لا يمكن تحقيق أمن شمال إسرائيل إلا من خلال تغيير جذري للواقع في الجانب الآخر من الحدود»، وهو ما يعني تدمير كل ما في جنوب لبنان.
أما رئيس الجمهورية عون ورئيس الوزراء سلام، فلا يزالان يعقدان آمالاً على تغيير هذه العقيدة، جالسين في قصر الرئاسة ينتظران اتصالاً من واشنطن، غافلين عن أن كل يوم يمر يقرب الجنود الإسرائيليين من قصور بيروت.
وفي خضم هذه الأزمة، يواصل حزب الله، الذي ينطلق من عقيدة المقاومة، تواجده في الخطوط الأمامية، مؤكدًا أنه القوة الحقيقية الوحيدة التي تدافع عن لبنان.
اليوم، يعيش لبنان في ازدواجية تاريخية: من جهة، يقف مقاتلو حزب الله في الجنوب بأقل الإمكانيات مدافعين عن الأرض، ومن جهة أخرى، تكتفي الحكومة والجيش الرسمي، المدعومان بمفاوضات لم تسفر حتى الآن إلا عن تثبيت الاحتلال، بمشاهدة تفكك وحدة الأراضي اللبنانية. إذا كانت حكومة لبنان حقًا تسعى إلى السيادة الوطنية، فعليها فوراً، بدلاً من سراب الحديث عن تغيير عقيدة "إسرائيل"، أن تعلن الحرب الشاملة أو تعبئ الجيش لدعم القوة الميدانية الوحيدة التي منعت سقوط بيروت، أي حزب الله، دعمًا عملياً.
وإلا، فإن «المنطقة العازلة» التي يسعى الکيان لفرضها ستتوسع تدريجياً لتشمل لبنان بأكمله، وفي ذلك اليوم، لن يكون لواشنطن جواب، ولا سيكون لقصر الرئاسة ملاذ آمن.
