الوقت– عادت هذه الأيام مرة أخرى ملحمة قوافل الصمود وتكرار مأساة القمع العنيف للقوارب الصغيرة التي تحمل مساعدات غذائية وأدوية من قبل السفن الحربية، لتتصدر أخبار وحشية الجيش الصهيوني عناوين التطورات في غزة.
في 19 مايو، هاجم الجيش الإسرائيلي قافلة سفن "أسطول الصمود" التي كانت تحاول كسر الحصار البحري المفروض على غزة، وقام بضرب لنشطاء حقوق الإنسان بشكل مبرح واحتجز القوارب.
وبحسب تقرير الجزيرة فإن الجيش الإسرائيلي أوقف هذه السفن في المياه الدولية على مسافة نحو 250 ميلا بحريا من غزة.
وخلال هذه العملية، تم اعتقال أكثر من 400 ناشط في مجال حقوق الإنسان من أكثر من 40 دولة ونقلهم إلى الأراضي المحتلة.
الصورة المتوفرة تتضمن لقطات للقوات المسلحة الإسرائيلية وهي تدخل السفن، بينما يرفع الناشطون الذين يرتدون سترات النجاة أيديهم استسلاما، ومن ثم يتم إطفاء الكاميرات الموجودة على سطح السفينة وتجميعها. كما زعم المنظمون أن القوات الصهيونية أطلقت النار على خمس سفن خلال هذه العملية وألحقت أضرارًا ببعضها.
أثار هذا الإجراء، خاصة مع نشر صور الهجوم العنيف الذي شنه الجيش الصهيوني ومن ثم المعاملة المهينة لنشطاء حقوق الإنسان في مركز الاعتقال، الذين عوملوا مثل أسرى الحرب والمجرمين بأيدي مغلقة ومعصوبي الأعين، موجة من الاحتجاج والاشمئزاز العالمي. واستدعت 11 دولة على الأقل سفراء ودبلوماسيي هذا الكيان
ووصفت تركيا الأمر بأنه "قرصنة"، في حين دعت إيطاليا إلى إجراء تحقيق في استخدام إسرائيل للقوة، في حين اتخذت إسبانيا لهجة أكثر صرامة. ووصف خوسيه مانويل ألباريز، وزير خارجية هذا البلد، معاملة الناشطين بأنها "وحشية وغير إنسانية ومخزية"، واستدعى وزير الكيان لتقديم احتجاج رسمي.
وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو استدعاء سفير الكيان للتعبير عن "غضب واشمئزاز باريس"، كما وصف وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بروفو هذا التصرف بأنه "مزعج للغاية وغير مقبول".
وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فقد وصف رئيس كوريا الجنوبية أيضًا احتجاز مواطني هذا البلد في المياه الدولية بأنه "لا أساس له"، ووصف الأسباب التي ساقتها إسرائيل بأنها "تتعارض مع القانون الدولي".
وكان رد فعل أيرلندا حادًا أيضًا لأنه، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية، تم اعتقال ما لا يقل عن 12 مواطنًا أيرلنديًا، من بينهم الدكتورة مارغريت كونولي، شقيقة رئيس أيرلندا، في هذه العملية. ووصف رئيس الوزراء الأيرلندي هذا الإجراء بأنه "غير مقبول على الإطلاق" في المياه الدولية، وشدد على أن للناس الحق في الاحتجاج السلمي على الوضع الإنساني "الصادم" في غزة. كما دعا وزير الخارجية الأيرلندي إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين، وطالب إسرائيل بالالتزام بالتزاماتها الدولية.
روايات شهود عيان عن العنف الشديد في مراكز الاحتجاز
وأعلن مركز "عدالات" القانوني أنه بعد الاستيلاء على هذا الأسطول، تعرضوا لعنف شديد وتحرش جنسي وإصابات خطيرة من قبل قوات الاحتلال.
وقال البيان إن الفريق القانوني وثق انتهاكات ممنهجة للإجراءات القانونية الواجبة فضلا عن المضايقات الجسدية والنفسية واسعة النطاق. وبحسب هذا المركز، فقد تم تسجيل عشرات الشكاوى حول أعمال عنف شديدة أدت في بعض الحالات إلى إصابات خطيرة، وتم نقل ثلاثة أشخاص على الأقل إلى المستشفى قبل خروجهم.
وفي أحدث مثال لروايات شهود عيان، شرح داريو كارنوتو، ممثل حركة الخمس نجوم الإيطالية، وأليساندرو مانتوفاني، مراسل صحيفة إل فاتو كوتيديانو، بعد عودتهما إلى روما بعيون دامعة، تفاصيل هذا اللقاء العنيف.
وقال كارونوتوتو للصحفيين في مطار فيوميتشينو في روما: "لقد ضربونا، وبين اللكمات والركلات، سخروا منا قائلين: مرحبًا بكم في إسرائيل!". قام ثلاثة أشخاص بضربي بشدة. لقد لكموني في عيني وركلوني. لقد كانت لحظة شعرت فيها أنني لن أتمكن من رؤيتها مرة أخرى".
كما كشف مانتوفاني، مراسل هذه القافلة، عن الأبعاد الأوسع لهذا العنف في مقطع فيديو نشره على موقع صحيفته: "تعرض كل من مر عبر المدخل تقريباً للضرب. وكنا نسمع صراخاً من الخارج. ورأيت أشخاصاً ربما كُسرت أذرعهم وأضلاعهم".
وأضاف الصحفي الإيطالي بلهجة انتقادية: "هذا هو الوجه الحقيقي لإسرائيل، وللأسف هذا السلوك لا يقارن بما تفعله إسرائيل مع 9000 أسير فلسطيني". إذا استمرت إسرائيل في هذه التصرفات، فذلك لأنها تحظى بدعم حكومات أوروبا الغربية، بما في ذلك حكومتنا. ولم ترد الحكومة حتى نُشرت الصور الصريحة للعنف.
استمرار الظروف الإنسانية القاسية بعد الحرب
على الرغم من أن الحرب في غزة قد انتهت على ما يبدو، إلا أن الحرب في الواقع لا تزال مستمرة بشكل مختلف، وتتسبب في سقوط ضحايا من الفلسطينيين.
وتشير الإحصاءات إلى أن وصول المساعدات انخفض بشكل كبير، وفي مارس/آذار، دخل ما متوسطه 112 شاحنة مساعدات إلى المنطقة يوميًا. وتشير المنظمات الدولية، مثل برنامج الغذاء العالمي، إلى أن الوضع في غزة حرج. ولا يزال جزء كبير من السكان يعيشون في خيام مكتظة ومباني متداعية، في حين أن البنية التحتية الحيوية مثل أنظمة المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات أصبحت غير صالحة للعمل تقريبًا.
أحد الجوانب الأكثر رعبا لهذه الأزمة هو حالة الصحة العامة. ووفقا لبيانات منظمة "العون الطبي للفلسطينيين" (MAP)، فقد وصلت نسبة الإصابة بالطفيليات في عام 2026 إلى أرقام مثيرة للقلق. يشكل الأطفال أكثر من 62% من الأشخاص المصابين بالأمراض الجلدية.
ويحذر الأطباء العاملون في المراكز الطبية بغزة من أن الكثافة السكانية في المخيمات، وعدم كفاية التهوية، وعدم توفر المنظفات، وفرت بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية مثل الجرب والالتهابات الفطرية؛ أمراض تتحول إلى خراجات مؤلمة وخطيرة بسبب غياب حتى أبسط الأدوية.
ووصفت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الوضع الحالي بأنه "فظيع للغاية". وبسبب قوانين الكنيست الصهيوني ضد هذه الوكالة، هناك قيود شديدة على نقل الأدوية إلى غزة والضفة الغربية، كما تقلصت قدرة الناس على الوصول إلى المراكز الصحية بشكل كبير.
وليس هناك نهاية للكارثة. كما أن أزمة السكن والمعيشة وصلت إلى حد الانفجار. وأعلن خبراء في شؤون إعادة إعمار غزة أن نحو 60% من مساحة قطاع غزة أصبحت خارج نطاق متناول السكان، وأن نحو مليون فلسطيني محاصرون في 40% فقط من المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تشير تقييمات الأقمار الصناعية لمنظمة الأغذية والزراعة إلى أن أكثر من 86% من الأراضي الزراعية في غزة قد تضررت، وأن حوالي 1.5% فقط من هذه الأراضي ما زالت صالحة للاستخدام. وقد دقت هذه البيانات ناقوس الخطر من حدوث مجاعة شاملة في منطقة لا يعاني سكانها من عواقب الحرب فحسب، بل أيضاً من الحرمان المنهجي من الحق في الحياة.
في النهاية، لا بد من القول أن قصة غزة المدمرة والشعب الذي لا يزال يعيش بالكاد مع جروح لم تلتئم لا تزال تزعج الوجدانيين الأحرار، وعندما ترى نيران الظلم والمعاناة التي لا نهاية لها لهؤلاء المضطهدين، فإنها لا تنتظر فقط تصرفات الحكومات المخادعة والمنظمات الدولية المتغطرسة ولكنها تتحرك وتقف لمساعدة المشردين. إنها تنهض، يومًا على شكل احتجاجات وإضرابات في الشوارع لوقف الحرب، ويومًا آخر عبر إطلاق قوافل مساعدات لكسر الحصار اللاإنساني على غزة.
