الوقت - لقد أثارت الحادثة الأمنية التي وقعت ليلة أمس (الأحد) في واشنطن، خلال مأدبة عشاء جمعت المراسلين بترامب ــ والتي أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أنها محاولة اغتيال استهدفت مسؤولي البيت الأبيض ــ ردود فعل واسعة في أنحاء العالم، ولا تزال تتصدر عناوين الوسائل الإعلامية التي تواصل استقصاء أبعاد هذا الحدث وتداعياته.
ومما لا شك فيه أن أحد الأبعاد الجوهرية لهذه الحادثة، والتي بدأت معالمها تتشكل منذ الدقائق الأولى لوقوعها، هو الكيفية التي "يركب بها ترامب الموجة" ويستغل رواية محاولة اغتياله دعائياً وسياسياً لصالح أجندته.
ولا ريب في أن ترامب يظل وجهاً منبوذاً، أو على الأقل غير محبوب، لدى قطاع عريض من الأمريكيين؛ هؤلاء الذين يرفضون بشدة رؤاه وسياساته حيال القضايا الداخلية والخارجية، وازدرائه للأعراف الديمقراطية، وأكاذيبه المتكررة، وصولاً إلى التحديات الاقتصادية الراهنة الناجمة عن تأجيج نيران حرب عبثية أخرى في الشرق الأوسط.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن شعبيته قد تآكلت حتى مقارنةً بما كانت عليه قبل عام واحد، ليصنّف ضمن الرؤساء الأقل شعبيةً في تاريخ أمريكا؛ وهو الأمر الذي اصطلح هو على تسميته بـ "متلازمة ترامب"، لكي يصور نفسه دوماً في ثوب الضحية التي تستهدفها حملة إعلامية ودعائية ممنهجة من قِبل ما يسميه "الدولة العميقة" للعولميين و"اليسار الراديكالي".
يرى علماء الاجتماع أن هذا الأسلوب في المواجهة يمثّل "ميكانيكيةً ترامبيةً" لإعادة إنتاج الاستقطاب المجتمعي وتأجيج نزعات العنف في مختلف الطبقات الاجتماعية، مما يتيح له استثماراً سياسياً في خضم الصراع على السلطة؛ بحيث غدا المجتمع الأمريكي اليوم يواجه صدوعاً سياسيةً واجتماعيةً أشدّ عمقاً وراديكاليةً مقارنةً بما كان عليه قبل عام 2017.
والآن أيضاً، وبذات الطريقة التي يتعامل بها مع نقد سياساته ورؤاه، يتخذ ترامب من الروايات المتعلقة بمحاولة اغتياله فرصةً ذهبيةً وطوق نجاةٍ أمام الضغوط لترميم مكانته في وجدان الرأي العام، إلى حدٍّ يمكن معه الزعم بأن مثل هذه الأحداث لا تثير قلقه من فوران الغضب الشعبي جراء سياساته، بل ربما يجد فيها غرضاً ينشده ولا يميل عنها.
وفي واقع الأمر، إذا كانت محاولة الاغتيال الفاشلة في عام 2024، في ذروة الحملات الانتخابية، قد عملت كـ "مصعدٍ للسلطة" أعاده إلى البيت الأبيض، فإنه يرى فيها هذه المرة "حبل نجاة" ينتشله من مستنقع الأزمات المحيطة به.
فبعد ثلاثة أشهر فقط من ذلك اليوم الذي واجه فيه ترامب الصحفيين متسلحاً بأرقام اقتصادية وصفها بـ "المذهلة" حول أداء عامه الأول بعد العودة للحكم، جاء لقاء ليلة أمس في ظروفٍ مناقضة تماماً؛ فبفضل إشعال فتيل حربٍ جديدة وعبثية ضد إيران، غابت الأرقام الاقتصادية الإيجابية، وتبددت أجواء الحماس لتكرار ذلك النصر "السريع والحاسم ومنخفض التكلفة" الذي تحقق في فنزويلا.
إذ لم تُهزم إيران في الحرب، ولم يسقط نظامها كما ادعى ترامب؛ بل على العكس، وبفضل سوء تقدير البيت الأبيض، كشفت طهران عن معادلة جديدة في ميداني الحرب والدبلوماسية عبر سيطرتها على مضيق هرمز. ونتيجةً لذلك، ارتفعت أسعار الوقود في المحطات الأمريكية ارتفاعاً جنونياً، وسجلت الأسواق المالية خسائر فادحة، وفي غياب أفقٍ واضح لاستراتيجية البيت الأبيض للخروج من هذه الحرب المكلفة، تتصاعد يوماً بعد يوم حدة المعارضة لاستمرارها، ويتعاظم سخط الرأي العام من أداء ترامب الذي جاء مناقضاً لوعوده. لدرجة أنه مع استمرار هذا المنوال، لم تعد فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسلطة في الكونغرس تتلاشى فحسب، بل بات احتمال تلقيهم هزيمةً مدويةً أمام الديمقراطيين في انتخابات منتصف المدة في أكتوبر القادم، وفي انتخابات الرئاسة لعام 2028، أمراً مرجحاً وبقوة.
يرى طيفٌ واسع من معارضي ترامب أنه أشعل فتيل الحرب مع إيران فراراً من تبعات الفضيحة الأخلاقية المدوية في قضية "جيفري إبستين"، سعياً منه لصرف أنظار الرأي العام وعدسات الإعلام نحو ميدانٍ آخر، وإسكات المطالبات المتصاعدة بكشف الوثائق والمعلومات السرية لتلك القضية. ومع ذلك، فإنه وبفشله المرجح في حربه ضد إيران، سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام ركامٍ مضاعف؛ إذ سيعود اهتمام الرأي العام بقوة إلى ملف "إبستين" ودوره في تلك الفضيحة الغارقة في الوحول.
في ظل هذه الظروف المتأزمة، بدت حادثة الاغتيال وكأنها الترياق الذي يحتاجه ترامب للنجاة من هذا الموقف العصيب؛ بل يمكن القول إن من أطلق النار لم يكن خطراً يهدد حياته، بقدر ما كان "منقذاً" ظهر له في اللحظة الحرجة.
وكما كان متوقعاً، سارع ترامب شخصياً ــ وبتقمصٍ لافت لدور المراسل الجنائي ــ بنشر الصور الأولى وهوية المشتبه به عبر منصته "تروث سوشال"؛ ثم أعقب ذلك بمؤتمر صحفي وضع فيه نفسه في مصافّ أعظم الرؤساء في التاريخ الأمريكي، مبرراً ذلك بأن محاولات الاغتيال ــ على حد تعبيره ــ لا تستهدف إلا أولئك الذين يصنعون المنجزات العظيمة.
وبمعزلٍ عن أي تحقيقات أولية أو حتى بانتظار تقارير الأجهزة الاستخباراتية، ألمح ترامب إلى احتمال ارتباط هذه الواقعة بالحرب مع إيران، مؤكداً أن هذا الحادث لن يفتّ في عضد سياسة "الضغوط القصوى" التي ينتهجها؛ في محاولةٍ مكررة لتسويق رواية "النجاح الباهر" في الملف الإيراني، وهي الرواية التي لم تعد تجد لها صدىً في وجدان الرأي العام.
لقد صيغت تفاصيل المشهد بدقةٍ متناهية، لدرجة أن الكثير من المراقبين السياسيين ورواد الفضاء الافتراضي باتوا يفسرون الواقعة على أنها "عملية راية مزيفة" (False Flag). ومع ذلك، سواء أكانت محاولة اغتيال فاشلة أم عملية تضليل ناجحة، فلا يبدو أن ترامب سيتمكن هذه المرة من حشد قاعدته الجماهيرية لخدمة مآربه السياسية، ولاسيما محاولة إخماد جذوة الغضب الشعبي جراء اندلاع حرب جديدة؛ وإن ظلت هذه الحادثة تمثّل أداةً دعائيةً ضاربةً في يده لمهاجمة الديمقراطيين وزيادة حدة الاستقطاب في مجتمعٍ يغلي فوق صفيحٍ ساخن.
