الوقت - في أعقاب هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران وتعطيل مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أصبح الجدل حول "حقيقة أسعار النفط" مقابل "الرواية السياسية لوضع السوق" أحد أهم القضايا في الاقتصاد العالمي.
بينما يحاول دونالد ترامب إيصال فكرة أن الأزمة الأخيرة لم يكن لها تأثير خطير ودائم على سوق الطاقة من خلال التأكيد على الانخفاضات المؤقتة في أسعار النفط بعد إعلان وقف إطلاق النار أو إعادة فتح هذا الممر الحيوي مؤقتًا، فإن نظرة فاحصة على اتجاهات السوق الفعلية تُظهر أن هذه الرواية ليست غير مكتملة فحسب، بل إنها في كثير من الحالات تقدم صورة غير دقيقة ومضللة للوضع الحالي.
خلال هذه الفترة، أظهر سوق النفط تقلبات حادة وحساسية بالغة للتطورات الآنية. فكلما وردت أنباء عن انخفاض حدة التوترات أو إعادة فتح طرق التصدير، انخفضت الأسعار بسرعة، لكن هذا الاتجاه لم يدم طويلاً، وما إن عادت المخاوف بشأن أمن طرق النقل حتى ارتفعت الأسعار مجدداً.
فعلى سبيل المثال، في 17 أبريل/نيسان، عقب إعلان إيران فتح مضيق هرمز، تفاعل سوق النفط فوراً، حيث انخفضت الأسعار بأكثر من 10%، ووصل سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى حوالي 84.95 دولاراً، وخام برنت إلى 90.87 دولاراً. وهذه تحديداً هي اللحظات التي يُبرزها ترامب وحلفاؤه الإعلاميون كدليل على "السيطرة على السوق" ونجاح سياساتهم.
إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلاً، إذ قفزت الأسعار مجدداً مع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز. ومع تصاعد التوترات وتزايد حالة عدم اليقين في المفاوضات، دخل السوق في مرحلة صعودية أخرى، حتى بلغ سعر خام برنت 106 دولارات يوم الخميس (23 مايو/أيار)، بعد تفعيل الدفاعات الجوية في طهران للتصدي لأهداف معادية.
بحسب البيانات المسجلة في التداولات الأسبوعية، ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة تتراوح بين 14 و17% خلال الأسبوع الثالث من أبريل، بينما ارتفعت أسعار خام غرب تكساس الوسيط بنسبة تتراوح بين 13 و15%. تشير هذه الأرقام إلى أن السوق لم تدخل مرحلة صعودية فحسب، بل شهدت أيضًا زيادة في التقلبات. في بعض الأيام، وصلت التغيرات اليومية في الأسعار إلى عدة دولارات للبرميل، وهو ما يُعدّ تحركًا ملحوظًا في سوق الطاقة. يُظهر هذا النمط من السلوك أن السوق ليست متقلبة فحسب، بل تتأثر بشدة بالمخاطر الجيوسياسية، وأن أدنى تغيير في الوضع السياسي كفيل بالتسبب في تقلبات الأسعار.
يحدث هذا الاتجاه التصاعدي في سوق النفط في وضع كانت فيه الأسعار قبل الهجوم على إيران تتراوح بين 70 و75 دولارًا، لكن سوق النفط شهد زيادة في الأسعار بأكثر من 30 إلى 40 بالمائة في فترة زمنية قصيرة، مما يجعل العودة إلى تلك الفترة حلمًا للعديد من الخبراء.
حدث هذا الاتجاه التصاعدي في سوق النفط في وضع كانت فيه الأسعار قبل الهجوم على إيران تتراوح بين 70 و 75 دولارًا، لكن سوق النفط شهد زيادة في الأسعار بأكثر من 30 إلى 40 بالمائة في فترة زمنية قصيرة، مما يجعل العودة إلى تلك الفترة حلمًا للعديد من الخبراء.
من جهة أخرى، تؤكد تحليلات جديدة أجرتها مؤسسات مالية عكس رواية واشنطن. فبحسب تقرير صادر عن مؤسسة جي بي مورغان المالية، لا يزال سعر النفط الحالي، المقدر بنحو 100 دولار للبرميل، "أقل من المستوى المطلوب" لتعويض نقص الإمدادات، ومن المرجح أن ترتفع الأسعار أكثر. ويؤكد التقرير أن الانخفاض الظاهر في الطلب يعود في الواقع إلى نقص فعلي في الإمدادات، وليس إلى تحسن في ظروف السوق، وأن هذا يعني أن النفط غير متوفر إطلاقاً في بعض المناطق، وليس أنه أصبح أرخص.
من جهة أخرى، كان لتعطيل مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم، تداعيات واسعة النطاق على سلسلة التوريد العالمية. فقد أدى انخفاض حركة ناقلات النفط، وتزايد مخاطر الشحن، وتنامي المخاوف بشأن أمن هذا الممر، إلى ارتفاع التكاليف الحقيقية لنقل النفط.
وتنعكس هذه التكاليف المتزايدة في نهاية المطاف على السعر النهائي للطاقة، وتُحمّل على الصناعات والمستهلكين، حتى عندما تبدو أسعار النفط الخام منخفضة ظاهريًا. وهذا يدل على أن ضغوط الأزمة لا تقتصر على أسعار النفط الخام فحسب، بل أثرت على هيكل تكلفة قطاع الطاقة بأكمله.
الفجوة بين السوقين الورقي والحقيقي
في ظل هذه الظروف، باتت الفجوة بين السوق الورقي والسوق الحقيقي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبينما قد تتأثر أسعار النفط في الأسواق المالية بالأخبار قصيرة الأجل والتوقعات النفسية، يختلف الوضع تمامًا في السوق الحقيقي، حيث يتم تداول النفط وتسليمه فعليًا. وقد أدت قيود العرض، وارتفاع تكاليف النقل، وتزايد المخاطر الأمنية، إلى أن يكون السعر الحقيقي للنفط بالنسبة للعديد من المشترين أعلى من الأرقام المعلنة في المؤشرات الرسمية.
تتضح هذه الفجوة أكثر عند النظر إلى تأثيرها على المستهلكين. فارتفاع أسعار الوقود في العديد من الدول، وخاصة في الولايات المتحدة حيث ارتفعت أسعار البنزين من حوالي 2.88 دولار إلى أكثر من 5 دولارات للجالون، يُظهر أن الانخفاضات قصيرة الأجل في أسعار النفط الخام لا تُحدث تأثيرًا فوريًا ومباشرًا على إنفاق المستهلكين. في الواقع، فإن سلسلة إمداد الطاقة، من الإنتاج إلى الاستهلاك، مصممة بحيث تنتقل الزيادات في التكاليف بسرعة إلى المستهلكين، بينما تصل تخفيضات الأسعار إليهم بتأخير وأحيانًا بشكل غير كامل.
لهذا السبب، يعتقد العديد من خبراء الطاقة أنه حتى لو عاد الاستقرار النسبي إلى الشرق الأوسط وأُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل، فلن يعود سوق الطاقة سريعًا إلى حالته قبل الحرب. ويرون أن إصلاح سلاسل الإمداد المتضررة واستعادة الثقة في طرق النقل ستكون عملية تستغرق وقتًا طويلاً، وقد يستغرق الأمر شهورًا قبل أن تعود أسعار النفط والغاز إلى مستويات ما قبل الأزمة.
بالإضافة إلى ذلك، امتد تأثير أزمة الطاقة إلى قطاعات اقتصادية أخرى. فارتفاع تكاليف الطاقة يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج في مختلف الصناعات، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. من النقل إلى إنتاج الغذاء والسلع الأساسية، يتأثر الجميع بارتفاع تكلفة الطاقة. وهذا يُظهر بوضوح أن أزمة النفط ليست مجرد مشكلة تقتصر على سوق الطاقة، بل إنها تُلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي برمته.
من منظور كلي، وصفت وكالة الطاقة الدولية أزمة الدول الخليجية بأنها "أكبر تحدٍّ لأمن الطاقة في التاريخ". وتتناقض هذه التقييمات بوضوح مع مزاعم السيطرة على السوق وعدم اكتراث الحرب بالأسعار، فمع أن هناك بعض الانخفاضات قصيرة الأجل، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تزايد الضغط على أسواق الطاقة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى مزيد من ارتفاع الأسعار في المستقبل، لا سيما مع استنزاف الاحتياطيات الحالية وعدم وجود بديل سريع لها.
في مثل هذه الظروف، يُعدّ التركيز على تخفيضات الأسعار قصيرة الأجل وإظهار صورة السيطرة على السوق أقرب إلى إدارة التصورات منه إلى انعكاس للواقع. قد تؤثر تصريحات أشخاص مثل ترامب على توقعات السوق على المدى القصير، لكنها لا تستطيع تغيير الحقائق الأساسية للعرض والطلب. فعندما تتعطل طرق نقل النفط الرئيسية وترتفع تكاليف الإنتاج والتوزيع، لا يُمكن توقع أن يتحرك السوق بشكل مستدام نحو انخفاض الأسعار.
لذا، فإن ما نشهده اليوم في سوق النفط هو مزيج من تقلبات حادة، ونقص في الإمدادات، وارتفاع في التكاليف، وحالة من عدم اليقين بشأن وضع أسواق الطاقة. وعليه، فإن مزاعم ترامب بأن الأزمة لا تؤثر على الأسعار لا تتوافق مع هذه الحقائق. وحتى لو شهدت الأسعار انخفاضات في بعض الأحيان، فإن هذه الانخفاضات غالباً ما تكون مؤقتة ونفسية، ولا يمكن اعتبارها مؤشراً على تحسن حقيقي في السوق.
في نهاية المطاف، لا بد من القول إن هذه الروايات، التي يروج لها بعض المسؤولين في واشنطن، لا تعدو كونها، في أفضل الأحوال، مسكناً مؤقتاً لتهدئة أجواء السوق، لكن الواقع الاقتصادي يتجاوز هذه التصورات قصيرة الأجل. ففي نهاية المطاف، سيواجه المستهلك العالمي حتماً تضخماً حقيقياً في أسعار السلع، وارتفاعاً في تكاليف الطاقة، وتزايداً في الضغوط الاقتصادية، ولن تتمكن مواقف ترامب السياسية وتغريداته المتكررة من احتواء هذه الأسعار أو تخفيضها.
