الوقت - كان للتطورات الجيوسياسية في غرب آسيا، عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، آثار عميقة وواسعة النطاق على أسواق الطاقة العالمية. وخلافاً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الضغط العسكري والاستراتيجيات العدوانية ضد إيران كفيلة باستقرار سوق الطاقة وخفض الأسعار، تُظهر الأدلة الميدانية والبيانات الاقتصادية أن هذه السياسات لم تفشل فحسب، بل فاقمت أزمة الوقود عالمياً، ولا سيما في الدول الغربية.
كان من أبرز مؤشرات الأزمة قرار شركة طيران كندا، أكبر شركة طيران في البلاد، بتعليق جميع رحلاتها المباشرة من تورنتو ومونتريال إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك لمدة خمسة أشهر.
ويأتي هذا القرار في أعقاب نقص حاد في وقود الطائرات وارتفاع أسعار الوقود في المطار بأكثر من 100%. وقد صرّح مسؤولو طيران كندا علنًا بأن الحرب في إيران ومنطقة غرب آسيا، ولا سيما اضطراب سلسلة إمداد النفط الخام وإغلاق الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، هي الأسباب الرئيسية للأزمة.
وصف خبراء صناعة الطيران الوضع بأنه "أكبر أزمة وقود في تاريخ الطيران المدني"، وهي أزمة تُعتبر أشد وطأة من تداعيات هجمات 11 سبتمبر وجائحة كوفيد-19. ويُظهر هذا التقييم مدى عمق تأثير اضطرابات الطاقة على القطاعات الحيوية للاقتصاد العالمي.
مساعي ترامب تفاقم الازمة
على الرغم من محاولات ترامب اليومية للسيطرة على أسعار النفط والوقود في السوق العالمية عبر تصريحات جديدة حول "فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق مع إيران"، إلا أن هذه المقاربات لم تُثمر حتى الآن، ولم تُحقق سوى استقرار نسبي في الأسعار لفترة وجيزة.
تُظهر الأرقام الصادرة منذ بدء الحرب الإيرانية ارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة 85% في المتوسط في أمريكا الشمالية، وبأكثر من 110% في بعض المطارات الرئيسية مثل نيويورك ولوس أنجلوس.
ويُلاحظ وضع مماثل في أوروبا، حيث ارتفعت أسعار الوقود في ألمانيا وفرنسا بنسبة تتراوح بين 70 و90%. وتشير التقارير إلى استمرار هذا الارتفاع، إذ بلغ متوسط سعر البنزين في الاتحاد الأوروبي أكثر من 2.5 يورو للتر الواحد، وهو رقم قياسي غير مسبوق.
في الولايات المتحدة، تشير البيانات إلى أن أسعار البنزين تجاوزت 6 دولارات للغالون في بعض الولايات، مثل كاليفورنيا ونيويورك. كما ارتفعت تكلفة وقود الديزل، الذي يلعب دورًا محوريًا في النقل وسلاسل التوريد، بأكثر من 60% في أبريل/نيسان مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. وقد ساهمت هذه الزيادات بشكل مباشر في ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي التضخم في الاقتصادات الغربية.
في ظل هذه الظروف، يواجه حلفاء واشنطن، الذين كان من المفترض أن يستفيدوا من سياسات أمريكا العدوانية ضد إيران، ضغوطًا اقتصادية شديدة. وقد تضررت الدول الأوروبية، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات الطاقة، بشدة. وأجبر انخفاض إمكانية الحصول على النفط الرخيص والموثوق من منطقة الخليج الفارسي شركاء أمريكا على البحث عن الطاقة من مصادر أغلى وأبعد، مما فرض تكاليف إضافية كبيرة على اقتصاداتهم.
يُعدّ تعطل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة. فقد تعرّض المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، لتقليص حادّ نتيجة التوترات العسكرية والإجراءات التقييدية. ولم تفشل جهود الولايات المتحدة لفرض حصار بحري على إيران بهدف السيطرة على الوضع وإعادة فتح الممرّ فحسب، بل ساهمت أيضاً في زيادة عدم الاستقرار وانعدام الثقة في الأسواق.
في غضون ذلك، تتناقض مزاعم ترامب بأن ممارسة أقصى الضغوط على إيران قد تؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة وتعزيز اقتصادات الولايات المتحدة وحلفائها تناقضًا صارخًا مع الحقائق. فما حدث فعليًا هو ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، واضطراب في سلاسل التوريد، وضغوط اقتصادية واسعة النطاق على المستهلكين والصناعات في الغرب.
وقد أكد محللون ومسؤولون غربيون مرارًا وتكرارًا، بنبرة ناقدة بل وساخرة، أنه بينما يتحدث ترامب عن "فتح مضيق هرمز" وضرورة الدعم الدولي لهذه الخطة، فإن هذا الممر الحيوي كان مفتوحًا، وكانت حركة الشحن تسير بسلاسة قبل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
أثر ارتفاع أسعار الوقود على النقل العالمي
بالنظر إلى اعتماد نظام النقل العالمي بشكل كبير على الوقود، فإن استمرار التوترات في غرب آسيا قد يُفضي إلى عواقب وخيمة وبعيدة المدى على العديد من الدول. وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في قطاعات مثل النقل الجوي، الذي يلعب دورًا حيويًا في الاقتصاد العالمي.
سيؤدي الارتفاع المستمر في تكاليف الوقود، التي تُشكّل جزءًا كبيرًا من تكاليف تشغيل شركات الطيران، إلى انخفاض الربحية، بل وخسائر فادحة. في ظل هذه الظروف، ستُضطر الشركات إلى تقليص عدد الرحلات، وإلغاء خطوط الطيران منخفضة التكلفة، ورفع أسعار التذاكر، مما سيُقلّل الطلب على السفر، ويُؤدي إلى ركود في القطاعات ذات الصلة، كالسياحة والتجارة الدولية. كما سيزداد احتمال إفلاس الشركات الصغيرة أو اندماجها. على المدى البعيد، قد تُؤدي هذه الأزمة إلى انخفاض المنافسة، وتراجع جودة الخدمات، وضعف مكانة صناعة الطيران الغربية في السوق العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود إلى تعطيل خطط توسع شركات الطيران وتأخير شراء أساطيل جديدة أو تحديث الطائرات. من جهة أخرى، قد تؤدي الضغوط المالية على الشركات إلى تقليص عدد الموظفين وخفض مستوى الخدمات، مما قد تكون له عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة. في ظل هذه الظروف، ستواجه أسواق النقل العالمية تقلبات متزايدة، وستصبح آفاق نمو القطاع أكثر قتامة.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن سياسات واشنطن وتل أبيب العدائية في الشرق الأوسط لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها المعلنة، بل تسببت أيضاً في مزيد من عدم الاستقرار في أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية. إن استمرار هذا النهج قد يُفضي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي، ويُعمّق الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها. لذا، إذا أرادت الولايات المتحدة أن ينجو العالم من هذه الأزمة التي افتعلها ترامب، فعليها أن تُنهي مغامراتها في الخليج الفارسي وحصارها البحري لإيران، حتى تتمكن أسواق الطاقة والأسواق المالية من العودة إلى الاستقرار بشكل طبيعي.
