الوقت - بينما يحظر القانون الدولي الإنساني أي هجوم مباشر على الأهداف غير العسكرية، ويعتبر تجاهل هذا المبدأ بمثابة إضعاف لأحد القواعد الأساسية للنظام القانوني الدولي، إلا أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والکيان الصهيوني ضد إيران، تُظهر أن الحدود بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية قد أصبحت مشوشةً بشكل متزايد.
على الرغم من أن دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، قد ادعى مرارًا أن الهدف من الهجمات على إيران هو تدمير المراكز العسكرية، إلا أنه من الساعات الأولى للاعتداء، اتضح أن الأعداء لا يلتزمون بأي مبادئ إنسانية، وأن تدمير إيران وإعادتها إلى عصور ما قبل التاريخ هو الأولوية الرئيسية لهم، كما زعم ترامب.
إن الهجوم على مدرسة "الشجرة الطيبة" في "ميناب"، والذي أسفر عن استشهاد نحو 170 طالبةً بريئةً، يُعبّر عن تجاوز واضح من قبل الأعداء للخط الأحمر الإنساني ومبادئ الإنسانية. ولم تتوقف مثل هذه الجرائم، على الرغم من الإدانات العالمية، بل ارتكب الأعداء، دون مراعاة للقوانين الدولية، العشرات من هذه الجرائم.
خلال ستة وثلاثين يوماً من الحرب، تعرّضت المراكز المدنية لأضرار تفوق ما تعرّضت له الأهداف العسكرية، مما أدى إلى تشريد آلاف الأشخاص من منازلهم. وأعلن الهلال الأحمر الإيراني، يوم الخميس الماضي، في بيان صادم يقدّم إحصائيات خسائر حرب رمضان: إن ١١۵ ألفاً و١٩٣ وحدة مدنية، تشمل ٩١ ألفاً و۴٩٨ وحدة سكنية، و22 ألفاً 580 وحدة تجارية، قد تعرّضت لأضرار بالغة أو دُمرت بالكامل، وهي أرقام تُظهر أن حصةً كبيرةً منها تعود لمحافظة طهران، مما يُبرز النطاق الواسع للأضرار التي طالت المراكز المدنية. كما تضررت ثلاثمئة وثلاث وستون مدرسة ومركزاً تعليمياً، وثمانية عشر مركزاً للهلال الأحمر، إصابات بالغة جعلتها غير صالحة للاستخدام.
إن حجم هذه الجرائم المرتكبة ضد المراكز المدنية يُفضي إلى حقيقة مفادها أن الأعداء كانوا يهدفون إلى أهداف تتجاوز البُعد العسكري، وأن القرار كان منذ البداية يقضي باستهداف المناطق السكنية واستشهاد المزيد من المدنيين لإضعاف صبر الناس وتحريضهم ضد نظام الجمهورية الإسلامية. إلا أن هذا السيناريو جاءت بنتائجه معاكسة، وأثبت حضور الشعب في الشوارع أن الإيرانيين لن يستسلموا أمام جرائم أمريكا والكيان الصهيوني. إن الهجمات على المراكز السكنية والمدنية ليست مجرد إجراء عسكري فحسب، بل تحمل في طياتها عواقب إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.
إن تعطّل المواصلات، والإضرار بالمراكز العلمية، والضغط على الخدمات العامة، كل ذلك يُفضي في المحصلة إلى زيادة هشاشة المجتمع المدني، وهي حالة تتناقض تناقضاً جلياً مع روح وفلسفة حقوق الإنسان.
المراکز الطبية والصحية من أهم أهداف المعتدين
کما أن المرافق الصحية والطبية من الأهداف الرئيسية للمعتدين، رغم أن المرافق الصحية يجب أن تبقى محميةً بموجب قوانين الحرب، إلا أنه لم يمر يوم دون قصف المرافق الطبية في إيران. إن الهجمات على المستشفيات وفرق الإغاثة والطوارئ في بعض المدن خلال الحرب، تُمثّل نموذجاً ساطعاً للجرائم التي ارتكبها الأعداء.
ووفقاً لما أفاد به نائب ومستشار وزير الصحة الإيراني، فقد تضررت حتى الآن 350 مرفقاً صحياً وطبياً على يد الأعداء، بينها 30 مستشفى. كما صرح نائب وزير الصحة ورئيس منظمة الغذاء والدواء، بأن الثالث من أبريل، نتيجة سقوط عدة صواريخ على المجمع الصناعي "توفيق دارو"، قد دُمرت بالكامل وحدات الإنتاج والبحث والتطوير في هذا المصنع. وقال مهدي بيرصالح: "منذ بداية الحرب، تعرّضت 24 وحدة نشطة في مجال الأدوية والمستلزمات الطبية وسلسلة التوزيع لأضرار بالغة، إلا أن الإنتاج وتوفير الضروريات الحيوية لا يزال مستمراً دون انقطاع".
لكن قمة همجية الأعداء في استهداف المرافق الطبية تمثّلت في الهجوم على مؤسسة "معهد باستور" الإيرانية، التي تعرّضت للاستهداف ثلاث مرات حتى الآن. وقال رئيس المعهد: "خلال هذه الهجمات، تضررت أقسام مثل بنك الخلايا، والملاريا، والبحث السريري، والتكنولوجيا الحيوية بشكل أكبر، كما دُمرت أجزاء من المباني". ورغم هذا الحجم الهائل من الهجمات، إلا أن أنشطة هذا المركز لا تزال مستمرةً في إطار تقديم خدمات التطعيمات، وخدمات التشخيص لمختبرات المرجعية الوطنية، وتوزيع أدوات التشخيص في شبكة مختبرات الصحة.
يُعدّ معهد "باستور" أحد أقدم المراكز الطبية في المنطقة، وقد أُسّس عام 1920. إن الهجمات على المرافق الطبية بلغت حداً أثار قلق منظمة الصحة العالمية، حيث أعرب رئيس المنظمة عن قلقه إزاء استمرار الهجمات على شبكة الصحة في إيران، محذراً من أن هذه الهجمات تُعرّض حياة المرضى والفرق الطبية لخطر جسيم.
الهجوم على مراكز العلم والمعرفة
لم تنجُ المراكز العلمية والجامعية الإيرانية، شأنها في ذلك شأن المراكز المدنية الأخرى، من شر الهجمات الجوية منذ الأيام الأولى للحرب، فقد تعرّضت الجامعات في بعض المدن لقصف العدو الصهيو أمريكي. وكانت جامعة اصفهان الصناعية من أوائل المراكز العلمية في إيران التي تعرّضت للهجوم مرتين من قِبَل الأعداء خلال الأسابيع الأخيرة، مما ألحق أضراراً ببعض أقسامها. كما تعرّضت جامعة العلوم والصناعة في طهران لاعتداء، إذ أُلحقت أضرار جسيمة بأقسامها البحثية والتدريبية. كذلك تعرّضت جامعة الشهيد بهشتي لاعتداء متكرر مرتين في الأيام الأخيرة، مما أدى إلى انفجار وحريق في كلية الليزر التابعة لها.
کذلك، تضرّرت كلية طب الأسنان في "كرمانشاه" من بين المراكز التي استهدفها القصف، وقد أفادت التقارير بأن بعض مباني ومرافق هذا المجمع التعليمي والعلاجي قد تعرّضت للأضرار. كما تعرّضت عدة مراكز علمية أخرى لقصف العدو حتى الآن، مما أثار موجةً من الإدانات المحلية والدولية.
إن هذا العمل العدواني لا يستهدف أمن الأكاديميين والبيئة العلمية فحسب، بل يُعدّ اعتداءً واضحاً على العقل والبحث وحرية الفكر. ففي الوقت الذي يُنظّم فيه الغربيون والصهاينة سنوياً احتفالات وتوزيع جوائز على العلماء والأساتذة المتميزين سعياً لإيهام العالم بأنهم يُولون أهميةً كبرى للعلم والمعرفة، إلا أنهم - وبخلاف هذه الإجراءات البرّاقة - يقومون بشن الهجمات على المراكز العلمية والجامعية في إيران. عندما فشل الأعداء في تحقيق أهدافهم الأولية، استهدفوا الجامعات والمراكز العلمية سعياً لتعويض هزيمتهم بهذه الطريقة، في حين أن هذه المراكز تُمثّل رمزاً للتطور وتقدم وتنمية الكوادر البشرية المتخصصة.
إن عمق الحقد الأمريكي-الصهيوني ضد الشعب الإيراني والتقدم الذي حقّقه رغم عقود من العقوبات والعقوبات الجائرة، قد انكشف بالكامل في هذه الهجمات، ولم يترك أي مجال للشك والتردد لدى أي إنسان عادل وحر. إن هذه الحقيقة تتجلى بوضوح عبر أي نظرة سريعة ومتمعّنة إلى ما فعلته أمريكا والصهيونية بالدول التي هاجمتها خلال السبعين عاماً الماضية؛ من فيتنام إلى غزّة.
