الوقت - لم تكن الولايات المتحدة والکيان الصهيوني يتوقعان، عند الاعتداء على الأراضي الإيرانية، أن تنخرط فصائل المقاومة الأخرى في المنطقة في هذا الصراع، ولكن كما كان متوقعاً وكما حذّر قادة المقاومة سابقاً، فإنهم سيقفون إلى جانب الجمهورية الإسلامية، ليتشكل فور اندلاع الحرب "وحدة الساحات" أقوى من أي وقت مضى. وفي خضم ذلك، لعبت المقاومة اللبنانية التي تملك خبرةً واسعةً في المواجهة مع الکيان الصهيوني، دوراً بارزاً في تأديب العدو في الحرب الأخيرة.
وعلى الرغم من أن المسؤولين الصهاينة كانوا يزعمون على مدى العامين الماضيين أن حزب الله اللبناني قد فقد قدراته العسكرية جراء الهجمات المتكررة للجيش الصهيوني، وأنه لم يعد هناك أي تهديد من قبل هذه الحركة ضد الأراضي المحتلة، إلا أن الضربات التي وجهتها قوات المقاومة للصهاينة خلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت قاسيةً لدرجة أثارت قلق العدو الشديد.
لقد نفّذ مجاهدو حزب الله في الحرب الأخيرة، كتفاً بكتف مع القوات المسلحة الإيرانية، عشرات العمليات الصاروخية وبالطائرات المسيرة ضد الأراضي المحتلة ومواقع الکيان الصهيوني الحساسة، مما ألحق بهذا الکيان خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
وفي بيان له يوم الجمعة المنصرم، أعلن حزب الله أنه استهدف عدة قواعد وتجمعات لقوات الجيش الصهيوني في المناطق الحدودية وكذلك في عمق الأراضي المحتلة، عبر تنفيذ عمليات واسعة النطاق. وبموجب هذا البيان، هاجم مجاهدو حزب الله باستطلاع عشرات الصواريخ والقذائف مواقع من بينها التجمع العسكري في «جل الدير» مقابل قرية عيترون، والقاعدة البحرية وقاعدة الدفاع الجوي «زائيف» في حيفا، والقاعدة التدريبية «الياقيم» وقاعدة «تيفن» شرق عكا.
وكلما طال أمد الحرب بين أمريكا و"إسرائيل" وإيران، اتسع نطاق عمليات حزب الله. ففي يوم الجمعة، أعلن حزب الله أنه استهدف المركبات المدرعة والعسكريين للکيان الإسرائيلي بالقنابل المزروعة على طريق الطيبة - القنطرة، مما أوقع بهم خسائر. كما أعلن حزب الله أن مجاهدي الحركة فجروا القنابل المزروعة في مسار المركبات والعسكريين الصهاينة على طريق «دير سريان» في جنوب لبنان، مما أحدث خسائر مؤكدة في صفوف الصهاينة.
واستناداً إلى البيانات الصادرة عن حزب الله عبر مكتب «إعلان الحرب»، فقد بلغ عدد عمليات الحزب من ظهر الخميس حتى الجمعة، خلال ٢٤ ساعة، أكثر من ١٠٠ عملية، مما يُعد العدد الأكبر في تاريخ المواجهات بين الجانبين. وأفاد القناة ١٥ التابعة للکيان الصهيوني أن حزب الله أطلق ٦٠٠ صاروخ في عملياته، استهدفت الغالبية العظمى منها جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان.
من جهة أخرى، أعلنت مصادر عبرية أن الهجوم الصاروخي الواسع الذي نفذه حزب الله على نهاريا والمناطق المحيطة بها، أسفر عن مقتل شخص وإصابة ٢٦ آخرين.
وفي عملياتها المستمرة، دمرت المقاومة اللبنانية يوم الخميس ١٨ دبابة «ميركافا» في قرى جنوب لبنان، ليرتفع بذلك إجمالي عدد الدبابات المدمرة منذ بدء الاعتداءات إلى ٧٥ دبابة. وفي يوم الأربعاء الماضي، سجّل حزب الله في عملياته العسكرية جنوب لبنان إنجازاً قياسياً في كسر صفوف العدو، وألحق به خسائر فادحة؛ فقد دمرت المقاومة اللبنانية في مجمل هذه العمليات ٢١ دبابة ميركافا، و٣ جرافات من نوع D٩، وجرافتين من نوع «هامر»، وأفشلت مناورة جنود العدو.
ولم يكتفِ حزب الله بالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، بل خاض اشتباكات وجهاً لوجه مع الجنود المحتلين، وأوقع بهم خسائر جسيمة. وفي هذا السياق، أعلن حزب الله يوم الجمعة عن اشتباكات مع الجنود الصهاينة على مسافة قريبة جداً في بلدة الناقورة. وذكرت المصادر الإخبارية أن جيش الکيان طلب المزيد من القوات الإضافية على جبهة المواجهة مع لبنان.
وعلى صعيد متصل، أعلن المتحدث باسم الجيش الصهيوني مقتل أحد ضباط الکيان خلال الاشتباكات في جنوب لبنان. وحيث لا يتم نشر معلومات دقيقة حول حجم خسائر الجيش الصهيوني، إلا أنه واستناداً إلى التقارير العربية، فقد قُتل وجُرح العشرات من جنود الاحتلال في الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي نفذها حزب الله حتى الآن.
وهذه غيض من فيض عمليات حزب الله ضد الکيان الصهيوني التي نفذها خلال الأسابيع القليلة الماضية، وكما حذر قادة المقاومة، فإن هناك مفاجآت جديدة في الطريق سيتم الكشف عنها تدريجياً لضرب العدو. كما أكد الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، في خطابه الأخير، مشيراً إلى قدرات المجموعة، أن المقاومة دخلت الساحة بجهوزية تامة، وأن قواتها رسمت مشاهد من البطولة والشرف وحب الوطن بروح التضحية، وأنها مستعدة لمواصلة المسار دون أي قيود.
جميع الأراضي المحتلة في مرمى صواريخ المقاومة
في حين كانت هجمات حزب الله سابقاً تقتصر على المستوطنات في شمال الأراضي المحتلة، إلا أن المناطق الاستراتيجية على مسافات أبعد لم تعد بمنأى عن غارات أسلحة المقاومة. وعلى هذا المنوال، أعلن حزب الله يوم الخميس في بيان له أنه استهدف مقر وزارة الحرب للکيان الصهيوني (قاعدة الكرية) في قلب تل أبيب.
تضم قاعدة «الكرية» مقر وزارة الحرب، والقيادة العامة للجيش الصهيوني، وغرفة إدارة الحرب، وهيئة الرقابة والسيطرة على عمليات القوات الجوية. وأفادت مصادر صهيونية أن هذه الهجمة كانت الأعنف من نوعها التي نفذها حزب الله ضد تل أبيب حتى الآن، حيث استخدمت الحركة صواريخ بعيدة المدى. وتُظهر الصور ولقطات الفيديو القليلة التي تم نشرها أن معظم صواريخ حزب الله في هذه الحرب، تصيب أهدافها بدقة بعد اختراق منظومة الدفاع الجوي «القبة الحديدية»، مما يشير إلى تغيّر موازين الردع لصالح المقاومة.
ولقد أعلنت المقاومة اللبنانية أن عملياتها ضد الأراضي المحتلة جاءت رداً على «استمرار العدو في استهداف المدنيين وتشريدهم، والتدمير الوحشي للمباني والمناطق السكنية والبنى التحتية المدنية». وكما حذر قادة حزب الله سابقاً من أن الحياة ستصبح أصعب للمستوطنين في أي حرب قادمة، وأن المزيد من الصهاينة سيشردون، فإننا نرى في أحدث جولات الاشتباكات أن بعض المستوطنات الصهيونية قد تحولت إلى مدن للأشباح.
وبناءً على تقارير الوسائل الإعلامية العبرية، فإن الحياة في «كريات شمونة»، إحدى المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية، لم تعد طبيعيةً كما كانت قبل حرب السابع من أكتوبر. ويُقدر عدد السكان المتبقين في كريات شمونة الآن بحوالي خمسة آلاف شخص، إذ غالبية السكان البالغ عددهم ٢٥ ألف نسمة قد غادروا منازلهم منذ بدء المواجهة مع حزب الله.
وقال أفيحاي سترن، عمدة كريات شمونة، واصفاً الظروف غير المحتملة لسكان المنطقة، إن الإسرائيليين لم يعودوا يملكون القدرة على تحمل الاستمرار في هذا الوضع بعد العيش المستمر في الملاجئ خوفاً من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة لحزب الله. وحذّر عمدة المنطقة من أنه إذا استمرت الاشتباكات، فإن عدد سكان المدينة الشهر المقبل لن يصل حتى إلى عشرة أشخاص.
وفي المناطق الحدودية الأخرى، الوضع على هذا المنوال، ولكن نظراً للرقابة المشددة التي يفرضها الجيش، لا يتم نشر أخبار دقيقة حول حجم النازحين الصهاينة، إلا أن حال الصهاينة تنمّ عن صعوبة الحياة في هذه المناطق.
سقوط طائرات الکيان ومسيراته
وبالتوازي مع هجمات الکيان الصهيوني، تكشف المقاومة اللبنانية عن أسلحتها الجديدة وتلحق ضربات موجعة بالمحتلين. ففي حين كانت الطائرات الحربية والمسيرات الإسرائيلية تتنقل بسهولة في أجواء لبنان على مدى العقدين الماضيين وتنفذ عملياتها على ارتفاعات منخفضة، فإن سماء لبنان لم تعد آمنةً لطائرات الکيان مع تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخية لحزب الله.
وبموجب التقارير، استهدف حزب الله مساء الجمعة طائرةً حربيةً صهيونيةً كانت تنتهك حرمة الأجواء اللبنانية فوق بيروت بصاروخ أرض-جو، أجبرها على مغادرة المنطقة. كما واجهت قوات الدفاع الجوي التابعة لحزب الله يوم الأربعاء طائرةً حربيةً إسرائيليةً بصاروخ أرض-جو، مما اضطر هذه الطائرة في النهاية إلى العودة إلى الأراضي المحتلة.
كما أعلن حزب الله أنه أسقط مسيرةً متطورةً من نوع «هيرميس ٤٥٠» تابعة للجيش الصهيوني في سماء منطقة وادي السلوقي جنوب البلاد، باستخدام السلاح المناسب. وتُعد هذه ثاني مسيرة من نوع «هيرميس» تُسقط منذ بدء الاشتباكات.
ولا تتوقف إنجازات المقاومة عند هذا الحد، حيث أفاد مصدر أمني لبناني يوم الجمعة أن مجاهدي حزب الله هاجموا مروحيات تابعة للجيش الصهيوني رُصدت بالقرب من المرتفعات الحدودية لمنطقة البقاع في شرق لبنان بنيران مضادة للطائرات كثيفة، وأسقطوا إحداها.
لقد أفضت الضربات القاتلة التي يوجهها حزب الله، إلى اعتراف مسؤولي تل أبيب بقدرات هذه الحركة. وأبدى قائد الكتيبة القتالية الهندسية «٦٠٣» في الجيش الصهيوني دهشته إزاء مستوى استعدادات حزب الله لمواجهة الجنود الصهاينة في جنوب لبنان.
ونقلت صحيفة «معاريف» عن هذا القائد الصهيوني قوله: «لقد منينا يوم الخميس بقتيل واحد من كتيبة الجولاني وخمسة جرحى. قمنا بشن هجوم في حين كانوا ينتظروننا. إن حجم الصواريخ التي تنهال علينا في جنوب لبنان هائل جداً، وهم يعرفون مكان تواجدنا، مما يدل على أننا تحت الرصد».
وأضاف هذا القائد الصهيوني: «إن الساحة معقدة، والعدو ذكي ويعمل بشكل مختلف عن عملية "سهام الشمال"، ولديه العديد من المسيرات ويقصف بالصواريخ».
هجمات الجيش الصهيوني على الأراضي اللبنانية
على الرغم من أن الکيان الصهيوني يركّز معظم جهوده على جبهة المواجهة مع إيران، إلا أنه يواصل بالتوازي تقدم هجماته الجوية والبرية في لبنان. فقد نفذ جيش الاحتلال حتى الآن عشرات الغارات الجوية على مناطق في بيروت والضاحية الجنوبية، أسفرت عن استشهاد أكثر من ١٠٠٠ مواطن لبناني.
وقد استهدف الکيان الصهيوني في الأيام الأخيرة المنشآت ومحطات الوقود في منطقة «صور» الواقعة جنوب لبنان. كما حاولت قوات الاحتلال التقدم في منطقة «القوزح» جنوب لبنان، لكنها واجهت مقاومة قوات حزب الله، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة في تلك المنطقة.
المسؤولون الصهاينة، الذين نفذوا آلاف الغارات الجوية على مختلف المناطق اللبنانية خلال العامين الماضيين بانتهاك وقف إطلاق النار، يستغلون الآن فرصة الاشتباكات للنظر مجدداً في خيار الهجوم البري على الأراضي اللبنانية، لكنهم لا يزالون مترددين في تنفيذه. إذ يقلق مسؤولو الجيش من أن التورط في هجوم بري قد يكبدهم خسائر فادحة في مواجهة حزب الله، في حين يمارس مسؤولون سياسيون، من بينهم وزير المالية الصهيوني سموتريش، ضغوطاً للقول إن الجيش لا يجب أن يخشى الاشتباك البري في لبنان.
وبهدف إجبار حزب الله على وقف عملياته، يسعى جيش الاحتلال لزيادة الخسائر البشرية في لبنان باستخدام أسلحة غير تقليدية. وفي هذا السياق، أكد باحثو منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن الکيان الصهيوني استخدم مؤخراً الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، مما يجعله متهماً مجدداً بانتهاك قوانين الحرب. ويقول باحثو المنظمة إنه مع نزوح ٨٠٠ ألف لبناني من المناطق الجنوبية عقب أوامر الإخلاء، من المحتمل أن تكون هناك حالات استخدام مسجلة بكثرة لهذه الذخائر.
توافق سلطات بيروت مع تل أبيب
في حين يتحمل حزب الله وحده عبء الدفاع عن وحدة أراضي لبنان في مواجهة الکيان الصهيوني وهو بحاجة إلى دعم داخلي، نجد أن سياسيي بيروت يسلكون مساراً موازياً للمقاومة، ويقفون في صف العدو. وفي هذا الصدد، كتب وزير الخارجية اللبناني «يوسف الرجي» يوم الثلاثاء الماضي على شبكة «إكس» الاجتماعية: «أمرت اليوم الأمين العام لوزارة الخارجية والمغتربين بدعوة القائم بالأعمال الإيراني في لبنان، وإبلاغه القرار القاضي بسحب الاعتماد من السفير المعين من قبل إيران، محمد رضا شياني».
أثار هذا الإجراء الذي اتخذته بيروت، والذي أثار سرور وابتهاج بعض المسؤولين الصهاينة، موجةً من ردود الفعل بين قادة المقاومة. فقد أدان حزب الله هذا الإجراء، ووصفه بأنه «خطوة متسرعة، تفتقر إلى أساس قانوني وتتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية»، معتبراً إياه دليلاً على التأثُّر بالضغوط الخارجية. كما انتقدت حركة «أمل» اللبنانية قرار الحكومة بطرد السفير الإيراني، ودعت مسؤولي البلاد إلى التراجع فوراً عن هذا الإجراء لمنع حدوث أزمة سياسية.
علاوةً على ذلك، شدد النواب المنتمون للمقاومة في البرلمان اللبناني على أن هذا الإجراء يُعد خطأً استراتيجياً، مشيرين إلى أنه سيضر بمصالح لبنان وعلاقاته مع الدول الصديقة وسيفشل، مطالبين من اتخذوا هذا القرار بالتراجع عنه.
وفي الختام، إن العمليات الواسعة التي ينفذها حزب الله ضد الأراضي المحتلة بالتزامن مع الضربات الصاروخية الإيرانية، قد أضعفت صمود الصهاينة، ومع تزايد نزوح المستوطنين، سيتزايد الضغط على حكومة نتنياهو المتطرفة.
