الوقت - يغلي ترامب في هذه الأيام من شدة الغضب. فبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الحرب الشاملة ضد إيران، عجزت واشنطن عن تحقيق أهدافها المرجوة، ولذا نرى الرئيس الأمريكي هذه الأيام في حالة من السخط والهياج العصبي الشديد.
فمن ناحية، يدّعي ترامب تحقيق النصر في الحرب، ومن ناحية أخرى، يهدّد عبر حساباته الافتراضية بقصف واسع للبنى التحتية لتزويد الطاقة الكهربائية في إيران. وفي تقرير لها حول التهديدات الجديدة التي أطلقها ترامب بحق إيران خلال عدوانه الإجرامي على أراضيها، نقلت شبكة الجزيرة عن خبراء قولهم: إن استهداف البنى التحتية الحيوية لإيران لن يرغمها على التراجع، بل سيدفع المنطقة برمتها إلى حالة من التعقيد الشديد.
وفي هذا السياق، قال ستيفن هايدمان، الباحث في مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز، للجزيرة: إن تهديد ترامب يعكس نهجاً أمريكياً جديداً وأكثر خطورةً في هذا الصراع؛ نهجٌ يقوم على استخدام خيارات كان يرفضها سابقاً، ولكنه يلجأ إليها الآن لتكثيف الضغط على طهران. ويرى هايدمان أن الإيرانيين سيقابلون الاستهداف بتلك المنشآت بالمثل؛ ردٌّ قد يحمل عواقب وخيمة على المنطقة.
وأضاف هايدمان في حديثه للجزيرة: لقد فرضت إيران خلال هذه الحرب ضغوطاً هائلةً على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، ولا يبدو أن تهديدات ترامب قادرة على تغيير شيء من ذلك. كما يتفق جيمس روبنز، الباحث البارز في مجلس السياسة الخارجية الأمريكي، مع هذا الرأي، مؤكداً أن الإيرانيين سيواجهون بأقصى القوة أي استهداف لمنشآتهم، لأنهم "أظهروا أن هذه الحرب تدور رحاها على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، وسيستمرّون في الالتزام بهذا المسار".
لماذا يهدد ترامب بقصف البنية التحتية للكهرباء في إيران؟
فيما يخصّ تهديد ترامب بقصف البنية التحتية لإيران، يمكن تخيّل عدة أهداف يرمي إليها الرئيس الأمريكي من وراء هذا التهديد:
ردع إيران
يمكن تفسير الهدف الأول لترامب من وراء تهديده بقصف البنية التحتية العسكرية، بأنه محاولة لردع إيران ودفعها للتراجع عن مواقفها في الحرب، بيد أن ثلاثة وعشرين يوماً من الحرب حتى اللحظة الراهنة أثبتت أن إيران غير مستعدة للتنازل ولو خطوة واحدة عن مواقفها في مواجهة واشنطن وتل أبيب. وفي هذا السياق، قال مختار حداد، محرر صحيفة "الوفاق"، لشبكة الجزيرة: "إن الإيرانيين لن يقدموا أي تنازلات في هذه الحرب، وسيقابلون بالمثل أي استهداف لمنشآت الطاقة لديهم".
وأضاف حداد في حديثه للجزيرة: "لقد حذرت إيران الولايات المتحدة صراحةً من أنه في حال استهداف منشآتها الحيوية، فإنها ستنال جميع البنى التحتية الإسرائيلية والأمريكية وتلك المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة". وأكد أن رد إيران على هذا التهديد جاء بسرعة عبر "مقر خاتم الأنبياء(ص) المرکزي"، التي تُعد مركز إدارة الحرب في إيران، مشيراً إلى أن إيران "مستعدة لمثل هذا السيناريو، ولن تقبل بأي من شروط الولايات المتحدة أو الکيان الصهيوني، وستقوم بنفس الفعل الذي قامت به عند استهداف حقل بارس للغاز".
الإعلان عن وقف الحرب
أعلن دونالد ترامب في أكثر من مناسبة خلال الحرب عن معارضته لقصف منشآت البنية التحتية الإيرانية، لكنه فجأةً غيّر موقفه وهدّد بقصف البنية التحتية للطاقة والكهرباء في إيران، وهو تهديد قد يرقى حتى إلى مستوى جريمة حرب. ومن ناحية أخرى، تتزايد الضغوط على ترامب للعثور على مخرج من حرب إيران، ويبدو أنه يسعى إلى سبيل لوقف القتال والإعلان عن النصر، لكن في الظروف الراهنة، لم تحقق حربه ضد إيران أي إنجاز يُذكر.
وبهذا الصدد، قال "لارس كريستنسن"، المحلل الاقتصادي الأمريكي، تعليقاً على أقوال ترامب المتناقضة: "الآن بات واضحاً جلياً أن ترامب خاض حرباً لا تؤدي إلى أي مآل، ولم تكن يوماً من أجل حرية الشعب الإيراني، ولا توجد أي رؤية للنصر فيها. ولا ننسَ أنه عندما شنت روسيا هجمات واسعة على الشبكة الكهربائية لأوكرانيا، فتحت المحكمة الجنائية الدولية ملفات قانونية ضد عدد من الجنرالات الروس بتهمة ارتكاب جرائم حرب".
وفي الواقع، إن تكلفة الهجمات الأمريكية على البنية التحتية للكهرباء في إيران باهظة للغاية من الناحية القانونية أيضاً، ويُعد هذا الإجراء من جانب إدارة ترامب بمثابة نوع من "الانتحار السياسي" في الحرب، ويمكن أن يجرّ إدانةً عالميةً واسعةً ضد الولايات المتحدة. ومع ذلك، ربما يرى ترامب أنه من أجل الإعلان عن وقف الحرب والتبجح بالنصر، يحتاج إلى إنجاز ظاهري ولو كان غير قانوني وإجرامياً، وفي زعمه، فإن تعطيل الشبكة الكهربائية لإيران قد يشكّل رمزاً للنصر يرضي ترامب ويُبقيه على قرار إنهاء الحرب.
ولهذا السبب، ربما توصل ترامب إلى قناعة مفادها أنه لوقف الحرب ثمة خيار واحد فقط، وهو إخراج الشبكة الكهربائية الإيرانية عن الخدمة، ولذلك صار الرئيس الأمريكي مستعداً لتحمل التكلفة الباهظة لهذا الفعل اللاإنساني، ليعلن انسحابه من الحرب بعد ارتكاب هذه الجريمة.
