الوقت - مع استمرار الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، أدرك البيت الأبيض أن الحرب قد دخلت في نفق الاستنزاف، في حين لم تتحقق الأهداف التي سعى إليها ترامب في هذه الحرب، مما دفعه إلى اللجوء إلى تهديد وسائل الإعلام. فترامب كان يهدف في هذه الحرب إلى إرغام الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الاستسلام أو الإطاحة بها، وهي أهداف لم تتحقق، وهذا الفشل قاد البيت الأبيض إلى رسم خطوط حمراء وتهديدات للإعلام الأمريكي المنتقد للحرب.
وفي هذا السياق، هدّد "برندان كار"، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية في إدارة ترامب، وسائل الإعلام المنتقدة للحرب بدعوى تحريف أخبار المعارك، وكتب في منشور له عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن على الإعلام "أن يعمل بما يخدم المصلحة العامة"، وإلا فإنهم سيخسرون تراخيصهم. وزعم هذا المسؤول في إدارة ترامب أن وسائل الإعلام التي تبث أخبارًا مزيفةً ومحرفةً، أُتيحت لها الآن فرصة لتصحيح مسارها قبل إلغاء تراخيصها.
تُعد هذه التهديدات المضادة للإعلام أحدث تهديد صريح من جانب رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية في إدارة ترامب؛ الشخص المتهم بالضغط على وسائل الإعلام لتوافقها مع أولويات دونالد ترامب. وانتقد السيناتور "براين شاتز" من ولاية هاواي تهديد الإعلام من قبل هذا المسؤول البارز في إدارة ترامب، قائلاً إنه بمثابة توجيه واضح لتقديم تغطية إيجابية للحرب، وإلا فقد لا يتم تجديد تراخيص وسائل الإعلام، وهو ما وصفه بالأمر المُحزن.
لماذا ثار غضب إدارة ترامب على الإعلام؟
يبدو أن نبأ تدمير ما لا يقل عن خمس طائرات تزويد بالوقود أمريكية في السعودية نتيجة إصابتها بصواريخ إيرانية، قد أثار غضب ترامب وأعضاء إدارته في خضم الحرب مع إيران، لدرجة أن ترامب زعم أن طائرات التزويد لم "تُصب" ولم "تُدمر"، واعتبر نشر أنباء تدمير هذه الطائرات أمرًا غير صحيح. وقد أدى هذا الزعم من ترامب إلى أن يرفع رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية في إدارته سقف التهديدات ضد الإعلام، مدعيًا أن وسائل الإعلام الأمريكية قد لا يتم تجديد تراخيصها بسبب نشرها أخبارًا -على حد قوله- مضللة حول الحرب.
وكان ترامب قد وصف سابقًا العديد من وسائل الإعلام الناقدة بأنها "إعلام أخبار زائفة" (Fake News)، والآن مع استمرار الحرب ضد إيران وتداول أنباء عن الخسائر والضحايا الأمريكيين في الإعلام، ازداد غضب ترامب وأعضاء إدارته من التيار الإعلامي المنتقد المضاد للحرب في أمريكا. ومع ذلك، لا تستطيع إدارة ترامب تجاهل حقيقة أن الحرب ضد إيران منفورة بشدة بين الأمريكيين. ويمكن رصد هذه الموجة المعادية للحرب في أمريكا من خلال نتائج استطلاعات الرأي. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع جديد أجراه معهد "كوينيبياك" أن 53% من الشعب الأمريكي يعارضون التدخل العسكري ضد إيران، بما في ذلك 89% من الديمقراطيين و60% من الناخبين المستقلين.
غضب الأمريكيين من الانجراف إلى الحرب
يجب أيضًا أن يُؤخذ في الاعتبار أن هناك سخطًا وقلقًا كبيرين في الولايات المتحدة حيال الدخول في حرب إيران، لدرجة أن محللاً أمريكيًا قال إن ناخبي البلد غاضبون من إقدام دونالد ترامب على جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، وأن العائلات قلقة بشأن إرسال أبنائها إلى ساحات القتال. وقالت "كارين فيني"، المحللة السياسية والمستشارة العليا لحملة هيلاري كلينتون الانتخابية في انتخابات عام 2016، ليلة الأحد لشبكة "سي إن إن" حول وجهات نظر الناخبين الأمريكيين: "قد تظنون أن القضية الرئيسية للناخبين في الانتخابات النصفية هي الإسكان والتأمين الصحي، لكن موضوع الحرب يتصدر القضايا. فالشباب غاضبون لأن ترامب نكث بوعده بعدم جر أمريكا إلى الحرب".
وأضافت فيني: "البعض منهم هم أنفسهم أو أفراد من عائلاتهم أعضاء في الجيش. الآباء قلقون من تجنيد أبنائهم للقتال. يحاول ترامب والجمهوريون تجنب القول بأن هذه حرب، لكن الآباء لا يقبلون هذا الكلام ويدركون أنها حرب وأن القوات العسكرية الأمريكية في خطر".
فشل ترامب في حرب السرديات
من ناحية أخرى، يمكن النظر إلى تقييد وسائل الإعلام الأمريكية من قبل إدارة ترامب، على أنه دليل واضح على فشل البيت الأبيض في "حرب السرديات" في خضم الحرب العسكرية ضد إيران. وفي هذا الصدد، أفادت شبكة "روسيا اليوم" في تحليل لها عن القوة والقدرة العاليتين لإيران على الدفاع عن النفس في مواجهة العدوان الإرهابي الصهيوني الأمريكي، الذي يتجاوز توقعات مسؤولي الإدارة الأمريكية، مشيرةً إلى أن إيران تُظهر للعالم حدود القوة الأمريكية.
كما أعرب السيناتور الديمقراطي البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي، "مارك وارنر"، فجر يوم الاثنين، عن شكّه حيال الأهداف المعلنة من قبل أمريكا للحرب ضد إيران، قائلاً: "لست متأكدًا من أن الأهداف المعلنة للحرب في إيران ستحقق". فضلاً عن ذلك، قال عضو سابق في الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي إن دونالد ترامب، رئيس البلاد، قد أصيب بـ"الذعر" بعد مواجهته لحقائق الحرب ضد إيران. وقال "آدم كينزينجر"، الممثل السابق عن ولاية إلينوي عن الحزب الجمهوري في مجلس النواب، ليلة الأحد في مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، معلقًا على ادعاءات ترامب بشأن النجاح في الحرب ضد إيران: "هذه واحدة من الأخطاء الكبيرة للإدارة".
وأضاف: "ولكن في رأيي، أكبر خطأ ارتكبته إدارة ترامب هو أنها لم تُهيئ الشعب الأمريكي (للحرب). عندما تدرك أن هذه الحرب ستستمر لأيام أو أسابيع أطول مما كنت تتخيل، ويُقال لك باستمرار لا تقلق، لقد حققنا أهدافنا وستكون الأمور أفضل غدًا". وختم كينزينجر، الذي يعمل الآن كمعلق سياسي كبير في شبكة "سي إن إن"، بالتأكيد قائلاً: "أعتقد أن الرئيس الأمريكي قد أصيب بالذعر بطريقته الخاصة، لأن الأسواق تضررت والشعب يعارضه. إنه يواجه الآن الشعب والواقع".
