الوقت - كلما طال أمد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والکيان الصهيوني ضد إيران، باتت ملامح الهزيمة أوضح بين صفوف أعداء إيران، وقد تجلت هذه المسألة في التصريحات وطريقة أداء المعتدين.
ففي حين كان دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وغيره من كبار مسؤولي هذا البلد يزعمون أن الحرب تُشن فحسب ضد البنية التحتية العسكرية والمنشآت النووية الإيرانية لضمان عدم حصول طهران على السلاح النووي، إلا أن نطاق جرائم واشنطن وتل أبيب في هذه الأيام لم يعد محصوراً بالقطاعات العسكرية، بل بات إلحاق الضرر بالبنية التحتية الصحية، ومياه الشرب، والطاقة في صدارة أولويات هذه الحرب.
لقد أظهرت الولايات المتحدة والکيان الصهيوني منذ اليوم الأول للعدوان أنهما لا يتورعان عن ارتكاب أي جريمة لتحقيق مطالبهما وممارسة الضغط على الجمهورية الإسلامية؛ فمن الهجوم على مدرسة للبنات في مدينة "ميناب"، إلى المستشفيات، والمناطق السكنية، ومحطات تحلية المياه في جزيرة "قشم"، كلها شواهد ساطعة على أن الولايات المتحدة والکيان الصهيوني قد عقدا العزم على إبادة إيران.
يُعد استهداف المناطق المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، أمراً محظوراً بموجب قوانين الحرب، إلا أن أمريكا والکيان المحتل لم يلتزما بأي قاعدة دولية حتى الآن، وقاما باستهداف عشرات المراكز الصحية والمدارس.
وبالتوازي مع استطالة أمد الحرب، اتخذت هذه الجرائم أبعاداً واسعةً، ولم تسلم مؤخراً المصافي ومحطات توليد الكهرباء من عدوان العدو. إن الهجوم على مستودعات النفط في منطقة "شهران" بطهران، وكذلك مصفاة "شهرري"، هو جزء من حملة الأعداء لضرب إيران، بهدف إرغام الجمهورية الإسلامية على الاستسلام واستخلاص التنازلات المطلوبة على طاولة المفاوضات.
إن استهداف المصافي، نظراً للمواد الكيميائية الموجودة فيها، يحمل عواقب وخيمة على حياة البشر والبيئة، وقد انتقد العديد من المحللين الغربيين هذه الجريمة البشعة بشدة. تسعى واشنطن وتل أبيب من خلال الهجوم على المصافي، إلى تعطيل تزويد الناس بالبنزين وزيادة الضغط على الحكومة، وإن كانت مخزونات إيران قد أفشلت حتى الآن تحقيق أهداف العدو، ولا توجد أي مشكلة في إنتاج البنزين.
وفي أحدث تصريحاته في ساعات فجر الثلاثاء الماضي، زعم ترامب أنه إذا لزم الأمر، سيهاجمون محطات توليد الكهرباء في إيران أيضاً، لأن إعادة بناء هذه المحطات ستستغرق سنوات.
الفشل في تحقيق الأهداف العسكرية
يعود السبب في وضع الولايات المتحدة والکيان الصهيوني إلحاق الضرر بالبنية التحتية للطاقة على جدول أعمالهما، إلى عجزهما عن تحقيق أهدافهما المعلنة خلال الأحد عشر يوماً الماضية؛ أهدافٌ كان من المفترض تحقيقها في أقل من أسبوع، إلا أن رد الفعل الحاسم للقوات المسلحة الإيرانية على هذه الحرب المفتعلة، كان خارج نطاق توقعات الأعداء، والآن تتعرض جميع القواعد الأمريكية في المنطقة وكامل الأراضي المحتلة للضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وهو ما أثار قلق الأعداء. لدرجة أن ترامب اعترف في كلامه بأن إيران تمتلك صواريخ أكثر مما كنا نعتقد، وأن علينا القيام بالكثير لتدميرها.
لقد اعترف مسؤولو تل أبيب وواشنطن بالعجز عن شل القدرة العسكرية لإيران، والآن لجأوا إلى الوسطاء لعلهم يتمكنون من إيقاف هذه الأزمة المصطنعة. وقال ترامب بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "من المحتمل أن تنتهي الحرب قريباً".
إن مثل هذه التصريحات الصادرة عن ترامب تعكس أن مسار التطورات الميدانية لا يسير وفق رغبة أعداء إيران، ورغم محاولتهم الظاهرية للإيحاء بتحقيق معظم أهدافهم، إلا أن معادلات الميدان أجبرتهم على البحث عن مخرج.
عندما تصل الحرب إلى مرحلة تدمير البنية التحتية الحيوية، فهذا يعني أن العدو فشل في تحقيق أي إنجاز عسكري، وأن هذه الجرائم تُرتكب بهدف زيادة الضغط على حكومة البلد المعتدى عليه لكي لا يخرج من الحرب بيدٍ فارغة؛ إذ إنه حتى لو لم يحصل على تنازلات على طاولة مفاوضات السلام، فإنه على الأقل سيفرض تكاليف مالية باهظة لإعادة البنية التحتية على الطرف الآخر، مما يجعل العودة إلى وضع ما قبل الحرب أمراً غير ممكن في المدى القريب.
إن ضرب البنية التحتية لإيران يُظهر أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" قد وقعتا في ورطة استمرار حرب طويلة واستنزافية بالاعتماد حصراً على القوة الجوية من مسافات بعيدة جداً، ولا ترغبان في الغرق في هذه الدوامة المصطنعة لفترة طويلة. ذلك أنهما تفتقران للقدرة العسكرية اللازمة لمواجهة قوة إيران وفصائلها الوكيلة في المنطقة، وكذلك لإضعاف السيادة، وكلما طال أمد هذا التوتر، سيتحملان خسائر وتكاليف باهظة.
من ناحية أخرى، هدّد المسؤولون العسكريون في إيران بأنه إذا هاجمت أمريكا البنية التحتية الإيرانية، فسيقومون بالمثل، وسيلحقون ضربةً جديةً بالبنية التحتية لأي بلد انطلقت منه هذه الجريمة؛ كما وقع في حادثة الهجوم على محطة تحلية المياه في "قشم"، حيث هاجمت القوات المسلحة الإيرانية محطات تحلية المياه في البحرين، وأثبتت أن كل جريمة لها ثمن.
لذلك، إذا أرادت إيران، رداً على جرائم الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، مهاجمة محطات الطاقة والكهرباء في الدول العربية، فستتأجج نيران الحرب وستطال تبعاتها واشنطن وحلفاءها.
الکيان الصهيوني عاجز عن تحمل ضربات البنية التحتية
ربما تكون الولايات المتحدة تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة المعركة ولا تخشى على بنيتها التحتية من الأذى، لكن المسألة بالنسبة للکيان الصهيوني مغايرة تماماً. فإذا ما تعرضت مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء في إيران للاستهداف، فإن القوات المسلحة الإيرانية ستقوم حتماً بالمثل، وستستهدف البنية التحتية القائمة في الأراضي المحتلة. ونظراً لأن "إسرائيل" مساحة صغيرة ولديها بنية تحتية محدودة جداً في قطاع الطاقة، فإنها في حال إصابة هذه المنشآت بالصواريخ الإيرانية القوية، ستجد نفسها وجهاً لوجه أمام أزمة حادة.
وفي أحدث موجات العمليات الصاروخية، استهدفت القوات المسلحة الإيرانية مصافي النفط والغاز ومخازن الوقود في حيفا، وهو تحرك أثار قلق الصهاينة بشدة إزاء استمرار هذا الوضع.
وفي هذا الشأن، كتبت صحيفة "هآرتس" في تقرير لها أن الحرب مع إيران وإطلاق صواريخها نحو الجبهة الداخلية للکيان الصهيوني، قد أحدث صدمةً في سوق الطاقة لدى هذا الکيان. وأقرّ التقرير بأن إصابة الصواريخ الإيرانية لمناطق مختلفة من الأراضي المحتلة، أدت إلى توقف عملية إنتاج الغاز من حقول الغاز التابعة للکيان في البحر المتوسط. وبناءً على ذلك، عادت شبكة الكهرباء في الکيان الصهيوني لاستخدام وقود ملوث مثل الفحم والديزل لتعويض نقص الغاز.
تجدر الإشارة إلى أن الکيان الصهيوني يعتمد حالياً في تأمين الكهرباء على احتياطيات غاز "تامار" و"ليفياثان" و"كاريش"، واستمرار توقف هذه الحقول قد يخلق عواقب وخيمة في الأراضي المحتلة. وحذّر "عاميت مور"، المدير التنفيذي لشركة "إيكو إنيرجي" التابعة للکيان الصهيوني، في هذا السياق قائلاً: "إن توقف حقلي ليفياثان وكاريش يرجع إلى أنه إذا كان الغاز يتدفق وتعرضت المنشآت لضربة صاروخية، فسيتسبب ذلك في خسائر بمليارات الدولارات. وإذا استمر هذا الوضع لأكثر من شهر، فإن انقطاع الكهرباء في الأراضي المحتلة يصبح أمراً محتملاً. كما أن نشاط مصفاة حيفا قد تقلص، وهذا الأمر قد يؤثّر حتى على تأمين وقود طائرات سلاح الجو الإسرائيلي".
يُذكر أن ملايين المستوطنين يقضون معظم وقتهم في الملاجئ تحت الأرض، وقد تعطلت حياتهم اليومية، لذا إذا ما حرموا من الكهرباء والمياه أيضاً، فإن الفوضى ستعمّ الأراضي المحتلة، ومع الموجة الجديدة من الاحتجاجات المناهضة للحرب، ستجد حكومة نتنياهو نفسها في ورطة كبيرة.
من ناحية أخرى، وبفضل سيطرتها على مضيق هرمز، تستطيع إيران تعطيل حركة السفن وإرباك أوضاع إمدادات النفط والغاز في العالم، وبحسب الخبراء، فإن الکيان الصهيوني سيتضرر أيضاً من هذا الوضع.
لم يمضِ بعد أحد عشر يوماً على العدوان الظالم على إيران، حتى رفع بعض المسؤولين الصهاينة راية الاستسلام، قائلين إنهم لا يملكون القدرة على خوض الحرب على جبهتين مع إيران وحزب الله. بل وحتى اعترف بعض المسؤولين الأمنيين الصهاينة بأنهم غير قادرين على مهاجمة جميع أهدافهم داخل إيران، وأنهم قد فشلوا في خطة إضعاف سيادة الجمهورية الإسلامية.
وفي المجمل، فإن جنون الولايات المتحدة و"إسرائيل" في مهاجمة البنية التحتية الحيوية، يروي قصة الهزائم المتكررة للأعداء أمام صمود إيران، كما أن مساعي مستشاري ترامب لإنهاء الحرب تشير إلى أن استمرار هذا الوضع، لن يوصل واشنطن وتل أبيب إلى أهدافهما فحسب، بل مع استمرار إشعال الحرب وتكبد الخسائر والأرواح الغالية، سيُضطرون للخروج من هذه الحرب وهم يجرّون أذيال الخيبة، وستدمّر هذه الهزيمة المهينة سمعة أمريكا في الساحة الدولية.
