الوقت- انطلقت الولايات المتحدة والکيان الصهيوني في حربهما ضد إيران، استناداً إلى وهم مفاده أن اغتيال المسؤولين السياسيين والعسكريين وتدمير البنية التحتية سيُطلق موجةً من السخط تعمّ أرجاء البلاد، مما يدفع الشعب الإيراني للتخلي عن النظام الجمهوري الإسلامي للنجاة من هذا المأزق، مما يُمكّنهم في ظل هذه الظروف من تنفيذ مآربهم ومخططاتهم الخبيثة.
بيد أن ما حدث في الواقع جاء مخالفاً لتوقعات الأعداء؛ فمنذ الساعات الأولى للحرب، أظهر الشعب الإيراني أنه حتى وإن كانت هناك خلافات داخلية، فإنه عندما تُطرح مسألة العدوان الخارجي، يصبح صوتاً واحداً ومتحداً للقضاء على هذا التهديد، ولن يسمح بأي اختراق لأمن البلاد.
إن الشعب الإيراني الذي وقف طوال السنوات الـ 47 الماضية بثبات إلى جانب قيم وأهداف الثورة الإسلامية، أثبت في هذه الحرب بقيادة الولايات المتحدة والکيان الصهيوني أن روح المقاومة لا تزال حيةً في كيانه. فإثر إعلان نبأ استشهاد سماحة آية الله العظمی السيد علي الخامنئي، القائد الراحل لإيران، على أيدي المجرمين الأمريكيين والصهاينة، اندلعت موجة عارمة من التحركات الشعبية العفوية في جميع أنحاء البلاد، حيث جدّد ملايين العاشقين لهذا القائد الملهم البيعة مع قيم الثورة الإسلامية بحضورهم في المساجد والساحات الرئيسية في مختلف المدن.
کما أن مشاهد العزاء الواسعة في رحيل قائد الثورة، وإدانة جرائم المعتدين، ودعم القوات المسلحة الإيرانية، تشكّل دليلاً ساطعاً على أن الجميع يقفون في جبهة موحدة أمام العدو، وأن التهديدات الخارجية قاصرة عن خلق أي شقاق بين الشعب والنظام.
وعلى الرغم من أن العبء الأكبر في مواجهة تهديدات العدو يقع على عاتق القوات المسلحة، إلا أن أكبر وأقوى خط دفاعي في مواجهة الأعداء هو حصن الاتحاد والتماسك الشعبي، الذي يرغم أي عدو مهما بلغت قوته على الركوع.
لقد كان مسؤولو واشنطن يزعمون أنهم سيأتون بالديمقراطية والحرية للشعب الإيراني، لكن ما يشهده العالم اليوم هو جرائم لا حصر لها ترتكبها الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، راحت ضحيتها مئات من أبناء الشعب الإيراني ودمرت العديد من المناطق. وبالتالي، فإن الإيرانيين وبعيون مفتوحة وإدراك تام للنوايا السيئة للعدو، عزّزوا حس المقاومة بحضورهم في الساحة، وأحبطوا آمال المعتدين وتطلعاتهم التوسعية.
أظهر الشعب الإيراني في هذه الأيام العصيبة بروحه المعادية للاستكبار، أنه سيدافع عن سلامة الأراضي الإيرانية في مواجهة المعتدين، ولن يسمح للأعداء بتقرير مصيرهم. إن هذه الروح المقاومة الباهرة في الأيام الأخيرة جاءت مخالفةً لتوقعات قادة واشنطن وتل أبيب، الذين راهنوا كثيراً على المعارضات الداخلية، لكن سهامهم خابت هذه المرة أيضاً، لدرجة أن الجيش الصهيوني اضطر للاعتراف بأنه على الرغم من الهجمات الواسعة على البنية التحتية العسكرية لإيران، إلا أنه لا توجد أي مؤشرات لانهيار في الهياكل الحاكمة والعسكرية، وأن الإيرانيين يعيدون بناء قوتهم.
إن الإيرانيين، وهم أهل الصبر في الأيام العصيبة، أثبتوا في الماضي أنهم لا ينحنون لعواصف الأحداث، وهذه المرة أيضاً، وعلى الرغم من الخسائر والتكاليف الباهظة، تمكنوا بصلابتهم وروح المقاومة من إحباط مخططات العدو. فمن خلال استمرارهم في العزاء لقائدهم الشهيد، والحفاظ على الهدوء الداخلي، وتجنب إشاعة الأكاذيب ونشر الوعي، يحافظ الشعب عملياً على أمن الجبهة الداخلية، ولا يسمح للعدو بالتأثير على أداء القوات المسلحة عبر الاختراق أو زرع الفرقة. ويأتي هذا في حين تشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة والکيان المحتل ينويان تسليح مجموعات انفصالية داخل إيران والعراق لإثارة الفوضى، لذا فإن حضور الشعب في الساحة كفيل بإفشال هذه المؤامرات، تماماً كما أحبطوا مثل هذه المخططات في بدايات الثورة وطوال الثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية.
وحدة الشعب.. قوة تمدّ قلوب القوات المسلحة
إن تلاقي مشاعر الشعب في الأيام العصيبة يبعث برسالة بالغة القوة إلى القوات المسلحة مفادها: "أنتم لستم وحدكم". فحين يرى أبناء الشعب من كافة الفئات والتوجهات السياسية أنهم كتلة واحدة في مواجهة التهديدات الأجنبية، فإن هذا التماسك يضاعف الروح المعنوية لدى المقاتلين، ويزرع الرعب بنفس القدر في قلوب الأعداء.
فالعسكريون، إذا تيقنوا من أن الأمة تدعمهم بكل طاقتها، سيحضرون في ساحة المعركة بثقة عالية بالنفس وشجاعة فائقة؛ وتُعد هذه الطمأنينة التي تنتقل من قلب المجتمع إلى قلب المقاتل، عاملاً حاسماً في كسر معنويات العدو والصمود في وجه قساوة الحرب.
إن الحضور الشعبي الفاعل في خلفية الجبهات، يشكّل نوعاً من الاطمئنان الذي يسمح للمجاهدين بتوجيه كامل تركيزهم نحو الدفاع عن تراب الوطن ومواجهة الغرباء. وكل إجراء يُتخذ في سبيل الحفاظ على الوحدة ونبذ الفرقة، يؤدي مباشرةً إلى تعزيز خط الجبهة الأمامية ورفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة. وقد تحقق هذا الأمر بامتياز في الأيام الأولى للحرب، مما دفع المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين إلى الاعتراف بأنهم لم يكونوا يتوقعون رداً قاسياً بهذه القوة من جانب القوات المسلحة الإيرانية، وجزء كبير من هذا النجاح يعود -بمعزل عن القدرة العسكرية- إلى الدعم الشعبي الكبير.
وعليه، فإن كل إيراني في هذه الأيام، من خلال الحفاظ على الوحدة والتآلف، يكون حاضراً فعلياً في الصفوف الأمامية للحرب، وإن كان بشكل غير مباشر ولكنه مؤثر للغاية، مساهماً بذلك بفعالية في تحقيق الأهداف الدفاعية للبلاد عبر تعزيز معنويات القوات المسلحة.
ففي أوقات الأزمات، يمكن أن يؤدي خلق أجواء من عدم الثقة بين الشعب والسلطة، إلى حسم العدو لتحقيق أهدافه، لكن حين يسود الاتحاد والتضامن، تُسدّ في وجوه الأعداء كل سبل النصر، وهذا بالضبط ما يتقنه الإيرانيون. إن روح المقاومة والثبات هذه ترسل رسالةً حاسمةً إلى الجبهة الغربية-العبرية مفادها أنهم يواجهون أمةً موحدةً ومتماسكةً لا يمكن إرغام إرادتها على الاستسلام.
فكما فشلت محاولاتهم في تحقيق أي نجاح عبر الضغوط الاقتصادية وإشعال حرب استمرت ثماني سنوات وحرب أخرى استمرت 12 يوماً ضد إيران، فإن النصر هذه المرة أيضاً سيكون حليف الشعب الإيراني، ولن يجد الأعداء، وقد يأسوا من مساعيهم الرامية لإسقاط النظام، مفراً أمام التسليم لمشيئة وإرادة الشعب الإيراني.
