الوقت- في خضم واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها "إسرائيل" في تاريخها الحديث، تحاول الحكومة الإسرائيلية تقديم عودة بعض الأسرى من قطاع غزة على أنها إنجاز سياسي وأمني يُحسب لها، هذا التباهي الرسمي، الذي تصدّر الخطاب الحكومي، قوبل برفض شديد من قوى المعارضة التي رأت فيه محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج صورة السلطة وتلميع أدائها في وقت لا تزال فيه الأسئلة الكبرى بلا إجابات، فبدل الانكباب على معالجة أسباب الانهيار الأمني الذي وقع في السابع من أكتوبر، اختارت الحكومة التركيز على نتائج محدودة، وكأنها تسعى إلى اختصار أزمة وطنية عميقة في مشهد احتفالي عابر.
المعارضة تكشف زيف خطاب الإنجاز
لم تتردد المعارضة الإسرائيلية في توجيه انتقادات لاذعة للحكومة، معتبرة أن الحديث عن عودة الأسرى لا يمكن أن يمحو حقيقة الفشل الذريع الذي سبق ذلك، فالسابع من أكتوبر لم يكن حادثاً عادياً، بل مثّل انهياراً شاملاً في منظومة الأمن والاستخبارات واتخاذ القرار. وترى المعارضة أن السلطة تحاول قلب المعادلة، عبر تقديم نفسها كمنقذ بدل أن تُحاسَب كمسؤول مباشر، وحسب هذا الطرح، فإن أي محاولة لتسويق إنجازات جزئية، من دون مواجهة أصل الكارثة، لا تعدو كونها تضليلاً للرأي العام وهروباً من مواجهة الحقيقة.
تسييس المعاناة الإنسانية في الخطاب الرسمي
تحوّل ملف الأسرى في الخطاب الحكومي الإسرائيلي من قضية إنسانية معقدة إلى أداة سياسية تُستخدم في معركة البقاء في السلطة، فبدل التعامل مع هذا الملف بحساسية ومسؤولية، جرى توظيفه إعلامياً لإظهار القيادة بمظهر القادر على الإنجاز، متجاهلة السياق الذي أفضى أصلاً إلى وقوع الأسرى، وتنتقد المعارضة هذا النهج بشدة، معتبرة أن السلطة تستثمر في آلام العائلات ومشاعر الخوف العامة لتخفيف الضغط السياسي عنها، في خطوة تعكس أزمة أخلاقية عميقة في إدارة الدولة، وتؤكد أن جوهر المشكلة لا يزال قائماً دون معالجة.
نتنياهو في قلب العاصفة السياسية
يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه في قلب هذه العاصفة، حيث تتهمه المعارضة بالسعي إلى استخدام ملف الأسرى كطوق نجاة سياسي، فبدل الاعتراف بالإخفاقات التي وقعت في عهده، يحاول، وفقاً لمنتقديه، تقديم نفسه كقائد قادر على إدارة الأزمات وتحقيق النتائج، غير أن المعارضة تؤكد أن هذا الأسلوب لم يعد مقنعاً، وأن الشارع الإسرائيلي بات أكثر وعياً بمحاولات الالتفاف على المسؤولية، وترفض هذه القوى بشكل قاطع السماح لنتنياهو بالخروج من المأزق السياسي عبر استعراضات إعلامية لا تعالج جوهر المشكلة.
فشل استراتيجي يتجاوز الحسابات التكتيكية
تؤكد المعارضة أن ما حدث في السابع من أكتوبر لا يمكن اختزاله في إخفاق أمني عابر أو خطأ استخباراتي محدود، بل يمثل فشلاً استراتيجياً شاملاً ناتجاً عن سياسات طويلة الأمد انتهجتها الحكومة الحالية، فالتعامل مع التهديدات، وإدارة الصراع، واتخاذ القرارات المصيرية، كلها ملفات تُحمّل القيادة السياسية مسؤولية مباشرة عمّا جرى، ومن هذا المنطلق، ترى المعارضة أن التركيز على نتائج تكتيكية، مثل إعادة أسرى، لا يغيّر من حقيقة الانهيار الكبير الذي كشف هشاشة المنظومة الحاكمة وعجزها عن حماية المجتمع.
لجنة تحقيق غائبة ومسؤولية متهرَّب منها
أحد أكثر مظاهر هذا الفشل وضوحاً هو غياب لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، فالمعارضة ترى أن رفض أو تأجيل تشكيل مثل هذه اللجنة يعكس خوف السلطة من نتائج قد تطيح برموزها السياسية والأمنية، وتؤكد أن التحقيق ليس خياراً سياسياً يمكن التفاوض عليه، بل واجب تفرضه خطورة ما جرى، فمن دون كشف الحقائق ومحاسبة المقصرين، ستبقى المؤسسة الحاكمة متهمة بالعجز والتقصير، وسيبقى الحديث عن الإنجازات مجرد غطاء هش لا يصمد أمام الوقائع.
إدارة الأزمة بدل حلّها
تعكس طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع تداعيات السابع من أكتوبر نهجاً قائماً على إدارة الأزمة إعلامياً لا معالجتها سياسياً، فبدل اتخاذ خطوات جريئة تعترف بالإخفاق وتفتح الباب للمساءلة، تكتفي السلطة بخطاب مهدئ يركّز على إنجازات جزئية ويغفل جذور المشكلة، وترى المعارضة أن هذا الأسلوب لا يهدف إلى تصحيح المسار، بل إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط، وهو ما يزيد من عمق الأزمة بدل احتوائها، ومع استمرار هذا النهج، تتحول الأزمة إلى حالة دائمة، تُدار لا تُحل، وتُرحّل دون أفق واضح للخروج منها.
أزمة ثقة بين الشارع والقيادة
يتجاوز هذا الخلاف حدود النخبة السياسية ليصل إلى عمق المجتمع الإسرائيلي، حيث تتسع فجوة الثقة بين الشارع والقيادة، فالكثيرون يرون أن السلطة الحالية فقدت أهليتها الأخلاقية والسياسية لقيادة البلاد في مرحلة حساسة كهذه، ومع استمرار تجاهل مطالب المحاسبة، تتكرس قناعة متزايدة بأن الحكومة تفضّل حماية نفسها بدل حماية المجتمع، وفي هذا السياق، تصبح عودة الأسرى، رغم أهميتها الإنسانية، جزءاً من خطاب انتقائي يُستخدم لتبرير استمرار القيادة نفسها، لا لمعالجة أسباب الانهيار.
تداعيات داخلية تهدد استقرار المشهد السياسي
تحذّر المعارضة من أن استمرار السلطة في تجاهل مطلب التحقيق والمحاسبة قد يقود إلى تداعيات داخلية خطيرة، تتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية، فغياب الشفافية وتراكم الإخفاقات يهددان بتقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية، ويغذيان شعوراً متزايداً بأن النظام السياسي غير قادر على تصحيح أخطائه، ومع تصاعد الاحتقان الشعبي، يصبح الخطر متمثلاً في انتقال الأزمة من مستوى سياسي إلى أزمة بنيوية أعمق، قد تعصف باستقرار المشهد الداخلي وتفتح الباب أمام صدامات سياسية واجتماعية يصعب احتواؤها.
مستقبل غامض في ظل إنكار الفشل
في ظل إصرار الحكومة الإسرائيلية على التمسك بسردية الإنجاز ورفضها فتح ملف السابع من أكتوبر بجدية، يبدو المستقبل السياسي أكثر غموضاً، فالمعارضة مصممة على إبقاء ملف المسؤولية مفتوحاً، وترى أن أي إغلاق قسري لهذا الملف سيؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي، وبين سلطة تحاول الهروب إلى الأمام، ومعارضة تسعى إلى جرّها نحو المحاسبة، تبقى الأزمة قائمة، ويظل السؤال الأهم معلقاً: هل يمكن بناء مستقبل سياسي مستقر دون الاعتراف بالفشل ومحاسبة من تسبب به؟
