الوقت- أثار بيان وقّعه أكثر من ثمانين ممثلاً ومخرجاً من أبرز الأسماء في صناعة السينما العالمية جدلاً واسعاً داخل الأوساط الثقافية والفنية، بعد أن ندّدوا بما وصفوه بـ"الصمت المؤسسي" لمهرجان برلين السينمائي الدولي حيال الحرب الدائرة في غزة، ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات الثقافية والفنية لاتخاذ مواقف واضحة من القضايا السياسية والإنسانية الكبرى، وخصوصاً مع استمرار الحرب وما تخلّفه من تداعيات إنسانية وسياسية واسعة.
البيان الذي صدر يوم الثلاثاء حمل توقيعات شخصيات بارزة، من بينها الممثل الإسباني خافيير بارديم، والممثلة البريطانية تيلدا سوينتون، إضافة إلى مخرجين معروفين مثل مايك لي وآدم مكاي، وعبّر الموقّعون عن "صدمتهم" من موقف المهرجان، مؤكدين أن الصمت في ظل ما يجري في غزة "ليس حياداً"، بل موقفاً بحد ذاته، على حد تعبيرهم.
خلفية الجدل
اندلع الجدل بعد تصريحات أدلى بها المخرج الألماني فيم فيندرز، رئيس لجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي، عندما سُئل عن موقفه من الحرب في غزة، فأجاب بأن المهرجان "يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة"، هذه العبارة أثارت انتقادات واسعة، إذ رأى فيها كثير من الفنانين تجاهلاً لمسؤولية الفن في التفاعل مع القضايا الإنسانية، بينما اعتبرها آخرون محاولة للحفاظ على الطابع الفني غير السياسي للمهرجان.
الموقّعون على البيان أكدوا رفضهم لهذا الطرح، مشددين على أن السينما والفن بشكل عام لا يمكن فصلهما عن السياق السياسي والاجتماعي الذي يُنتجان فيه، وقالوا إن التاريخ السينمائي مليء بأعمال تناولت قضايا الحرب والظلم والتمييز، وأن تجاهل ما يحدث في غزة يتعارض مع هذا الإرث.
اتهامات بالرقابة والتهميش
لم يقتصر انتقاد الموقعين على مسألة الصمت، بل أشاروا أيضاً إلى ما وصفوه بـ"تورّط المهرجان في فرض رقابة" على فنانين عبّروا عن مواقف ناقدة للكيان الإسرائيلي خلال الفترة الماضية، واعتبر البيان أن بعض الفنانين واجهوا ضغوطاً أو تهميشاً بسبب مواقفهم السياسية، وهو ما يتناقض، حسب الموقعين، مع مبادئ حرية التعبير التي يفترض أن يدافع عنها مهرجان سينمائي عالمي.
كما لفت البيان إلى أن المهرجان أصدر في السابق مواقف واضحة بشأن أحداث سياسية أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا والاحتجاجات في إيران، متسائلين عن سبب غياب موقف مشابه تجاه الحرب في غزة. ودعا الموقعون إدارة المهرجان إلى "الوفاء بمسؤوليتها الأخلاقية" وإعلان موقف واضح مما يحدث.
دور الدولة الألمانية في النقاش
أحد الجوانب اللافتة في البيان كان الإشارة إلى ما وصفه الفنانون بـ"الدور الرئيسي للدولة الألمانية" في تمكين هذا الصمت، في إشارة إلى الدعم السياسي الذي تقدمه ألمانيا للكيان الإسرائيلي، هذا الطرح أدخل الجدل في بعد سياسي أوسع، يتجاوز المهرجان نفسه إلى علاقة الثقافة بالسياسة الخارجية للدول.
ويرى بعض النقاد أن مهرجان برلين، بوصفه حدثاً ثقافياً كبيراً ممولاً جزئياً من الدولة، يجد نفسه في موقع حساس بين الالتزام بالحياد الفني وبين الضغوط السياسية، وفي المقابل، يرى آخرون أن المؤسسات الثقافية يجب أن تحافظ على استقلاليتها وألا تتحول إلى منصات للصراع السياسي.
الفن والسياسة: علاقة معقدة
أعاد هذا الجدل طرح سؤال قديم حول علاقة الفن بالسياسة، فبينما يؤكد البعض أن الفن يجب أن يبقى مساحة للتعبير الحر بعيداً عن الاستقطاب السياسي، يرى آخرون أن الصمت في مواجهة الأزمات الإنسانية هو موقف سياسي بحد ذاته.
الموقعون على البيان شددوا على أن السينما تاريخياً لعبت دوراً في تسليط الضوء على المآسي الإنسانية، من الحروب العالمية إلى قضايا التمييز والاضطهاد، واعتبروا أن تجاهل الحرب في غزة يتناقض مع هذا الدور، وخاصة في ظل ما وصفوه بحجم المعاناة الإنسانية.
سوابق ومواقف مشابهة خلال الحرب
خلال فترة الحرب في غزة، شهد الوسط الفني العالمي تحركات مشابهة من فنانين ومخرجين وممثلين عبّروا عن مواقفهم عبر بيانات ورسائل مفتوحة ومقاطعات رمزية ومداخلات في مهرجانات سينمائية مختلفة، وقد أثارت هذه المواقف نقاشاً واسعاً حول حدود دور الفنان في القضايا السياسية، وما إذا كان ينبغي عليه الاكتفاء بالإبداع الفني أم الانخراط في القضايا العامة.
في أكثر من مناسبة، استخدم فنانون منصات الجوائز والعروض الأولى لأفلامهم للتعبير عن مواقفهم من الحرب، سواء عبر كلمات على المسرح أو إشارات رمزية أو تصريحات إعلامية، كما شهدت بعض الفعاليات الثقافية انسحابات أو احتجاجات صامتة، ما يعكس حجم الانقسام داخل الوسط الفني حول كيفية التعامل مع القضية.
مهرجان برلين بين الحياد والضغط
يُعد مهرجان برلين السينمائي، أو "برليناله"، واحداً من أبرز المهرجانات السينمائية في العالم، وقد عُرف تاريخياً بتفاعله مع القضايا السياسية والاجتماعية، فقد تأسس في سياق الحرب الباردة، وكان منذ بداياته مرتبطاً بقضايا الحرية والتعبير.
لكن إدارة المهرجان حاولت في السنوات الأخيرة الحفاظ على توازن دقيق بين كونه منصة فنية عالمية وبين الضغوط السياسية المتزايدة، وفي ظل الانقسام الدولي حول الحرب في غزة، يبدو أن هذا التوازن أصبح أكثر صعوبة.
حتى الآن، لم يصدر رد رسمي مفصل من إدارة المهرجان على البيان، لكن مصادر إعلامية أشارت إلى أن المنظمين يفضلون التركيز على الجانب الفني للحدث وتجنب تحويله إلى ساحة صراع سياسي، ومع ذلك، فإن الضغوط المتزايدة من شخصيات بارزة قد تدفع المهرجان إلى إعادة النظر في موقفه.
انقسام داخل الوسط السينمائي
البيان لم يلقَ إجماعاً كاملاً داخل الوسط السينمائي، إذ يرى بعض الفنانين أن تسييس المهرجانات الفنية قد يضر بطبيعتها الثقافية ويزيد من الاستقطاب، ويعتقد هؤلاء أن المهرجانات يجب أن تبقى مساحة للحوار الفني، لا ساحة للمواقف السياسية.
في المقابل، يرى مؤيدو البيان أن الصمت في ظل الأزمات الإنسانية الكبرى يُعد موقفاً سياسياً بحد ذاته، وأن المؤسسات الثقافية لا يمكنها تجاهل القضايا التي تؤثر على حياة ملايين البشر.
ما الذي يعنيه هذا الجدل؟
الجدل حول مهرجان برلين يعكس نقاشاً أوسع حول دور الثقافة والفن في عالم يشهد أزمات سياسية وإنسانية متصاعدة، ومع تزايد تأثير الفنانين على الرأي العام، أصبحت مواقفهم تحظى باهتمام كبير، كما باتت المؤسسات الثقافية تواجه ضغوطاً متزايدة لاتخاذ مواقف واضحة.
في الوقت نفسه، يطرح هذا الجدل تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات الثقافية، وما إذا كان الحياد ممكناً في ظل قضايا مثيرة للانقسام مثل الحرب في غزة.
يبقى الجدل مفتوحاً حول موقف مهرجان برلين السينمائي، في ظل استمرار الحرب وتزايد الدعوات لاتخاذ موقف واضح، وبين من يرى في الصمت حفاظاً على الطابع الفني للمهرجان، ومن يعتبره تقاعساً أخلاقياً، يظل السؤال قائماً: هل يمكن للفن أن يبقى بعيداً عن السياسة في عالم تتداخل فيه القضايا الإنسانية مع كل مجالات الحياة؟
ما حدث في برلين ليس مجرد خلاف حول تصريح أو بيان، بل يعكس تحوّلاً أعمق في علاقة الفن بالسياسة، وفي دور الفنانين كمؤثرين في القضايا العالمية، ومع استمرار النقاش، يبدو أن المهرجانات السينمائية ستظل ساحة تعكس التوتر بين الإبداع الفني والالتزام الأخلاقي، في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
