الوقت - قام المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) مؤخراً، في خطوة غير معتادة، بإلغاء الدعوة الموجهة إلى وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد أكد وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي هذا النبأ أيضاً، حيث أعلن على وسائل التواصل الاجتماعي أن المنتدى الاقتصادي العالمي ألغى حضوري في دافوس بناءً على أكاذيب وضغوط سياسية من "إسرائيل" وعملائها وأنصارها في الولايات المتحدة. وأضاف السيد عباس عراقجي: "هناك حقيقة أساسية في أعمال العنف الأخيرة في إيران: لقد اضطررنا للدفاع عن شعبنا ضد الإرهابيين المسلحين والمجازر على غرار داعش التي كان الموساد يدعمها علنًا".
تأسس المنتدى الاقتصادي العالمي، المعروف أيضًا باسم قمة دافوس، في عام 1971 على يد أستاذ أعمال ألماني المولد يدعى كلاوس مارتن شواب (Klaus Martin Schwab)، والذي كان يدرس في جامعة جنيف. وبما أن اجتماعات هذا المنتدى تعقد في دافوس(Davos) بسويسرا، فإنه يشار إليها عموماً في وسائل الإعلام باسم قمة دافوس.
عُقد الاجتماع الأول للمنتدى الاقتصادي العالمي قبل خمسة عقود في دافوس بسويسرا، واستضافت المدينة تجمعها السنوي كل عام منذ ذلك الحين، لدرجة أنه يتم استخدام اسم المدينة بدلاً من اسم الحدث.
مهام وأسلوب عمل منتدى دافوس
في السنوات الأولى للمنتدى الاقتصادي العالمي، كان كلاوس مارتن شواب يدعو عادةً قادة الاقتصاد في أوروبا الغربية لحضور المنتدى، على الرغم من أنه في وقت لاحق، تمت دعوة القادة السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين من جميع أنحاء العالم إلى هذا المنتدى، وفي الواقع، اتخذ المنتدى الاقتصادي العالمي شكلاً عالمياً حقيقياً.
وفي الوقت نفسه، فإن قمة دافوس لا تشبه قمم الأمم المتحدة التي تؤدي إلى إصدار قرارات وبيانات وإعلانات رسمية، ولكنها توفر مساحةً للتفاعل والنشاط بين جميع الجهات الفاعلة الفعالة. وفي بعض الأحيان أدت فرصة التواصل هذه إلى حل القضايا السياسية، كما يتضح من إعلان دافوس عام 1988 بين تركيا واليونان أو الاجتماع بين نيلسون مانديلا ودي كليرك عام 1992 بشأن التطورات في جنوب إفريقيا.
الفشل في تحقيق الأهداف العالمية
على الرغم من الأهداف الأولية لقمة دافوس المتمثلة في معالجة قضايا الأمن العالمي، إلا أن القمة فقدت فعاليتها على مدى السنوات القليلة الماضية، لدرجة أنه لم يُعقد هذا الاجتماع السنوي حتى عام 2021، وعُقد اجتماع عام 2022 في مايو لأسباب تعلقت بجائحة كورونا. وتمحورت المواضيع الرئيسية لهذا الاجتماع حول السياسات المتعلقة بجائحة كورونا، والأنواع المحتملة للأوبئة اللاحقة، وتغير المناخ، إلا أنه لم يُناقش موضوع تغير المناخ أو حتى جائحة كورونا.
هذا العام، ومع تصاعد النزاعات حول غرينلاند وتزايد التوترات في العلاقات عبر الأطلسي، قرّر المسؤولون الدنماركيون عدم حضور الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وقد أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي بياناً قال فيه: "دُعي ممثلون عن الحكومة الدنماركية لحضور اجتماع هذا العام، وأي قرار بشأن المشاركة يقع على عاتق الحكومة المعنية". وأضاف البيان: "نؤكد أن الحكومة الدنماركية لن يكون لها ممثل في اجتماع دافوس هذا الأسبوع".
لقد تصاعد النزاع حول غرينلاند مؤخراً بعد أن هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة من ثماني دول في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد دفع هذا التهديد الاتحاد الأوروبي إلى دراسة فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية بقيمة 93 مليار يورو (108 مليارات دولار).
إزدواجية المعايير
كما شكّلت المعايير المزدوجة انتقاداً آخر لقمة دافوس من قبل نشطاء حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. ففي حين ألغى مسؤولو قمة هذا العام الدعوة الموجهة إلى وزير الخارجية الإيراني بسبب ضغوط من تل أبيب، إلا أن قادة دافوس لم يتفاعلوا خلال حرب غزة مع نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المتهم بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية الإيراني إن المفارقة المحزنة هي أن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها "إسرائيل" بحق الفلسطينيين والمذبحة الجماعية التي راح ضحيتها 71 ألف شخص بريء، لم تدفع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إلغاء الدعوة الموجهة إلى المسؤولين الإسرائيليين. وفي الواقع، قام هرتسوغ بجولة احتفالية في دافوس في يناير 2024، بينما كان يواجه اتهامات جنائية في سويسرا بارتكاب إبادة جماعية سافرة في غزة.
الخوف من وجود إيران
في الوقت نفسه، قال بعض الخبراء إن إلغاء دعوة وزير الخارجية الإيراني إلى قمة دافوس، كان بسبب المخاوف بشأن تصريحات عراقجي في الاجتماع حول خطط الموساد والغرب للإطاحة بالحكومة في إيران.
في الواقع، بالنظر إلى أن وزير الخارجية الإيراني كان يمتلك أدلةً ووثائق کثيرة تثبت وجود عناصر إرهابية مسلحة في الاضطرابات الأخيرة في إيران، كان الكثيرون في الغرب وحتى في تل أبيب قلقين من أن الأدلة والوثائق الإيرانية التي يتم تقديمها في قمة دافوس بشأن وجود عناصر إرهابية في الاضطرابات الأخيرة، ستؤدي إلى مزيد من إضعاف القوى التخريبية في إيران، ومن ناحية أخرى، إلى إدانة عالمية لأعمال الموساد الإرهابية في إيران.
من جهة أخرى، ووفقاً للخبراء، فإن خوف الغرب و"إسرائيل" من حضور وزير الخارجية الإيراني في قمة دافوس، كان بسبب أن وجوده سيعني أن سياسة الضغط القصوى التي يتبعها الغرب لعزل إيران ستصبح بلا معنى، ولذلك بذلت تل أبيب وواشنطن جهوداً كبيرةً لإلغاء دعوة وزير الخارجية الإيراني إلى قمة دافوس.
كما يشير حضور وزير الخارجية الإيراني في قمة دافوس إلى أن الوضع الاقتصادي لإيران يعود إلى طبيعته، وبالنسبة للولايات المتحدة، التي تحاول منذ سنوات ضرب الاقتصاد الإيراني بممارسة أقصى الضغوط، فإن وجود عراقجي في دافوس يعني فشل سياسة الضغط الأقصى ضد إيران، وبالتالي فإن الضغط لإلغاء دعوة وزير الخارجية الإيراني إلى قمة دافوس كان کبيراً للغاية.
