الوقت- عقب التطورات المیدانیة المتسارعة التي شهدها جنوب الیمن وتبادل السیطرة علی بعض المناطق بین القوات الإماراتیة والسعودیة، يشهد المشهد السیاسي راهناً مخاض تغیرات جدیدة قد تعزّز موقع السعودیة وحلفائها.
في هذا المضمار، أعلن أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي في الیمن عبر بیان أنهم لم یحققوا الأهداف المتوخاة، وبالتالي توصلوا إلی إجماع علی حله. وشدد عبد الرحمن جلال الصبيحي أمین عام المجلس الانتقالي أن هذا الإجراء يعکس استعداد الأعضاء للمشارکة في مؤتمر الحوار اليمني في الریاض. ودعا أعضاء المجلس الانتقالي الشخصیات والقادة المؤثرین علی الانضمام لمسار المفاوضات.
کما أشار المجلس إلی أنه لم یشارک في العملیات العسکریة التي جرت في محافظتي حضرموت والمهرة، مؤکداً أن هذه الصراعات العسکریة قد أضرت بقضية الجنوب الیمني، آملاً أن يتمخض مؤتمر الرياض عن حلول بشأن قضية الجنوب.
بدوره وصف وزیر الدفاع السعودي حل المجلس الانتقالي الجنوبي بالإجراء الشجاع والخطوة الهامة لمستقبل المنطقة. کما التقی السفیر السعودي في الیمن بوفد من المجلس الانتقالي، وتباحث معه التطورات الأخیرة في هذا البلد.
بالتزامن، أفاد مجلس الرئاسة اليمنية الذي یتخذ من عدن مقراً له بتشکيل لجنة عسکریة علیا بقیادة قوات التحالف العربي. وأکد "رشاد العليمي" رئیس مجلس الرئاسة اليمنية بأن المجلس قد استجاب لقاطني المحافظات الجنوبية، وبالتالي فإن الحوار الجنوبي الشامل سينعقد قریباً. وکشف مکتب الرئاسة الیمنیة أن اللجنة العسکریة العلیا هي التي تصدر التعليمات إلی القوی العسکریة، وموقف الرئاسة واضح بهذا الشأن.
جاء حل المجلس الانتقالي بعد هروب رئیسه عیدروس الزبیدي من الیمن، وإقالة عدد من کبار أعضائه لاحقاً. کما تم اعتقال وزیر دفاعه علی ید السعودية بعد انتقاله إلی الریاض.
ويأتي حل المجلس الانتقالي بعد أن احتل قواته قبل ثلاثة أسابیع أجزاءً من محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن بمساندة إماراتية لإکمال خطتهم، لکن التحذیرات السعودیة الصارمة وانطلاق هجماتها علی مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي قلبت الصفحة وأتت أکلها، إذ غادر جمیع الضباط الإماراتیین وأتباعهم المناطق المحتلة حدیثاً، ما دفع القوی التابعة للسعودية المسماة "درع الوطن" للسيطرة علی هذه المناطق.
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي علی ید ذراع من الحراک الجنوبي عام 2017، ودعا إلی انفصال جنوب اليمن، لکن الإخفاق في تحقیق الأهداف نتیجة التطورات الأخیرة، حمل قادة المجلس علی اتخاذ قرار مصیري.
حل المجلس الانتقالي إجراء تکتيکي
رغم عزم المجلس الانتقالي علی الوصول إلی مخرجٍ لأزمة دامت عشر سنوات بمساعدة سعودية، بید أنه بالنظر إلی المواقف المزدوجة لبعض قادة هذا المجلس خلال الأسابیع المنصرمة، والتي تکشف عدم رغبتهم في تقاسم السلطة، فلا ینبغي التفاؤل کثیراً بقرارات تُتخذ بین عشیة وضحاها.
یری عدد من المحللین أن المجلس الانتقالي الذي خضع للقرار الإماراتي طیلة 8 سنوات دون أن یحقق آماله في الجنوب، اتجه الآن نحو السعودیة طالباً دعمها بعد إدراکه أنها هي المسيطرة حالیاً علی المشهد، علّه يغتنم ما يستطیع في المناطق الجنوبية ولا يتخلف عن الرکب. وبما أن الإمارات قد غادرت المشهد، فإن قادة المجلس الانتقالي يبتغون الاضطلاع بدورٍ ما في الهیاکل الجدیدة للحکم عبر الانضمام إلی المبادرات السعودیة.
وعلی الرغم من ضبابیة المشهد بشأن نتائج مؤتمر الریاض، لکن قادة المجلس الانتقالي یریدون استغلال ورقة الدعم الشعبي لصالحهم علی طاولة المفاوضات. ویبدو أن المجلس الانتقالي قد قطع الآمال عن الإمارات ويبحث عن راعٍ جدید له، ولکن کل شيء مرتبط بمآلات مؤتمر الریاض وقراراته بشأن إدارة جنوب الیمن سیاسیاً وأمنياً.
تصاعد التوترات خیار محتمل
علی الرغم من انسحاب الإمارات من جنوب الیمن وحل المجلس الانتقالي، إلا أن مسار الأحداث يشي باستمرار المواجهة بين الحلفین السابقین. لقد وافقت السعودیة والإمارات عام 2019 علی إنهاء خلافاتهما في اليمن، لکن هذا التوافق لم يدم طویلاً، حيث عمدت القوی التابعة لهما علی مر السنین الماضية علی الاقتتال لقضم المزید من المناطق.
وبالتالي، قد يکون انسحاب الإمارات من جزائر استراتیجیة کـ "سقطری، میون وعبدالکوري" تکتیکیاً، حتی تعود إلی مواکبة أهدافها في فرصة سانحة. ذلک أن الإمارات قد استثمرت کثیراً في هذه المناطق الاستراتیجية ولها أطماع فیها، وخروجها من هذه المناطق بعد غضبة سعودیة یبدو غریباً.
وبما أن المجلس الانتقالي قد اضطلع بدور محوري في منح هذه المناطق للإماراتیین، فإن مغادرة الإمارات ستدفع أعضاء المجلس للسيطرة ووضع الید علی موانئ عدن والجزائر الیمنیة. لقد أظهر هذا المجلس أنه لا يخضع للسعودیین ولا يدین لهم بالولاء، وطردوا قبل سنوات هذه الحکومة من عدن، وبالتالي فإنهم يعوّلون کثیراً علی الدعم الشعبي للمضي قدماً بأهدافهم.
تشیر التطورات المیدانیة في الجنوب أن التحدیات لا تزول بسهولة ويُسر، کما دعا أنصار الزبیدي الناس إلی النزول إلی الشوارع. وکان الأخیر قد کشف عن مرحلة انتقالية للانفصال والاستقلال لمدة عامين، وبعد انقضاء العامين سیجری استفتاء شعبي عام لاتخاذ القرار بشأن انفصال الجنوب.
وهکذا، إذا لم یحقق المجلس المنحل أهدافه في اجتماع الرياض، فلیس مستبعداً أن يعود إلی خططه السابقة. خلال السنوات الأخیرة سعی المجلس إلی تحقیق أهدافه بنيل الاستقلال بمساعدة إماراتية وتشکیل حکومة مستقلة، ولکن إذا وضع المجلس الرئاسي یده علی زمام الأمور بشکل کامل، وتم التخلي عن قادة المجلس الانتقالي، فإن الظروف ستتغیر والمعارک المیدانیة بین الطرفين یمکن أن تستأنف من جدید.
إن عین السعودیة علی جنوب اليمن ومناطقه الغنية بالنفط علی وجه الخصوص، لکنها تعارض طالبي الانفصال وأنصار الاستقلال، وإذا أخفق اجتماع الرياض فإن التوتر سيعود إلی سابق عهده بین السعودية والمجلس الانتقالي وبوتیرة أشدّ هذه المرة، وقد یصبح المشهد مواتياً لعودة الدعم الإماراتي.
