الوقت- التقى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره، مؤخرًا بوفد حماس في القاهرة. يُعدّ هذا اللقاء النادر بين كوشنر، بصفته مبعوث ترامب لشؤون الشرق الأوسط، وقادة حماس في مصر، أحد أهم مؤشرات تغيّر نهج الحكومة الأمريكية تجاه المقاومة الفلسطينية؛ لقاء يُظهر أن واشنطن، خلافًا لسياستها المعلنة بإقصاء حماس من مستقبل غزة السياسي، باتت مضطرة للتفاوض مباشرةً مع هذه الحركة باعتبارها أحد الفاعلين الرئيسيين في القضية الفلسطينية.
من "القضاء على حماس" إلى المفاوضات المباشرة
أعلنت إدارة ترامب عن خطتها المكونة من 15 بندًا لمستقبل غزة، والتي تقوم على نزع سلاح حماس، وإنشاء هيكل حكم جديد، والانسحاب التدريجي لقوات الاحتلال. إلا أن تنفيذ هذه الخطة يكاد يكون مستحيلاً دون موافقة حماس. لهذا السبب، يبدو أن كوشنر قد اتخذ خطوة هامة، فبدلاً من مجرد التواصل مع حماس عبر وسطاء عرب، التقى مباشرةً بخليل الحية، الزعيم السياسي للحركة.
لهذا الأمر دلالة سياسية بالغة، إذ يعني أن واشنطن قد قبلت عملياً أنها لا تستطيع تحديد مستقبل غزة دون التفاوض مع قوة لا تزال تتمتع بنفوذ وتنظيم كبيرين داخل فلسطين.
بعبارة أخرى، ما كان يُوصف سابقاً في خطاب إدارة ترامب بـ"إخراج حماس من معادلة غزة" أصبح الآن مفاوضات مع حماس للتوصل إلى اتفاق.
حماس الآن هي الطرف المقابل لأمريكا في المفاوضات
والأهم من ذلك، أن المفاوضات الأمريكية مع حماس تجري في ظل رفض تل أبيب للخطة المدعومة من واشنطن. بنيامين نتنياهو لا يوافق على الخطة الأمريكية ويصر على نزع سلاح حماس بالكامل قبل الانسحاب من غزة. في المقابل، أصرت حماس على انسحاب القوات المحتلة من غزة وربطت نزع السلاح بالترتيبات السياسية المستقبلية لفلسطين.
باتت واشنطن الآن في وضعٍ يمكّنها من إقناع حماس بقبول خطتها والضغط على نتنياهو لتنفيذها، وهو ما يُشير إلى أن المبادرة الأمريكية في غزة باتت في يد حماس.
في الواقع، يُمكن اعتبار اجتماع كوشنر مع حماس دليلاً على واقعية واشنطن المفروضة. فالولايات المتحدة تُدرك أخيراً حقيقةً على أرض الواقع، وهي أنه بدون مشاركة حماس، أو على الأقل موافقتها، لا يُمكن بناء أي هيكل سياسي وأمني مستدام لغزة.
حتى في التقارير المنشورة عن المفاوضات، يتضح أن حماس ليست مجرد طرف ثانوي فيها؛ بل لها موقف حاسم بشأن مستقبل غزة، وأسلحتها، وانسحاب المُحتلين، وإدارة المنطقة، وحتى مستقبل الفلسطينيين السياسي. كما أفادت رويترز بأن حماس وافقت على خطة نزع السلاح ضمن إطار مُحدد، لكنها ربطتها بانسحاب المُحتلين والترتيبات السياسية المستقبلية، وهنا يُمكننا الحديث عن تراجع واشنطن السياسي عن واقع المقاومة الفلسطينية.
تراجع أمريكي أم قبول للواقع؟
في الوقت نفسه، لا ينبغي اعتبار اجتماع كوشنر مع قادة حماس مجرد اجتماع دبلوماسي عادي. فهذا الاجتماع يُشير إلى تحوّل في مبدأ هام من مبادئ سياسة واشنطن.
فبدلاً من مجرد تكليف حماس بمهمة، باتت الولايات المتحدة مُجبرة على التفاوض بشأن الأسلحة، والمستقبل السياسي لغزة، وانسحاب القوات المُحتلة، وتنفيذ الاتفاق مع هذه الحركة.
وحتى وإن كان هدف واشنطن النهائي لا يزال نزع سلاح حماس، فقد تغيّرت طريقة تحقيقه، وانتقلت من الضغط الأحادي إلى التفاوض المباشر.
وفي الوقت نفسه، دعا ترامب الصهاينة إلى وقف الهجمات على غزة؛ وهي خطوة تُشير إلى اتساع الفجوة بين مطالب واشنطن ومواقف حكومة نتنياهو.
وبالطبع، لا يُمكن القول إن إدارة ترامب قد تراجعت تماماً عن هدف نزع سلاح حماس. فقد واصل كوشنر التأكيد على أن إعادة إعمار غزة مرهونة بنزع سلاح حماس، وأن واشنطن تسعى إلى نزع سلاح المنطقة.
لكن طرأ تغيير هام على مستوى آخر: فقد أقرت واشنطن بضرورة التفاوض مع حماس لتحقيق هذا الهدف، وأخذت مطالب الحركة بعين الاعتبار في حساباتها.
لهذا السبب، يُمكن اعتبار لقاء كوشنر والهيئة من أبرز مؤشرات تغير موازين القوى السياسية في حرب غزة؛ حيث تحولت المقاومة الفلسطينية من "مشكلة أمنية" سعت الولايات المتحدة إلى القضاء عليها، إلى "طرف مفاوض".
ولعلّ أهم رسالة يحملها هذا التطور للمنطقة هي: أنه لتنفيذ خطتها في غزة، اضطرت إدارة ترامب أخيرًا إلى الدخول في مفاوضات مع القوة التي كان يُفترض إقصاؤها من مستقبل غزة.
الكرة الآن في ملعب المحتلين
ويلخص وسام عفيفة، الكاتب والمحلل السياسي في وكالة شهاب للأنباء، اللقاء في جملة واحدة: "قالت حماس لكوشنر: لقد اتفقنا. الآن دورك في التعامل مع نتنياهو".
بحسب قوله، دخل وفد حماس الاجتماع بعزمٍ راسخ على عدم فتح نقاش جديد حول خطة النقاط الخمس عشرة التي طرحها منسق مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف. وقد نوقشت الخطة مطولاً ووافقت عليها حماس؛ لذا، "انتهى وقت التفاوض بشأن هذه الخطة"، والمطلوب الآن هو إجبار الكيان الصهيوني على تنفيذها، لا التراجع. وذكّر وفد حماس كوشنر بأن الوعد الأمريكي السابق كان: إذا وافقت حماس، ستضمن واشنطن موافقة إسرائيل. ووفقًا لعفيفي، لطالما أكد وفد حماس على "الخطوات المتبادلة"، أي أنه لن تكون هناك خطوات أحادية الجانب، وأن أي خطوة فلسطينية يجب أن تُقابل بخطوة صهيونية في الوقت نفسه.
نتنياهو، عقبة أمام خطة ترامب
ويكمن التناقض الأكبر لإدارة ترامب في اضطرار واشنطن للتفاوض مع حماس لإنقاذ خطتها.
بعد لقائه مع حماس، توجه كوشنر إلى تل أبيب لإقناع نتنياهو بقبول خارطة الطريق الأمريكية. لكن المحادثات التي استمرت ثلاث ساعات بين الجانبين انتهت أيضاً دون التوصل إلى نتيجة.
في الواقع، باتت إدارة ترامب الآن في موقفٍ تُمارس فيه المقاومة الفلسطينية من جهة، ومعارضة نتنياهو من جهة أخرى، ضغوطاً على الخطة الأمريكية.
هذا الوضع بعيد كل البعد عن الصورة التي رسمها ترامب في بداية ولايته عن قدرته على فرض نظام جديد على غزة.
