الوقت – إن الهجوم غير المشروع الذي فرضته الولايات المتحدة والکيان الصهيوني على إيران منذ 28 فبراير 2026، والذي تصاعدت حدته في الأسابيع الأخيرة إثر انهيار الهدنة الهشة التي أُبرمت في أبريل، لا يمثل مجرد أزمة عسكرية وإنسانية في الشرق الأوسط.
فوفقًا لعدد كبير من المحللين الاقتصاديين والمؤسسات المالية الدولية ومراكز الأبحاث المعروفة، تحولت هذه الحرب إلى أحد أهم المحركات التي تسرع من انحدار هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي والاقتصاد الدولي. وهو مسار بدأ قبل الحرب، لكنه اليوم يعيد تشكيل البنية النقدية العالمية بوتيرة غير مسبوقة.
إن تراجع مكانة الدولار ليس ظاهرةً جديدةً؛ فقد تحدث الكثيرون منذ فترة عن التغيرات الحتمية في العملة العالمية. وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فإن حصة الدولار من الاحتياطات النقدية الرسمية للبنوك المركزية حول العالم، والتي بلغت ذروتها عند 72% في عام 2001، قد انخفضت قبل اندلاع حرب إيران إلى أقل من 57%، وهو أدنى مستوى منذ عام 1995.
في الوقت ذاته، لجأت البنوك المركزية، خاصةً في الصين والهند وتركيا وبولندا والبرازيل وكازاخستان، إلى شراء الذهب بوتيرة غير مسبوقة، إذ تجاوزت مشترياتها السنوية ألف طن، مما رفع نسبة الذهب ضمن الاحتياطيات العالمية من 13% في عام 2017 إلى نحو 30%.
إلى جانب هذا التوجه، وسّعت الصين من نطاق نظام الدفع الدولي الخاص بها المعروف بـ CIPS، والذي يعد بديلاً محدودًا لنظام سويفت، ليشمل أكثر من مئة دولة، فيما سعت دول بريكس منذ سنوات إلى تصميم آليات لتسوية التجارة بعملاتها الوطنية متجنبةً الاعتماد على الدولار.
ومع اندلاع النزاعات في مرحلة ما بعد حرب رمضان، أعلنت إيران عمليًا، وتحت إشرافها ومراقبتها، عن السيطرة وحتى الإغلاق الجزئي على جزء كبير من مضيق هرمز، الذي يظل ممرًا لحوالي خُمس تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال.
وكان من نتائج هذه الأزمة تراجع حاد في عبور النفط من المنطقة، وارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إنتاج النفط العالمي في الربع الثاني من عام 2026 انخفض بنسبة تزيد عن 6% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، بينما أشار بعض المحللين في وول ستريت إلى احتمال بلوغ سعر البرميل 200 دولار.
النقطة الاستراتيجية من منظار النظام النقدي العالمي تكمن في مكان آخر، فقد أفادت تقارير عدة من وسائل إعلام موثوقة أن طهران في الأشهر الأخيرة اشترطت مرور ناقلات النفط لدول صديقة عبر مضيق هرمز مقابل الدفع باليوان الصيني أو العملات الرقمية.
هذه الخطوة، حتى وإن ظلت محدودةً ورمزيةً على أرض الواقع، أرسلت رسالةً واضحةً إلى الأسواق العالمية تفيد بأن السلعة الاستراتيجية التي شكلت قاعدة نظام البترودولار منذ سبعينيات القرن الماضي، لم تعد بالضرورة تُسعّر حصريًا بالعملة الأمريكية.
قد يكون أبلغ مؤشر على هذا التحول هو ما شهدته سوق سندات الخزانة الأمريكية؛ فعادةً ما تتسبب الأزمات الجيوسياسية الكبرى في تدفق رؤوس الأموال نحو سندات الخزانة الأمريكية مع انخفاض عوائدها، وهو نمط عزّز لعقود مكانة الدولار كملاذ آمن عالمي.
لكن في الأيام الأولى للحرب، انقلب هذا النمط التاريخي رأسًا على عقب، حيث ارتفعت عوائد السندات العشرية من نحو 3.94% في 27 فبراير إلى 4.43% بنهاية مارس، في حين بدأ مؤشر الدولار بالانخفاض. وبحسب المحللين، فإن التباين بين عوائد السندات وقيمة الدولار، اللذين كانا يتحركان سابقًا معًا، يعدّ إشارةً جليةً على أن المستثمرين لم يعودوا يرون المخاطر الجيوسياسية مجرد ذريعة للجوء إلى الدولار، بل يعتبرونها ناقوس خطر مرتبط بزيادة الدين العام الأمريكي الذي تجاوز 38 تريليون دولار في 2026.
لقد دفعت حرب إيران على الأقل مسارين متاحين لتقليل الاعتماد على الدولار بوتيرة أسرع؛ أولاً، التهافت المركزي على الذهب، حيث وصل سعر الأونصة إلى أكثر من 5400 دولار خلال ذروة الحرب، وبحسب بعض التقارير تجاوز 6000 دولار في الأشهر التالية. ويتوقع المجلس العالمي للذهب شراء البنوك المركزية ما بين 750 إلى 850 طنًا صافيًا في عام 2026، رقماً قد يتجاوز الألف طن مع الأخذ بعين الاعتبار المشتريات غير المعلنة من الصين والهند.
يمكن تفسير هذه المشتريات كاستراتيجية دفاعية تحسبًا لخطر تجميد الأصول، تجربة مرت بها روسيا بعد 2022 وحرب أوكرانيا، وهو خطر أعادت حرب إيران تذكير البنوك المركزية به.
أما المسار الآخر فهو توسع البنية التحتية للدفع الموازي، حيث شهد نظام الدفع الصيني CIPS، البديل المحدود حاليًا لسويفت، نمواً ملحوظًا بعد اندلاع الحرب، حيث أفادت تقارير بتضاعف حجم معاملاته اليومية في أوائل أبريل مقارنةً بمتوسط الأشهر التي سبقت الحرب.
وفي الوقت نفسه، أعلن تحالف بريكس في اجتماعاته لعام 2026 عن بدء التشغيل المرحلي لنظام “بريكس بي” الذي يهدف إلى ربط الشبكات الوطنية للصين والهند والبرازيل وروسيا لتسوية التجارة بالعملات المحلية، كما وصل مشروع “إمبريج” متعدد الأطراف بمشاركة الصين والإمارات والسعودية وتايلاند إلى مرحلة الإطلاق التجاري.
ومع ذلك، لا بد من التنويه إلى أن الدولار لا يزال يمثل حوالي 88% من إجمالي التداولات النقدية العالمية، ولا يمكن لأي من الأنظمة البديلة منافسة شبكة سويفت أو السوق العميق لسندات الخزانة الأمريكية من حيث الحجم والسيولة. وحتى التقارير التي تحدثت عن إلزام الدفع باليوان لعبور مضيق هرمز، تناولتها وسائل إعلام مرموقة مثل رويترز وبلومبرغ على أنها سياسة غير مؤكدة أو مجرد خيار مطروح وليس إجراءً رسميًا وشاملًا.
يؤكد العديد من الاقتصاديين أن تراجع مكانة عملة احتياطية مثلما حدث للجنيه الإسترليني البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، والتي استغرقت خمسين عامًا، هو عملية تدريجية ومتعددة الأبعاد. ولا يمكن استنتاج سقوط الدولار الوشيك بشكل مباشر من التطورات المكلفة في غرب آسيا بالنسبة لأمريكا.
لكن مجمل الأحداث يشير إلى أن الأهم على المستوى الدولي ليس فشل سياسة الدولار المحوري بحد ذاتها، بل فقدان ثقة الحلفاء والشركاء التجاريين للولايات المتحدة في هذا النظام.
