الوقت - إن النزاعات العسكرية التي شهدها الخليج الفارسي في الأيام والأسابيع الأخيرة، تجسّد بوضوحٍ حقيقةً مفادها أن إيران لا تنوي التراجع عن مواقفها بشأن إدارة مضيق هرمز، بل إنها قد حوّلت هذا الملف إلى أحد أهمّ الخطوط الحمراء لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وتشدد الجمهورية الإسلامية على ضرورة صياغة أطرٍ قانونية جديدة لإدارة الملاحة البحرية في المضيق، بمشاركة سلطنة عمان بصفتها دولةً ساحليةً أخرى تطلّ على هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
وفي سبيل تحقيق هذا المسعى، غادر وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، السيد عباس عراقجي، متوجهاً إلى مسقط، عاصمة عُمان، في زيارةٍ محورها البحث عن توافقٍ بشأن مستقبل إدارة مضيق هرمز. وما كشف عنه المشهد الدبلوماسي حتى اللحظة يشير إلى وجود توجه عُماني يتّسم بالتذبذب، بل والتناقض أحياناً، مع السياسات الإيرانية تجاه إدارة المضيق؛ وهو ما يدفع طهران للبحث عن حل لهذا التباين في الرؤى - الذي تعزوه أساساً إلى الضغوط الأمريكية- عبر مسار التفاوض والحوار.
ومع ذلك، فقد أثبتت القوات المسلحة الإيرانية، حتى خلال فترة الهدنة التي استمرت شهرين، أنها لا تقبل أي تهاونٍ فيما يتعلق بالسيادة والترتيبات الأمنية لهذا الممر المائي الاستراتيجي، وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي إجراءٍ ترى فيه مساساً بمصالحها واعتباراتها الأمنية.
وفي هذا الإطار، يكتسب بيان السبت الصادر عن الحرس الثوري الإيراني أهميةً استثنائيةً، والمتعلق باستهداف مراكز الدعم اللوجستي للقطع البحرية الأمريكية في سلطنة عمان؛ حيث أعلن الحرس الثوري في بيانه أن مقاتلي القوة الجوفضائية، وفي المرحلة الثالثة من الرد على الاعتداءات الأمريكية، قد استهدفوا مراكز دعم السفن الحربية ومنصات تزويد حاملات الطائرات الأمريكية بالوقود في "ميناء الدقم" عبر هجومٍ عنيف ومباغت.
لقد استهدفت إيران خلال الحرب -وحتى في فترات الهدنة- القواعد الأمريكية في الدول الخليجية مرات عديدة، وظلت سلطنة عمان بمنأى عن دائرة هذه الهجمات، إلا أنه مع دخول "ميناء الدقم" قائمة الأهداف الصاروخية الإيرانية، يبدو أن السلطنة قد بدأت تفقد مسافة الأمان التي كانت تتمتع بها. ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزلٍ عن التنافس المحموم على الترتيبات الأمنية الجديدة وطرق إدارة مضيق هرمز.
الأهمية اللوجستية لـ "الدقم"
لا تقتصر أهمية ميناء الدقم على موقعه الجغرافي فحسب، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أهمّ مراكز الدعم العملياتي للبحرية الأمريكية وحلفائها الغربيين في شمال المحيط الهندي.
إن الموقع الجغرافي لهذا الميناء، الواقع خارج مضيق هرمز وبالقرب من مسارات التجارة العالمية الرئيسية، يمنح واشنطن القدرة على دعم سفنها الحربية دون الارتباط المباشر بضيق مضيق هرمز. وبفضل امتلاكه لأرصفة عميقة، وأحواض صيانة ضخمة، ومنشآت تزويد بالوقود، وبنية تحتية مهيئة لاستقبال حاملات الطائرات والغواصات، يلعب الدقم دوراً محورياً في الحفاظ على الجاهزية العملياتية للأسطول الأمريكي.
لقد استثمرت واشنطن مبالغ طائلة لتطوير البنية التحتية لهذا الميناء، ليكون أحد ركائز دعم عملياتها البحرية في المنطقة. كما يمكن للدقم، في أوقات الأزمات، أن يستوعب جزءاً من العبء العملياتي للقواعد الأمريكية في البحرين وقطر والإمارات، مما يضمن استمرارية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
بناءً على ذلك، فإن أي تهديد أو هجوم يستهدف ميناء الدقم لا يُعد مجرد اعتداء على السيادة العُمانية، بل هو رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة مفادها أن شبكة دعمها اللوجستي وخطوط إمداد قواتها البحرية في المنطقة باتت عرضةً للخطر؛ وهو أمر ضاعف من الأهمية الاستراتيجية لهذا الميناء في المعادلات الأمنية للخليج الفارسي وبحر عُمان.
رسالة عسكرية إلى مسقط في خضمّ العمل الدبلوماسي
إنَّ تزامن الهجوم على القاعدة الأمريكية في "الدقم" مع زيارة "عراقجي" إلى مسقط وجدول أعماله التفاوضي حول مضيق هرمز، قد يدفع العُمانيين إلى تبني قراءة مغايرة لهذا الهجوم؛ قراءةٍ مفادها أنَّ إيران، وإلى جانب مسار الدبلوماسية، لا تزال تُبقي على أدوات ردعها فاعلةً، وأنها لن تسمح للمفاوضات بأن تتحول إلى فرصة لترسيخ مخططات تضرب بالحقوق والمصالح السيادية للبلاد عرض الحائط.
إن جوهر الخلاف يكمن في المواقف المزدوجة والنهج "المتذبذب" الذي تنتهجه عُمان تجاه إدارة مضيق هرمز. غير أن شبكة "CNN" أفادت مؤخراً بأن عُمان اقترحت في المفاوضات الأخيرة إنشاء ممرّين مستقلين لحركة السفن: ممرٌ يقع في المياه الجنوبية وتديره عُمان دون الحاجة لاستخراج تصاريح، وممرٌ آخر يقع ضمن المياه الإيرانية، يُدار بموافقة طهران مقابل رسومٍ تُدفع لها.
ويهدف هذا المقترح، الذي يتناغم تماماً مع السيناريو الأمريكي المنشود، إلى تحويل جزء كبير من خطوط الشحن نحو جنوب شبه جزيرة "مسندم" العُمانية؛ وهي خطوة تهدف إلى زيادة المسافة بين السفن والسواحل الشمالية، كي لا تتمكن إيران من فرض رسومٍ أو مطالبة السفن بتكاليف خدمية وأمنية.
ومن منظور طهران، فإنَّ مخططاً كهذا لا يكتفي بزعزعة المكانة القانونية لإيران في مضيق هرمز فحسب، بل إنه يسعى عملياً إلى إخراج جزء من إدارة هذا الممر المائي من إطاره التاريخي والجغرافي. وتصرُّ الجمهورية الإسلامية على أن يظلّ المسار الرئيسي لمرور السفن هو المسار التقليدي المارّ بين جزيرتي "قشم ولارك" الإيرانيتين، وأن تُدار خدمات الملاحة والسلامة والتحكم في الحركة وفقاً لآليات يتم الاتفاق عليها بين الدولتين الساحليتين.
وعلى صعيدٍ آخر، تشير تقارير إلى أن عُمان تتماشى مع مبادرة مشتركة أوروبية؛ حيث ذكرت صحيفة "الغارديان" أن الأوروبيين - الذين تضرروا أكثر من غيرهم من إغلاق مضيق هرمز- قد وافقوا مؤخراً على نظام "غير إلزامي وتطوعي" لدفع مبالغ مقابل العبور من هذا الممر. غير أن هذا المقترح أيضاً يصطدم مع الرؤية الإيرانية لممارسة السيادة والمكانة القانونية في إدارة المضيق.
وهكذا، تقف عُمان أمام مفترق طرقٍ مصيري ومعادلاتٍ شديدة التعقيد. فلطالما لعبت السلطنة، على مدى العقود الماضية، دور الوسيط الموثوق بين إيران والولايات المتحدة، وحاولت دوماً الحفاظ على توازن علاقاتها مع الطرفين. ومن جهة أخرى، فإن موقع عُمان الجغرافي على الضفة الجنوبية لمضيق هرمز، يجعل من أي تغيير في آلية إدارة هذا الممر مسألةً تمسُّ مصالحها الاقتصادية والأمنية بشكل مباشر.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الزيارات المتكررة لـ "عراقجي" إلى مسقط، وإن كانت قد أبقت قنوات الحوار مفتوحةً، إلا أنها لم تنجح بعد في تبديد الضبابية المحيطة بالرؤية العُمانية. فوزارة الخارجية العُمانية تحصر أهداف المفاوضات في ضمان سلامة الملاحة، وحرية التجارة، وإدارة تداعيات التطورات الإقليمية الأخيرة؛ وهو موقفٌ يشير إلى أن مسقط لم تقتنع بعد بضرورة صياغة وضعٍ قانوني جديد، أو أنها على الأقل لا تزال مترددةً في هذا الصدد، وتنظر إلى المفاوضات بوصفها أداةً لإدارة التوترات فحسب.
وفي أعقاب زيارة "عراقجي" يوم السبت، أعلن "إسماعيل بقائي"، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، أن البلدين اتفقا على استمرار الحوارات السياسية والفنية والقانونية بشأن الترتيبات المستقبلية لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأكد بقائي أن إيران تصرُّ على أن تُصاغ أي آلية جديدة بالتشاور بين الدولتين الساحليتين، ومع مراعاة التطورات الأمنية التي شهدتها الأشهر الأخيرة وتداعياتها على أمن الملاحة.
وخلاصة القول، تشير المؤشرات إلى أن "صبر إيران بدأ ينفد"، وأن نافذة الوقت المتاحة للترحيب بعُمان في إطار الاستفادة المشتركة من خيرات مضيق هرمز بدأت تنغلق سريعاً. وعلى عُمان اليوم أن تختار بين ضغوط القوى العابرة للإقليم التي لا تسعى إلا وراء مصالحها الضيقة، وبين النهج القانوني المشروع والمثمر الذي تطرحه إيران لكلا البلدين؛ وهو خيارٌ وإن لم يكن سهلاً، إلا أن موازنة كلفته وفوائده لا تبدو بالأمر العسير.
