الوقت - كان قرار وزارة الداخلية اللبنانية بإزالة اللوحات الإعلانية التي تحمل صور القائد الشهيد والقيادة الإيرانية الجديدة من شوارع العاصمة إجراءً إدارياً ظاهرياً يتعلق بإدارة الفضاء العام، إلا أنه في المناخ السياسي اللبناني، أصبح هذا القرار رمزاً للمواجهة بين نهجين لمستقبل البلاد.
بدأت الحادثة عندما أمر أحمد حجار، وزير الداخلية في حكومة جوزيف عون، بإزالة لوحات إعلانية وضعها أنصار المقاومة ومحبو قائد الثورة الإسلامية الشهيد وخليفته على طول الطريق المؤدي إلى مطار رفيق الحريري، كُتب عليها "شكرًا لايران الوفية"، تعبيرًا عن امتنانهم للدعم الثابت الذي قدمته الجمهورية الإسلامية لبيروت في الاتفاق الأولي مع الولايات المتحدة لوقف عدوان الكيان الصهيوني على جنوب لبنان.
وكانت ذريعة وزير الداخلية اللبناني لإصدار هذا الأمر، الذي أثار استياءً وغضبًا واسعين في بيروت، هي ضرورة تنظيم الأماكن العامة وإنفاذ القوانين. وطلبت الوزارة استبدال هذه اللوحات الإعلانية بلافتات تروج لقطاع السياحة في لبنان.
إلا أنه منذ البداية، كان واضحًا للمحللين والجمهور أن خطوة وزارة الداخلية اللبنانية كانت ذات دوافع سياسية. بينما يُصوّر حزب الله وقف إطلاق النار المفروض على العدو كنتيجة لانتصار قوات المقاومة، الذي تحقق بدعم من إيران، تحاول الحكومة اللبنانية إظهار أن مبادرة الذهاب إلى المحادثات الثلاثية في واشنطن ستحافظ على أمن لبنان ووحدة أراضيه. فعلى سبيل المثال، بعد يومين من إصدار أمر بإزالة اللافتات التي تشكر إيران بحجة الترويج للسياحة، استبدلتها بلدية بيروت بلافتات كُتب عليها "لبنان أولاً" و"لبنان يوحدنا".
وفي حين سعت الحكومة إلى تحقيق مكاسب من الاتفاق مع الكيان الصهيوني بنشر هذه اللوحات الإعلانية، رفض حزب الله وحركة أمل هذا الاتفاق رفضاً قاطعاً، نظراً للتنازلات العديدة التي قدمها للجانب الصهيوني (بما في ذلك نزع سلاح المقاومة) وعدم التزام الكيان بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.
كما أكدت مواقف مسؤولي الكيان أن الاتفاق لم يُلزم تل أبيب بسحب قواتها سريعاً. صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية الجنوبية ما دام ذلك ضرورياً، كما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية لن تتراجع حتى تحت الضغط الأمريكي.
إذن، ما يدور خلف ما يُسمى بـ"حرب اللوحات الإعلانية" هو صراع أعمق، لا سيما وأن طريق مطار بيروت، الذي يمر عبر الضواحي الجنوبية للمدينة وأحياء تُؤيد حزب الله في الغالب، كان مسرحاً للعديد من المواجهات بين القوى السياسية والاحتجاجات الرمزية في السنوات الأخيرة.
في الواقع، تُفسر التيارات المعارضة لحزب الله هذا التحرك كدليل على عودة سلطة الدولة ومحاولة لتقليص الوجود الرمزي للجهات الأجنبية. فمن وجهة نظرهم، ينبغي أن تكون الدولة هي السلطة الوحيدة المخولة باتخاذ القرارات المتعلقة بالفضاء العام والرموز السياسية، ويمكن تقييم هذا القرار في هذا السياق.
لكن من جهة أخرى، من وجهة نظر شريحة كبيرة من مؤيدي حزب الله وسكان المناطق الشيعية، فإن السؤال الرئيسي ليس عن سبب إزالة اللوحات الإعلانية، بل عن سبب عدم إظهار الحكومة اللبنانية نفس القدر من السرعة والحساسية في المسائل التي تمس حياة الناس مباشرة بعد الحرب.
في الواقع، وجّه قرار إزالة اللوحات الإعلانية رسالةً إلى شريحة من الجمهور، لا سيما في المناطق الداعمة للمقاومة، مفادها أن الحكومة تتمتع بالسرعة والحسم في بعض الأمور الرمزية التي لا تُرى في معالجة مشاكل المعيشة وإعادة إعمار المناطق التي مزقتها الحرب.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من مناطق جنوب لبنان، والضواحي الجنوبية لبيروت، وأجزاء من البقاع لا تزال تعاني من الآثار الواسعة النطاق لهجمات الكيان الصهيوني، من تدمير للبنية التحتية، وتضرر للمنازل، ومشاكل إعادة الإعمار. في ظل هذه الظروف، يتساءل جزء من الجمهور: هل ينبغي أن تكون أولوية الحكومة إزالة الرموز السياسية أم معالجة أوضاع ضحايا الحرب، والتعويض عن الأضرار، وإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة؟
من منظور سياسي، قد يُعمّق هذا الوضع الفجوة بين الحكومة وقاعدة حزب الله الشعبية. ففي الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت في البلاد، حقق حزب الله وحلفاؤه فوزًا كبيرًا في الانتخابات البلدية عام 2025، والتي وُصفت بأنها استفتاء على دعم المقاومة. لذا، من وجهة نظر هذا التيار، فإن أي حكومة عاجزة أو دون المستوى المأمول في منع هجمات الكيان، أو توطين اللاجئين (وخاصة الشيعة)، أو تسريع عملية إعادة الإعمار، لكنها تُسرع في إزالة الرموز المرتبطة بمحور المقاومة، ستواجه خطر فقدان ثقة شريحة من المجتمع.
وهذا التصور، بغض النظر عن مدى تطابقه مع الواقع، قد يؤثر على الشرعية السياسية للحكومة لدى هذه الشريحة من المجتمع.
لذا، فإن الجدل الدائر حول اللوحات الإعلانية ما هو إلا انعكاس لانقسام أعمق؛ انقسام بين رؤيتين لأولويات لبنان ما بعد الحرب. تُعطي إحدى الرؤيتين الأولوية لترسيخ سيادة الدولة وتقليص نفوذ الجهات الفاعلة الإقليمية، بينما ترى الأخرى أن التركيز على الإجراءات الرمزية قد يُفاقم السخط الاجتماعي إلى حين اكتمال إعادة إعمار المناطق المنكوبة، ودعم الجرحى، وتوفير الأمن للسكان.
في نهاية المطاف، يعتمد استمرار هذا الانقسام بشكل أكبر على أداء الحكومة في إعادة بناء المناطق المتضررة، وتقديم التعويضات، ورعاية النازحين، والاستجابة لمطالب المواطنين، أكثر من اعتماده على مصير اللوحات الإعلانية. فإذا فشلت الحكومة في تحقيق نتائج إيجابية في هذه المجالات، فقد يُفسر أي إجراء رمزي على أنه دليل على ابتعاد الحكومة عن الأولويات الحقيقية للمجتمع، مما يمهد الطريق لتفاقم الفجوة بين فئات المجتمع والمؤسسات الرسمية.
