الوقت - عُقد اجتماع إعلامي تحت عنوان “آفاق المقاومة في العراق في ظل بيان الإطار التنسيقي الشيعي حول ضرورة قطع ارتباط الحشد الشعبي مع التيارات السياسية والحزبية” في وكالة أنباء "فارس" الإيرانية.
في هذا الاجتماع، ناقش الدكتور أحمد زارعان، رئيس “معهد "أندیشه سازان نور" للدراسات الإستراتيجية”، الوضع الحالي في العراق وأنشطة مجموعات المقاومة وعلاقات هذه المجموعات مع حكومة بغداد.
الوضع الإقليمي الحساس
بدأ الدكتور زارعان بتأكيده على الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة بعد الحرب المفروضة التي استمرت 40 يوماً والهدنة الهشة، قائلاً: لم تتحول فقط حالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة إلى وضع مختلف تماماً، بل إن إيران أصبحت معترفاً بها كقوة إقليمية، كما أن أمريكا تعرضت لهزيمة مريرة، وتظهر تداعياتها داخل المجتمع الأمريكي وعلى الساحة الداخلية للكيان الصهيوني وعلى علاقات واشنطن مع القوى العالمية الأخرى. كما تمر دول المنطقة بحالة مختلفة، ويجب إيلاء اهتمام خاص بالقضايا الهامة في لبنان وكذلك العراق.
تاريخ المقاومة العريق في العراق
واصل رئيس معهد "أندیشه سازان نور" للدراسات الإستراتيجية الحديث حول جذور المقاومة في العراق، مشيراً إلى أن مسألة المقاومة في العراق لها جذور عميقة، وهي في جوهرها ثقافة تاريخية. المقاومة في العراق ليست قضيةً حديثةً أو معاصرةً فقط، بل هي ثقافة تمتد جذورها لألف عام، وخاصةً بين الشيعة، حيث تعود ثقافة المقاومة إلى تاريخ نضالهم. ففي ظل الظلم والضغط الذي تعرض له معظم سكان العراق لقرون، ترسخت ثقافة المقاومة لدى الشيعة العراقيين.
وأضاف الدكتور زارعان أن المقاومة الشيعية أخذت بُعداً جديداً خلال المئة عام الماضية في عهد الانتداب، حيث أضيف إليها مقاومة الاحتلال الخارجي إلى جانب مقاومة الاستبداد الداخلي. لذا فإن المقاومة جزء لا يتجزأ من ثقافة العراقيين، وتؤكده انتفاضات الشيعة في القرن الماضي وتوجهات علماء الشيعة. ويمكن رؤية نماذج المقاومة العراقية خلال قرن مضى في نضالاتهم ضد الاستعمار البريطاني، ومقاومة الأفكار الإلحادية والشيوعية في منتصف القرن العشرين، والنضال ضد حكم حزب البعث الاستبدادي، والانتفاضة الشعبانية، وكذلك المقاومة ضد القوات الأجنبية بعد سقوط صدام. إن مجموع هذه الأحداث يبيّن أن المقاومة هي جزء أساسي من الثقافة السياسية للشيعة في العراق.
وتابع هذا الخبير في شؤون غرب آسيا أن ثقافة المقاومة تحظى بتأييد تعاليم التشيع ولها خلفية عقائدية، وهي تمثّل تحدياً وتهديداً للاستبداديين المحليين والمحتلين الأجانب في العراق.
وکذلك أشار الدكتور زارعان إلى أنه إذا أردنا تتبع جذور المقاومة الحالية في العراق، سنجد أن جميعها إما منظمات تشكلت خلال مقاومة حزب البعث الاستبدادي منذ سبعينيات القرن الماضي، أو مجموعات مقاومة نشأت بعد سقوط صدام لمواجهة الاحتلال الأجنبي.
نوع العلاقة بين دولة العراق وجماعات المقاومة
واصل رئيس معهد "أندیشه سازان نور" للدراسات الإستراتيجية نقاشه متحدثًا عن علاقة الحكومة العراقية بجماعات المقاومة، مستعرضًا المراحل المختلفة التي مرت بها هذه الجماعات في حقبة ما بعد سقوط صدام. وقال الدکتور زارعان: إن بعض هذه الفترات كانت مليئةً بالتحديات بالنسبة لجماعات المقاومة، مثل تلك المرحلة التي تصاعدت فيها الاشتباكات الداخلية داخل "سرايا المهدي"، حيث تدخلت المرجعية الشيعية لإدارة تلك التوترات وحلها.
وأضاف هذا الخبير: في بعض الفترات، نشأت علاقة وثيقة بين الحكومة العراقية وجماعات المقاومة. فعلى سبيل المثال، خلال الفترة الممتدة من 2014 حتى 2018، كانت جماعات المقاومة هي القوة الفاعلة والمحركة للتطورات في العراق، ولعبت دورًا حيويًا في قمع فتنة داعش. ففي تلك المرحلة، وبعد صدور فتوى الجهاد الكفائي، وضعت الجماعات المقاومة كل طاقاتها تحت تصرف منظمة الحشد الشعبي لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، ويُعزى نجاح قمع داعش بشكل كبير لقدرات هذه الجماعات.
ووصف الدکتور زارعان العلاقة بين جماعات المقاومة والدولة العراقية بأنها علاقة مليئة بالتقلبات، حيث تتراوح بين التوتر والصراع من جهة، والتعاون والتفاعل من جهة أخرى.
وأوضح أن هناك عوامل مؤثرة أساسية في طبيعة هذه العلاقة، منها تغيّر الحكومات في العراق، حيث يتعامل كل حكم وفق رؤيته واستراتيجيته الخاصة مع جماعات المقاومة. كما أن التدخلات الخارجية كان لها دور كبير في تشكيل علاقة المقاومة بالدولة العراقية.
وقال الخبير الإقليمي: “بصفة عامة، ومن منطلق طبيعة الدولة، فإن أي حكومة تسعى إلى احتكار القوة العسكرية بيدها، ومن الطبيعي أن تكون كل الحكومات العراقية ساعيةً إلى ضبط وحصر القوة المسلحة تحت سيطرتها. ومع ذلك، يدرك العديد من السياسيين الشيعة في العراق أن وجود جماعات المقاومة هو ضمان لأمن المجتمع، واستمرار الدولة، وحفظ كيان ومصالح الشيعة”. وأضاف أن هناك مجموعات شيعية، رغم عدم امتلاكها لأذرع عسكرية أو ارتباط تنظيمي مع الجماعات المقاومة، إلا أنها تعترف بأن هذه الجماعات تشكّل ضمانة الأمن واستمرارية الدولة وحماية الكيان الشيعي في العراق. وهم يعترفون بأنه لولا توفر جاهزية جماعات المقاومة في عام 2014 وتوفير قدراتها للحشد الشعبي، لكان تنظيم داعش قد أجرى مذابح دامية في مناطق مختلفة من العراق. ويتذكر الجميع حينما كانت سامراء محاصرةً من قبل داعش، وكانت التنظيمات الإرهابية تحاول استغلال الفرص للقيام بأعمال عدائية ضد الشيعة في مناطق أخرى، ولولا قدرات جماعات المقاومة، لكان الشيعة قد تعرضوا لضررٍ بالغ.
وأشار الدكتور زارعان إلى أن السياسيين الذين يتصدرون المشهد الحكومي يسعون إلى احتكار القوة العسكرية، وهو ما يخلق تناقضاً واضحاً موجودًا في معظم الحكومات العراقية. فالعلاقة بين الدولة وجماعات المقاومة تتسم في آن واحد بجاذبية وتنافر؛ إذ حينما تحتاج الحكومة المركزية إلى هذه الجماعات، نشهد تقاربًا وتعاونًا بين الطرفين. على سبيل المثال، كانت فترة حكومة عادل عبد المهدي أكثر فترات التقارب بين الحكومة وجماعات المقاومة. وفي المقابل، شهدت بعض الحكومات العراقية فترات دفع وحصار لهذه الجماعات. ويعتمد هذا التذبذب في الدفع والجذب على ظروف الحكومة نفسها، بالإضافة إلى المعطيات الإقليمية والدولية، فالتدخلات الخارجية تؤثر بقوة على هذه الديناميكية. فكلما استقرت الحكومة في بغداد، تميل إلى دفع جماعات المقاومة، وكلما تعقد الوضع الأمني، تزداد الحاجة إلى جذب هذه الجماعات والتقارب معها.
وفيما يتعلق بالوضع الراهن للعلاقة بين جماعات المقاومة والحكومة المركزية في بغداد، قال الخبير الإقليمي: “الظروف الأمنية في العراق مستقرة حالياً، في حين تزايدت الضغوط الخارجية من قبل الولايات المتحدة، وتم تشكيل حكومة جديدة في العراق. هذا الواقع دفع إلى إعادة فتح النقاش حول موضوع جماعات المقاومة، وجعله في قلب الاهتمام والمتابعة.”
العلاقة بين أمريكا وجماعات المقاومة
في جزء آخر من مداخلته حول الظروف الداخلية للعراق، تناول الدكتور زارعان العلاقة بين جماعات المقاومة وأمريكا، موضحًا أن جماعات المقاومة تشكّلت أساسًا لمعارضة الاحتلال الأمريكي، ومن ثم فإن الأمريكيين يعانون بشكل جوهري من وجود هذه الجماعات. فواشنطن تصنّف جماعات المقاومة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، وتعلن مكافآت مالية مقابل تقديم رؤوس قادتها وزعمائها. وفي الحقيقة، الهدف الأمثل لأمريكا هو القضاء التام على هذه الجماعات.
وأشار الدكتور زارعان إلى أنه بعد 7 أكتوبر 2023، أطلق الكيان الصهيوني بدعم أمريكي مشروعًا يهدف إلى محو المقاومة في غرب آسيا، وذلك في سبيل تطبيع وضع الكيان الصهيوني في المنطقة. وهذا المشروع مرتبط مباشرةً بجماعات المقاومة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقويض مصداقيتها وشرعيتها، وصولاً إلى إلغاء مؤسسات المقاومة وكياناتها في العراق، وهو الهدف الأسمى لأمريكا في العراق والمنطقة. وتمارس واشنطن ضغوطًا على الحكومة العراقية لدفعها إلى تنفيذ مشروع إزالة المقاومة، كما يحدث في لبنان أيضًا.
وأوضح الدکتور زارعان أن ما يُطرح حاليًا في العراق ليس موضوع نزع سلاح أو حل جماعات المقاومة، بل إعادة تعريف علاقة هذه الجماعات بالمؤسسات الحكومية، وخصوصًا الحشد الشعبي. مع ذلك، فإن نزع السلاح يعدّ مشروعًا استراتيجيًا كليًا للولايات المتحدة في المنطقة. فواشنطن لا تسعى فقط إلى نزع سلاح جماعات المقاومة، بل تستهدف كذلك نزع سلاح الدول المقاومة، وجمهورية إيران الإسلامية كنموذج لدولة مقاومة تتعرض لهذا المشروع. كما أن القضايا المتعلقة بالبرنامجين الصاروخي والنووي الإيراني تُدرج ضمن إطار نزع سلاح دول المقاومة في المنطقة، ويتم دفعها عبر الضغوط الأمريكية.
استحالة حل جماعات المقاومة
وفيما يتعلق بتوقعاته لمستقبل جماعات المقاومة في العراق، أكّد الدكتور زارعان أن حل أو نزع سلاح هذه الجماعات غير ممكن في ظل النظام الاجتماعي العراقي. فضرورة تحقيق التوازن بين المجموعات العرقية، تجعل من المستحيل نزع سلاح المقاومة في العراق. فالأكراد وأهل السنة يمتلكون مجموعاتهم المسلحة، وجماعات المقاومة تحمي كيان الشيعة. إن موضوع الحفاظ على كيان الشيعة وثقافة المقاومة، هما عاملان رئيسيان يمنعان نزع سلاح جماعات المقاومة في العراق.
وأضاف هذا الخبير في شؤون غرب آسيا أن بعض جماعات المقاومة العراقية تتجه اليوم نحو المشاركة السياسية، مشيرًا إلى أن جماعات مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي(ع) وسرايا السلام قطعت علاقاتها مع الألوية العسكرية التابعة للحشد الشعبي. وقد صدر بيان من منزل العبادي ينصّ على أن قطع العلاقة بين جماعات المقاومة والألوية العسكرية في الحشد الشعبي يتم بناءً على مواقف المرجعية الدينية، والدستور، وقانون الحشد الشعبي، وأن على جميع التيارات السياسية في العراق قطع علاقاتها مع الحشد الشعبي.
متابعة المسار السياسي
وفي تحليله للدوافع والأهداف التي تقف وراء قرار بعض الجماعات بقطع علاقاتها مع الحشد الشعبي، شدّد رئيس معهد "أندیشه سازان نور" للدراسات الإستراتيجية على أن هذه المسألة تحظى بأهمية من عدة جوانب:
أولاً، لا يمكن للأمريكيين، بحجة ارتباط الحشد الشعبي بجماعات المقاومة، إدراج هذا التنظيم في قوائم الإرهاب، إذ إن الحشد الشعبي كقوة فاعلة يحتفظ بإمكاناته وقدرته على الصمود داخل العراق.
ثانيًا، الجماعات المقاومة مثل عصائب أهل الحق التي قطعت ارتباطها التنظيمي مع الألوية العسكرية في الحشد الشعبي، وسلّمت قيادة هذه الألوية للحشد، تفتح لنفسها آفاقًا للمشاركة في الحكومة. وهذه فرصة ثمينة لجماعات المقاومة للدخول إلى الساحة السياسية. فحاليًا تمتلك عصائب أهل الحق 28 مقعدًا في البرلمان العراقي، وهي الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد مقارنةً بجميع الأحزاب المستقلة (وليس التحالفات)، وستلعب دورًا بارزًا في الحكومة العراقية. كما أن نائب رئيس البرلمان الحالي ينتمي إلى عصائب أهل الحق. وهذا يؤكد أن الدولة ليست مجرد مجال عسكري فقط، وإذا تمكنت تيارات المقاومة من المضي قدمًا في استراتيجياتها الكبرى ضمن المجال السياسي، فسيكون ذلك فرصة مناسبة لتعزيز المقاومة.
ثالثًا، مع قطع بعض جماعات المقاومة علاقاتها مع الألوية العسكرية، تخفّ الضغوط على الحكومة العراقية، ما يسرّع في استكمال تشكيل الحكومة. فحتى الآن تم تعيين 14 وزيرًا من أصل 23 حقيبة وزارية، ومع دخول جماعات المقاومة إلى العملية السياسية، يمكن تسريع وتيرة استكمال الحكومة، مما يمكّن العراق من تجاوز الوضع الراهن بسرعة أكبر.
رابعًا، ينبغي الانتباه إلى أن جماعات مقاومة أخرى مثل كتائب حزب الله، التي تمتلك مقاعد في البرلمان، أعلنت أنها إذا كان شرط المشاركة في الحكومة هو قطع العلاقة مع الألوية العسكرية، فلن تسعى للحصول على مقاعد وزارية. وبالفعل، فإن جماعات المقاومة الأخرى ذات الكفاءة العالية، مثل كتائب حزب الله، ستستمر في الحفاظ على وضعها المقاوم من خلال الاحتفاظ بسلاحها وتنظيمها العسكري.
المسار السياسي مكمّل للمقاومة
في ختام حديثه، أكد الدكتور زارعان على متابعة بعض جماعات المقاومة للمسار السياسي، مشيرًا إلى أن جماعات مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي(ع) التي تخوض هذا المسار، ما زالت ضمن دائرة المقاومة، وأن اتهامها بقطع العلاقة مع المقاومة هو اتهام غير صحيح. هذه الجماعات تواصل مقاومتها عبر الفضاء السياسي، فبالإضافة إلى حفاظها على هويتها المقاومة، تحتفظ أيضًا بقدرتها على التعبئة والتجنيد، وستستخدم هذه القدرة في دفع مشروع المقاومة قدمًا ضمن الساحة السياسية.
وأكّد هذا الخبير في شؤون غرب آسيا أن المقاومة في العراق ستستمر في مواجهة الاحتلال ومناهضة الكيان الصهيوني. فالمقاومة ستظل تحمي أمن العراق وسلامته الوطنية وشعبه. وكانت هذه الجماعات المقاومة هي التي أجهضت فتنة داعش، وساعدت إخوانها من أهل السنة في نينوى والإيزيديين أثناء فتنة داعش. كما ساهمت هذه الجماعات في تحسين الوضع الأمني في العراق، إذ شهدت البلاد تحسناً ملحوظًا في تصنيفها الأمني مقارنةً بالسنوات السابقة، وهذا التحسن يعود بلا شك إلى تضحيات جماعات المقاومة واستمرار استقرار الدولة العراقية.
