الوقت- في الوقت الذي تهيمن فيه أنباء الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن على الأجواء السياسية العالمية في الأيام الأخيرة، ويستقبل العديد من الدول احتمال إنهاء إحدى أعقد الأزمات التي شهدها العقدان الأخيران بترحيب، تبرز دولة الاحتلال الصهيوني مرةً أخرى في موقع مختلف عن التيار العالمي السائد. وبالتالي، كلما ازداد احتمال التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن، ارتفع مستوى القلق والاضطراب لدى مسؤولي هذا الکيان.
رسالة دونالد ترامب بشأن التوصل إلى الاتفاق مع إيران وتوقيعه في الأيام المقبلة فاجأت بشكل خاص بنيامين نتنياهو، إذ بدا أن تفاصيل هذا الاتفاق لم تطلع تل أبيب عليها قبل الإعلان العام.
وأصدر مكتب رئيس وزراء "إسرائيل" بيانًا جاء فيه: «تحدث نتنياهو هاتفياً مع ترامب، معبّراً عن تفهمه لرغبة واشنطن في التوصل إلى اتفاق مع طهران، لكنه شدّد على أن إسرائيل لا ينبغي أن تكون ضحيةً لأي تفاهم محتمل مع إيران». وورد في البيان: «رغم أننا لسنا طرفًا في مذكرة التفاهم هذه، إلا أن نتنياهو أعرب عن تقديره لالتزام الرئيس ترامب بإدراج انسحاب المواد المخصبة، وتدمير البنى التحتية للتخصيب، وتقييد إنتاج الصواريخ، ووقف دعم إيران لقواتها الوكيلة في المنطقة».
في ظل تسرب روايات مختلفة حول تفاصيل الاتفاق في الأيام الماضية إلى وسائل الإعلام، يبدو أن هناك في تل أبيب قلقًا من أن الاتفاق المحتمل قد لا يراعي بالكامل مصالح وطلبات هذا الکيان، لا سيما في قضايا الصواريخ والمنطقة، وأن ترامب قد يسعى للخروج من مستنقع الحرب دون تحقيق كل ما تطمح إليه "إسرائيل".
ولهذا السبب، يخشى المسؤولون الإسرائيليون من تراجع دورهم ونفوذهم في تحديد جدول الأعمال الأمني لهذه القضية، ومن أن تُهمل مطالبهم واهتماماتهم في أولويات صنع القرار الأمريكي كما كان الحال سابقًا.
ولا يقتصر القلق الرئيسي لتل أبيب على نص الاتفاق فقط، بل يمتد إلى التداعيات التي ستنشأ في المنطقة بعد توقيعه. فقد نقل تقرير إذاعة NPR الأمريكية، استنادًا إلى مصادر إسرائيلية، أن تحرير الأصول الإيرانية المجمدة يعدّ من الأسباب الرئيسية لمعارضة تل أبيب للاتفاق، لأن "إسرائيل" تعتقد أن هذه الخطوة قد تسهم في إعادة بناء القوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي لإيران.
كما نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين في هذا الکيان قولهم: «اتفاق يمنح إيران فرصةً لاستعادة قوتها الاقتصادية والعسكرية، لا يخدم مصالح إسرائيل».
من ناحية أخرى، يخشى العديد من المسؤولين الصهاينة أن يؤدي انتهاء فترة الضغط والتهديد، إلى تهيئة الظروف لظهور إيران أقوى وأكثر حريةً في تحركاتها ضمن معادلات المنطقة.
وفي تحليل نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم"، جاء أن الاتفاق الجاري يشكّل تحولًا لـ "إسرائيل" من موقع «فرض المطالب» إلى موقع «الحصول على ضمانات من أمريكا». وأكدت الصحيفة العبرية على عدم وضوح الوسائل التي تمتلكها "إسرائيل" لتغيير قرار ترامب، مشيرةً إلى أن واشنطن تسعى قبل كل شيء إلى إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز.
وكتبت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن جزءًا من النخبة الإسرائيلية يشعر أن النتيجة النهائية على طاولة المفاوضات، ستكون أقل من الأهداف الأولية للحرب ضد إيران.
ضمان اتخاذ خطوة مستقلة
هذه المخاوف دفعت المسؤولين في تل أبيب واحدًا تلو الآخر إلى اتخاذ مواقف حادة تجاه الاتفاق المحتمل.
فقد أشار يسرائيل كاتس، وزير الحرب في الكيان الصهيوني، إلى نهج إدارة ترامب معبراً عن استيائه من سعيه للتوصل إلى اتفاق مع إيران والخروج من مستنقع الحرب، قائلاً: «يجب أن يحدّ أي اتفاق من قدرات إيران الصاروخية، وأن يتضمن ضمانات صارمة في المجال النووي.»
وبلهجة تعكس الشكوك حول نتائج المفاوضات، اتخذ كاتس موقفًا حادًا قائلاً: «يجب على إسرائيل أن تحصل على ضمان يحفظ لها القدرة على اتخاذ إجراء مستقل في المستقبل لمنع إيران من التسلح نوويًا.» ويُعتبر هذا الموقف في الأوساط السياسية للكيان تأكيدًا على الحفاظ على الخيار العسكري، حتى في حال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، لا يختلف موقف قادة المعارضة كثيرًا، حيث يرى أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أن الاتفاق المحتمل يعدّ انتصارًا كبيرًا لطهران وهزيمة لـ "إسرائيل".
وقد وصفت مجموعة من المسؤولين الصهاينة، الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، الاتفاق المحتمل بأنه «كارثة» في حديثهم مع صحيفة يديعوت أحرونوت، بل وزعم بعضهم أن إدارة أمريكا قد تجاهلت الأهداف التي أعلنتها تل أبيب وخدعتها.
تُظهر هذه المواقف أن المعارضة للاتفاق لا تقتصر على حكومة نتنياهو وحدها، بل إن جزءًا كبيرًا من التيارات السياسية يخشى من تغير مسار التطورات الإقليمية، ويشعر بأن الأوضاع تتجه نحو اتجاهٍ يعاكس حسابات تل أبيب خلال السنوات الماضية.
وأعلنت شبكة كان الإسرائيلية أن نتنياهو والجهات الأمنية في تل أبيب يعتقدون أن «الإيرانيين يتجنبون إعطاء الوقت، وأن طهران بعد 60 يومًا من المفاوضات ستعلن عدم رغبتها في تقديم تنازلات.»
القلق من إدراج لبنان في الاتفاق
أصبحت قضية لبنان واحدةً من أبرز هموم تل أبيب في ظل قرب التوصل إلى اتفاق محتمل. ووفقًا لمسؤولين في واشنطن، فإن وقف إطلاق النار والاتفاق مع إيران يشملان أيضًا جبهة لبنان، وهو ما لا يتوافق مع حسابات حكومة نتنياهو.
يرى قادة تل أبيب أن الحفاظ على حرية الحركة العسكرية في لبنان، يُعد إحدی الركائز الأساسية لاستراتيجية الردع التي يتبعها هذا الکيان في مواجهة حزب الله، ولا ينبغي أن تُقيّد بأي اتفاق سياسي.
ونقلت شبكة “كان” عن نتنياهو قوله في حديثه مع ترامب: «إسرائيل ستحافظ على حرية عملها في مواجهة التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان».
هذا في وقتٍ تُصر فيه طهران على أن الاستقرار الإقليمي غير ممكن دون وقف الحرب في لبنان، وأن أي اتفاق شامل يجب أن يشمل هذه القضية أيضًا، مما حوّل لبنان من شأن ثانوي إلى نقطة خلاف رئيسية. تخشى تل أبيب أن يقيّد الاتفاق المحتمل يدها في مواصلة العمليات العسكرية في لبنان، ويفرض ظروفًا جديدةً على حدودها الشمالية.
وقد بلغت معارضة المسؤولين الإسرائيليين للاتفاق المحتمل بين إيران وأمريكا، حدًا دفع شبكة “أكسيوس” إلى نقل تقارير عن مخاوف واشنطن من احتمال قيام نتنياهو بدور تخريبي في المراحل النهائية لإفشال الاتفاق.
بالمجمل، تعكس ردود الفعل الحادة تجاه الاتفاق المحتمل بين إيران وأمريكا، أن تل أبيب لا ترى في هذه التطورات مجرد اتفاق دبلوماسي، بل تعتبره حدثًا قادرًا على إحداث تغييرات جوهرية في موازين القوى السياسية والأمنية في المنطقة، حيث ستجد إيران ومحور المقاومة أنفسهم في موقع أقوى، في حين تواجه "إسرائيل" تحديات جديدة ومحدودة في موقعها التقليدي.
