الوقت- في تصريحات أثارت موجة واسعة من الجدل والقلق الإقليمي، جدّد رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهده بإعادة الأمن إلى المستوطنات الشمالية المحاذية للحدود اللبنانية، في تصريحات فُهمت على نطاق واسع بأنها تلميح إلى إمكانية تكرار النهج العسكري الذي اتبعه الكيان الإسرائيلي في قطاع غزة داخل الأراضي اللبنانية، في حال استمرت المواجهة مع حزب الله.
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال اجتماع حكومي عقد في مستوطنة نوف هجليل شمال فلسطين المحتلة، حيث أكد أن حكومته ستعمل على إعادة الأمن إلى المستوطنات الشمالية "كما فعلت في الجنوب"، في إشارة مباشرة إلى العمليات العسكرية الواسعة التي نفذها الكيان الإسرائيلي في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
رسائل سياسية وعسكرية
تحمل تصريحات نتنياهو عدة رسائل سياسية وعسكرية في توقيت بالغ الحساسية. فمن جهة، يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى طمأنة عشرات الآلاف من المستوطنين الذين نزحوا من المناطق الشمالية بسبب التوترات الأمنية المستمرة مع حزب الله اللبناني، ومن جهة أخرى يبعث برسالة ردع إلى الحزب مفادها أن تل أبيب قد تلجأ إلى خيارات عسكرية أكثر حدة إذا استمرت الهجمات عبر الحدود.
ويواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب استمرار حالة عدم الاستقرار في الشمال، حيث لم تنجح العمليات العسكرية الإسرائيلية حتى الآن في إنهاء التهديدات الأمنية أو ضمان عودة جميع المستوطنين إلى منازلهم بشكل دائم.
وخلال الأشهر الماضية، تكررت مطالبات سياسية وشعبية داخل إسرائيل بضرورة إيجاد حل جذري للوضع الأمني على الحدود اللبنانية، سواء عبر اتفاق سياسي أو من خلال عملية عسكرية واسعة تستهدف البنية العسكرية لحزب الله.
تحدي المسيّرات يربك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية
واعترف نتنياهو خلال الاجتماع بأن الطائرات المسيّرة التي يستخدمها حزب الله لا تزال تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الجيش الإسرائيلي، مؤكداً أن الحكومة تعمل على إيجاد حلول تقنية وعسكرية للتعامل معها.
ويأتي هذا الاعتراف في ظل تصاعد استخدام الحزب للمسيّرات خلال الأشهر الأخيرة، حيث تمكنت بعض الطائرات من اختراق منظومات الرصد والدفاع الجوي الإسرائيلية والوصول إلى أهداف حساسة داخل الأراضي المحتلة.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن التطور الأبرز يتمثل في استخدام مسيّرات تعتمد على تقنية الألياف الضوئية، وهي تقنية تقلل بشكل كبير من فرص التشويش الإلكتروني عليها، إذ يتم نقل الأوامر والبيانات عبر خيط ألياف ضوئية دقيق يمتد بين الطائرة ومشغلها بدلاً من الاعتماد على موجات الراديو التقليدية.
كما أن هذه المسيّرات لا تعتمد على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية مثل "جي بي إس"، الأمر الذي يجعل من الصعب تعقبها أو تعطيلها بواسطة الوسائل الإلكترونية المعروفة، وهو ما يفسر القلق المتزايد الذي أبدته القيادة الإسرائيلية تجاه هذا النوع من الأسلحة.
الجبهة الشمالية.. حرب استنزاف مستمرة
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت الحدود اللبنانية الفلسطينية إلى واحدة من أكثر الجبهات سخونة في المنطقة.
فقد دخل حزب الله على خط المواجهة دعماً للفصائل الفلسطينية في غزة، وبدأ بتنفيذ هجمات متكررة ضد مواقع عسكرية إسرائيلية ومستوطنات حدودية، بينما رد الكيان الإسرائيلي بغارات جوية وقصف مدفعي استهدف مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع وأحياناً الضاحية الجنوبية لبيروت.
وأدت هذه المواجهات إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، فضلاً عن نزوح عشرات الآلاف من السكان في المناطق الحدودية اللبنانية.
ورغم أن وتيرة المواجهات شهدت فترات من الانخفاض والارتفاع، فإنها لم تتوقف بشكل كامل، الأمر الذي أبقى احتمالات الانزلاق نحو حرب شاملة قائمة في أي لحظة.
اتفاقات التهدئة تحت الضغط
تأتي تصريحات نتنياهو في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية والإقليمية للحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار ومنع انهيارها.
وتقود الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية تحركات دبلوماسية مكثفة بهدف تجنب توسع نطاق الحرب في المنطقة، خصوصاً في ظل المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد كبير بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله إلى إشعال مواجهة إقليمية واسعة تشمل أطرافاً متعددة.
ورغم هذه الجهود، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار الضربات المتبادلة بشكل شبه يومي، ما يضع مستقبل التهدئة أمام اختبار حقيقي.
ويعتقد مراقبون أن أي حادث أمني كبير أو عملية نوعية مؤثرة قد تكون كافية لإشعال مواجهة واسعة يصعب احتواؤها دبلوماسياً.
مقارنة مثيرة للجدل مع غزة
أكثر ما أثار الانتباه في تصريحات نتنياهو هو مقارنته بين الوضع في الشمال وما جرى في قطاع غزة.
ففي الوقت الذي تعتبر فيه الحكومة الإسرائيلية أن عملياتها العسكرية في غزة حققت أهدافاً أمنية وعسكرية، تواجه تلك العمليات انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والعديد من الحكومات والمؤسسات الدولية التي تتهم إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
وقد أسفرت الحرب في غزة عن دمار واسع النطاق طال البنية التحتية والمناطق السكنية والمرافق الحيوية، كما خلفت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين، الأمر الذي جعل أي حديث عن استنساخ هذا النموذج في لبنان يثير مخاوف جدية من وقوع كارثة إنسانية جديدة في حال اندلاع حرب شاملة.
ويرى محللون أن التلويح بهذا السيناريو قد يكون جزءاً من استراتيجية الضغط النفسي والسياسي على حزب الله، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم التحديات التي تواجهها إسرائيل على الجبهة الشمالية.
الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان
تزامناً مع التصعيد الحالي، يستمر الجدل حول الوجود العسكري الإسرائيلي داخل أجزاء من الأراضي اللبنانية.
فالكيان الإسرائيلي لا يزال يحتفظ بمواقع ونقاط عسكرية في مناطق حدودية مختلفة، فيما شهدت الحرب الأخيرة توغلات عسكرية إضافية داخل الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
وتعتبر السلطات اللبنانية أن أي وجود عسكري إسرائيلي داخل أراضيها يشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية ولقرارات الشرعية الدولية، بينما تبرر إسرائيل إجراءاتها باعتبارات أمنية مرتبطة بمواجهة حزب الله.
وتبقى هذه القضية واحدة من أبرز نقاط الخلاف التي تعيق الوصول إلى تسوية دائمة ومستقرة على الحدود.
مستقبل المواجهة
في ظل استمرار الحرب في غزة والتوتر المتصاعد على الحدود اللبنانية، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
فبينما يواصل الكيان الإسرائيلي التلويح بخيارات أكثر تشدداً لإعادة الأمن إلى مستوطناته الشمالية، يتمسك حزب الله بخطابه القائم على مواصلة الضغط العسكري طالما استمرت العمليات في غزة.
ومع غياب أي مؤشرات حقيقية على تسوية قريبة، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، فيما تزداد المخاوف من أن يتحول التوتر الحالي إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود لبنان وفلسطين المحتلة.
وفي المحصلة، تعكس تصريحات نتنياهو حجم القلق الذي تعيشه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام التحديات المتزايدة في الشمال، كما تكشف أن ملف الحدود اللبنانية لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في المشهد الإقليمي، وسط تحذيرات متصاعدة من أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى حرب جديدة ستكون كلفتها باهظة على جميع الأطراف.
