الوقت- دخلت الحرب الصهيونية ضد حزب الله في لبنان مرحلة حرجة، حيث كثّف المحتلون الصهاينة هجماتهم في لبنان. في المقابل، تتعرض المناطق الشمالية من فلسطين المحتلة أيضاً لنيران كثيفة من حزب الله، وتشير تصريحات نشرها كبار المحللين والمسؤولين الإسرائيليين خلال الأسبوع الماضي إلى أن إسرائيل تواجه أزمة حقيقية على جبهتها الشمالية، لأن "ما يُسمى باتفاق وقف إطلاق النار" تحوّل عملياً إلى حرب استنزاف يومية ودامية.
يصف ناحوم برنيا، المحلل السياسي البارز وأحد أهم الصحفيين الاستراتيجيين في إسرائيل، هذا الواقع بأنه هزيمة متنامية لإسرائيل في مقال تحليلي نُشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت". يقول بارنيا عن تآكل الردع: "مهما بلغت شراسة الجيش، ومهما علا هديره، ستكون الهزيمة كارثية... فبدون خطة بديلة، نخوض حربًا لا نهاية لها على ثلاث، وربما أربع جبهات، نسيطر على أراضٍ ليست لنا، بجنود لا نملكهم، في حرب دموية، ضد أعداء لا نعرف كيف نردعهم".
يُظهر هذا الاعتراف عمق الأزمة الاستراتيجية، إذ لم تحقق الآلة العسكرية الصهيونية نصرًا حقيقيًا بعد.
معادلة حزب الله الجديدة
مع تصاعد الهجمات الصهيونية في جنوب لبنان، فرض حزب الله، من خلال الاستخدام المكثف لطائراته المسيّرة الهجومية، معادلة ردع نوعية غيّرت تكتيكات المعركة تغييرًا جذريًا.
مع تصاعد الهجمات الصهيونية في جنوب لبنان، فرض حزب الله، عبر الاستخدام المكثف لطائراته المسيّرة الهجومية، معادلة ردع نوعية غيّرت تكتيكات المعركة تغييرًا جذريًا. في تقريرٍ لإليشا بن كيمون، المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، يشرح كيف تحوّل تهديد طائرات حزب الله المسيّرة من مجرد إزعاج تكتيكي إلى تهديد وجودي يُعطّل تحركات القوات في عمق جنوب لبنان وعلى طول الحدود: "إذا كانت قوات حزب الله القتالية تنظر سابقًا إلى تهديد الطائرات المسيّرة على أنه تهديد تكتيكي، فإن تسلسل هذه الهجمات يعني أن هجمات حزب الله المسيّرة أصبحت تهديدًا استراتيجيًا... حزب الله يُحسّن يومًا بعد يوم من استخدامه للطائرات المسيّرة المتفجرة ومن اشتباكه الشرس مع القوات العسكرية". في هذا السياق، نشر يارون أبراهام، المحلل السياسي في القناة 12 الإسرائيلية، اعترافًا صريحًا من مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى شارك في مشاورات أمنية محدودة. وصف المسؤول عجزه أمام هذه الهجمات بالقول: "نحن الآن عاجزون أمام واقعٍ مميت، مثل لعبة الروليت الحقيقية... الحقيقة هي أن أيدينا مكبّلة، ويجب أن يتغير هذا الوضع الآن".
خلافات بين القادة السياسيين والعسكريين في تل أبيب
من جهة أخرى، أشارت قناة الجزيرة إلى خلافات داخلية في صفوف الجيش الإسرائيلي والسلطات السياسية، مؤكدةً وجود تباينات عميقة بين الرتبتين العسكرية والسياسية. يشعر الجيش بأنه مقيد اليدين ويرغب في توسيع نطاق العملية في لبنان وقصف بيروت لاستعادة الردع، بينما يتردد نتنياهو خشية عواقب القصف، لا سيما بعد إلغائه مؤخرًا قصف جنوب بيروت.
يكتب يواف ليمور، المحلل العسكري في صحيفة "إسرائيل اليوم"، عن غياب التنسيق بين القيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب بشأن معركة لبنان: "يُعلن الجيش الإسرائيلي منذ أسابيع أن الوضع في لبنان لا يُطاق ومستحيل... وأنه لا سبيل ولن يكون هناك سبيل للقتال مكتوف الأيدي: إما أن نقاتل أو لا نقاتل. ما يفعله الجيش الإسرائيلي الآن هو في جوهره تقاعس، لأنه ينتظر الضوء الأخضر من واشنطن لنتنياهو".
وتفيد التقارير بأن هذه الخلافات امتدت إلى اجتماعات مجلس الوزراء الداخلية. بحسب يارون أفراهام على القناة 12، دعا رئيس الأركان إيال زامير صراحةً إلى وقف العمليات العسكرية المحدودة، ويسعى إلى شنّ عملية عسكرية واسعة النطاق في لبنان. إلا أن نتنياهو عرقل حتى الآن أي عملية عسكرية واسعة النطاق في لبنان خشيةً من العواقب، إذ طلب ترامب من نتنياهو إلغاء قصف جنوب بيروت. تشعر واشنطن بالقلق إزاء قصف بيروت، وتخشى أن تدفع عملية عسكرية واسعة النطاق في بيروت إيران إلى الرد وإنهاء وقف إطلاق النار معها، تمامًا كما هددت إيران بأنه في حال تصاعد التوترات في لبنان، سيفقد وقف إطلاق النار معناه. لذلك، لم يحصل نتنياهو على إذن من ترامب لتنفيذ عملية قصف واسعة النطاق في بيروت، ومن جهة أخرى، يضغط الجيش الإسرائيلي على نتنياهو لإصدار أوامر بقصف واسع النطاق لجنوب بيروت.
لماذا يصر الجيش الإسرائيلي على عملية واسعة النطاق؟
يعود إصرار الجيش الإسرائيلي على تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في بيروت إلى ضغوط من المستوطنين في شمال إسرائيل لتوسيع نطاق الحرب في لبنان وتأمين المستوطنات الشمالية. أشار الكاتب العسكري آفي أشكنازي، في مقالٍ نُشر في صحيفة معاريف بتاريخ 25 مايو/أيار، إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يُقيّد حاليًا صلاحيات الفريق إيال زامير، رئيس الأركان، ويمنعه من التحرّك بقوة وفقًا لخطط الجيش الإسرائيلي في لبنان. إلا أن الواقع يُشير إلى أن جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان أصبحوا أهدافًا سهلة، وأن سكان المستوطنات الواقعة على خطوط المواجهة يُستهدفون أيضًا، مما يدفع هؤلاء القادة العسكريين إلى الإصرار على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق في لبنان. كما أفادت صحيفة هآرتس بأن الضغط الشعبي الداخلي في شمال إسرائيل، إلى جانب تزايد الخسائر في صفوف الجنود والمستوطنين، يُواجه القيادة السياسية الإسرائيلية بخيارين مُرّين: إما قبول معادلة الاستنزاف التي يفرضها حزب الله، أو المُضيّ قُدمًا بشن حرب شاملة لزعزعة استقرار الأراضي اللبنانية بأكملها.
مع ذلك، لا يزال تصعيد الحرب الإسرائيلية في لبنان يُنذر بفشل استراتيجي لتل أبيب، إذ لا يملك المحتلون حلولاً فعّالة لمواجهة طائرات المقاومة اللبنانية المسيّرة، ما قد يُحوّل أيّ مغامرة واسعة النطاق إلى هزيمة أعمق وأشمل.
من جهة أخرى، لم يجد الصهاينة بعدُ حلاً لمواجهة طائرات حزب الله المسيّرة، ومن المرجّح أن تتضاعف خسائر الجنود الصهاينة في هجمات حزب الله المسيّرة مع توسّع العمليات في لبنان.
في الوضع الراهن، يجد الجيش الصهيوني نفسه غارقاً في مستنقع الحرب، وكلما طال بقاؤه فيه، ازدادت صعوبة الخروج منه وتكبّد تكاليف باهظة.
