الوقت - بينما تركزت جميع الأنظار على منطقة الخليج الفارسي، قلب التوتر وجوهر الصراع بين إيران والتحالف الأمريكي-الصهيوني، إلا أن لهذه الحرب أصداء عميقة تتجاوز حدود الأطراف المتحاربة؛ أصداء جوهرية وهيكلية قادرة على إحداث تغييرات جذرية في الأنظمة الإقليمية على المدى المتوسط.
إحدى المناطق التي تضررت بشكل مباشر وغير مباشر من حرب إيران، إضافةً إلى إغلاق مضيق هرمز، هي دول منطقة أوراسيا وآسيا الوسطى؛ منطقة تبعد عن ساحة الاشتباك المباشر، لكنها بسبب الروابط الجيوسياسية والاقتصادية والنقلية مع إيران، تقع بطبيعة الحال في مرمى تداعيات هذه التوترات.
على العكس من العلاقات المتقلبة بين إيران وجيرانها في جنوب الخليج الفارسي، أقامت الجمهورية الإسلامية منذ السنوات الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال دول آسيا الوسطى علاقات مستقرة نسبيًا، ودية، بل وفعّالة أحيانًا مع هذه الدول.
لعبت إيران في تسعينيات القرن الماضي دورًا مهمًا في إنهاء الحرب الأهلية وإعادة الاستقرار إلى طاجيكستان، وساهمت بشكل ملحوظ من خلال الوساطة والتعاون الدبلوماسي في تثبيت الأوضاع هناك. كما تمكنت طهران عبر دبلوماسية نشطة من المساهمة في تحديد الوضع القانوني لبحر قزوين، مساعدةً في صياغة إطار للتفاعل مع الدول المطلة على هذا البحر، مما أتاح مجالات أوسع للتعاون المثمر.
من جانب آخر، مثّل انخراط كازاخستان في ملف النووي الإيراني خلال مفاوضات الاتفاق النووي واستضافتها لمراحل متعددة من هذه المفاوضات، دلالةً واضحةً على الإرادة متعددة الأبعاد لتوسيع التعاون المستقبلي وبناء نوع من الثقة المتبادلة على الصعيد الإقليمي.
مع ذلك، أدى اندلاع الحرب في إيران لدى كثير من المراقبين إلى تصور أن العلاقات الودية والمتنامية بين إيران ودول آسيا الوسطى، قد تتغير بسرعة وسط ظل الحرب وعدم الاستقرار داخل إيران، وأن الفضاء الذي كان مبنيًا على الثقة والتعاون قد يتحول إلى أجواء من عدم اليقين تجاه المستقبل.
وكان هذا القلق يتجذر خاصةً لأن إيران في السنوات الماضية كانت تُعتبر مسارًا ترانزيتًا مهمًا وشريكًا سياسيًا موثوقًا نسبيًا لهذه الدول، وأي زعزعة للاستقرار فيها كان من الممكن أن تخلّف تداعيات أوسع على معادلات المنطقة.
وقد بدأت مشكلات دول آسيا الوسطى في الظهور منذ الساعات الأولى لانطلاق الحرب. فقد سعت هذه الدول بسرعة، حفاظًا على أمن مواطنيها، إلى تنفيذ خطط لإجلائهم بأمان من المناطق المتأثرة، لكن غياب التوقع الدقيق لمسار الحرب وأبعادها وضع هذه العمليات أمام تحديات عديدة وأثار قلقًا بين مواطنيها.
فعلى سبيل المثال، اضطرت كازاخستان في الأسابيع الأولى إلى تنظيم خروج مواطنيها ليس من الحدود الشرقية لإيران، بل من الحدود الغربية، متجهةً إلى جمهورية أذربيجان عبر معبر أستارا؛ وهو إجراء يعكس غياب خطة مسبقة وصعوبات لوجستية ناجمة عن ظروف الحرب. ومع أن جزءًا كبيرًا من عمليات الإجلاء قد تم بنجاح في النهاية، إلا أنه تدريجيًّا تكشفت الحقيقة أن تأثيرات هذه الحرب على دول المنطقة أعمق بكثير مما كان يُعتقد في الأيام الأولى.
موجة التضخم الحربي في آسيا الوسطى
كان التأثير الأبرز للحرب، كما في العديد من مناطق العالم الأخرى، هو ارتفاع معدلات التضخم، وقد ظهرت هذه الموجة التضخمية في دول آسيا الوسطى أسرع وأقوى مما كان متوقعًا. وكانت تركمانستان أولى الدول التي شهدت بوادر هذا الغلاء.
تعتمد تركمانستان إلى حد كبير في تأمين بعض السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والبقالة، خاصةً في مدنها الغربية، على الواردات من إيران. ومنذ اندلاع الحرب، شهدت أسعار سلع مثل الدجاج وزيت الطهي والبطاطس ارتفاعًا يقارب الضعف. وكانت هذه السلع تُنقل إلى تركمانستان عبر معبر "سرخس" للترانزيت، الذي توقف عمليًا عن العمل مع بداية الحرب، مما فرض ضغطًا كبيرًا على السوق المحلية في البلاد.
زاد الأمر تعقيدًا حين قررت إيران في الثالث من مارس حظر تصدير المواد الغذائية في ظل ظروف الحرب، مما زاد من اضطراب الأوضاع. أما طاجيكستان، التي شهدت خلال السنوات الخمس الماضية تضاعفًا في حجم تعاملاتها التجارية مع إيران ووصلت قيمة هذه المبادلات في عام 2025 إلى رقم قياسي بلغ 484 مليون دولار، فقد واجهت بسرعة نقصًا في بعض السلع وارتفاعًا في الأسعار. وتشكّل منتجات الألبان والسكر والتوابل والفواكه والخضروات الجزء الأكبر من صادرات إيران إلى طاجيكستان، وهذه السلع شهدت ارتفاعات ملحوظة في الأسعار نتيجة إغلاق الطرق الجوية والبرية واضطرابات النقل.
ولم تسلم أوزبكستان من هذه التداعيات، حيث شهدت ارتفاعًا في أسعار الحليب ومنتجات الألبان، إذ تورد إيران نحو عشرة في المئة من واردات الحليب الأوزبكية. وقبل الحرب، كانت نحو خمسة عشر شاحنة يوميًا تحمل هذه المنتجات من إيران إلى أوزبكستان، لكن مع اندلاع النزاع توقف هذا التدفق عمليًا.
كما واجهت صادرات دول المنطقة إلى إيران تحديات جمة. ففي عام 2025، أبرمت إيران اتفاقية تجارة حرة مع منظمة الدول الاقتصادية الأوراسية، مما أتاح زيادة صادرات الحبوب من كازاخستان إلى إيران، لا سيما عبر ميناء "أمير آباد"، وكانت المؤشرات توحي بأن البلدين قد يقتربان من تحقيق تبادلات سنوية بقيمة ثلاثة مليارات دولار.
لكن اندلاع الحرب قد ألقى بظلال من الشك على هذا المسار. إذ تشكّل صادرات الحبوب نحو 90% من إجمالي صادرات كازاخستان إلى إيران، وأي اضطراب في طرق النقل أو الأوضاع الأمنية الإقليمية قد يؤثر بسرعة على هذا التدفق التجاري. وفي سياق ذلك، اضطرت سفينة الحبوب «بياتريكس» التي كانت تحمل عدة أطنان من الحبوب متجهة إلى إيران، إلى التوقف القسري في منتصف الطريق، وهو حادث يعكس تزايد حالة عدم اليقين في مسارات التجارة والنقل البحري نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية.
أما في مجال الطاقة، فلا تزال منطقة آسيا الوسطى تعيش وضعًا غير مستقر. فمع تجاوز سعر النفط حاجز المئة دولار في منتصف فترة الحرب، وبالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، واجهت دول مستوردة للطاقة في المنطقة ضغوطًا اقتصاديةً كبيرةً. وقد تأثرت دول مثل طاجيكستان وأوزبكستان، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، أكثر من غيرها، حيث انعكس ارتفاع تكاليف النقل والوقود بشكل واضح على الاقتصاد اليومي.
وعلى الرغم من أن كازاخستان تُعد من كبار مصدري الطاقة وقد تستفيد على المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط، إلا أن التحديات المستقبلية تشمل زيادة تكاليف النقل، وتعطيل مسارات التصدير، وتنامي المخاطر الأمنية في سوق الطاقة.
إضافةً إلى ذلك، شهد سعر اليوريا ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة الاضطرابات في مسارات الطاقة والتجارة العالمية. فهذه المادة، التي تلعب دورًا حيويًا في إنتاج الأسمدة الكيميائية، ارتفعت أسعارها بنحو 46% بين فبراير ومارس، مما وضع ضغوطًا كبيرةً على المزارعين في دول مثل کازاخستان، ومن المرجح أن تنعكس هذه الزيادة قريبًا على أسعار المنتجات الزراعية والمواد الغذائية الأخرى.
موازنة القوة والدور الجيوسياسي المتحول في المنطقة
لقد واجهت منطقة أوراسيا منذ زمن بعيد تحديًا أمنيًا جوهريًا؛ تحدٍ ينبع من اللعبة الحساسة والدقيقة التي تخوضها هذه الدول بين القوى الإقليمية الكبرى، كروسيا والصين، اللتين تملكان نفوذًا تاريخيًا وثقافيًا واسعًا في هذه الجغرافيا، وبين المحور الأمريكي-الغربي. فهذه الدول مضطرة لأن تسير في هذا المضمار بحذر بالغ، محافظةً على توازن دقيق بين مصالحها، ومتجنبةً بأي شكل أن تُعتبر تهديدًا أمنيًا لأي من هذه القوى المتنافسة. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى تغييرات في هذا التوازن التقليدي.
في السادس من نوفمبر 2025، اجتمع دونالد ترامب في مكتبه بالبيت الأبيض مع رؤساء جمهوريات خمس دول من آسيا الوسطى؛ لقاء فسّره المحللون السياسيون على أنه تعبير عن سعي جاد من الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها الأمني في المنطقة، والاستثمار في الموارد والمعادن النادرة، ووضع استراتيجية لتجاوز نفوذ الصين. وفي الوقت نفسه، انضمت كازاخستان إلى "معاهدة أبراهام" وأعلنت لاحقًا مشاركتها في وفد السلام الذي اقترحه ترامب بشأن قضية غزة، ما أرسل إشارات مهمة عن تحول تدريجي وهادئ لهذه الدول نحو المحور الغربي-الأمريكي.
ومع اندلاع الصراعات واستشهاد قائد إيران خلال هذه الحرب، حاولت معظم هذه الدول اعتماد مواقف حذرة في بياناتها الرسمية. فقد تجنبت ذكر الولايات المتحدة و"إسرائيل" صراحةً، مفضّلةً التركيز على ضرورة حفظ السلام والاستقرار والأمن الإقليمي. غير أن العلاقات بين إيران وهذه الجيران الشرقيين تبدو مقبلةً على تحديات جدية وغير مسبوقة.
في مارس 2026، علّقت كازاخستان رسميًا عدة مشاريع مشتركة كبيرة مع إيران؛ خطوة تعكس حالة الانتظار التي تعيشها هذه الدول لترقب كيفية انتهاء هذا الصراع وإلى أي جانب سيميل ميزان القوى.
كما أن الانفجارات الغامضة التي وقعت في الأيام الأولى من الحرب في منطقة نخجوان، رغم أن إيران لم تعترف بمسؤوليتها عنها، أثّرت بشكل كبير في الحسابات الأمنية وقرارات هذه الدول. وفي هذا السياق، وصف قاسم جومارت توكاييف، رئيس كازاخستان، إيران بأنها تهديد خطير للنظام الإقليمي. وهذه الظروف توفّر فرصةً مثاليةً للولايات المتحدة و"إسرائيل" لترسيخ نظام جديد في أوراسيا، يقوم على استبعاد دور ومكانة إيران، واستبدال النموذج الثقافي الإيراني-الإسلامي بإطار يرتكز على نظام "تركي-غربي".
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الانفجارات التي حدثت في نخجوان بأذربيجان خلال الحرب ذات دلالة كبيرة. فالجمهورية الأذربيجانية، كأحد الحلفاء والشركاء المقربين لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة في المنطقة، تمتلك نفوذًا ثقافيًا وسياسيًا معتبرًا بين دول آسيا الوسطى. وهي، بصفتها لاعبًا رئيسيًا في المحور التركي-الغربي، تسعى إلى تقليص الدور والنفوذ التاريخي لإيران في المنطقة، وتمهيد الطريق لترسيخ نظام جديد يتماشى مع مصالح الغرب. كل هذه العوامل تشير إلى أن الجغرافيا السياسية لأوراسيا تقف على أعتاب تحوّل جذري، ستكون تداعياته أبعد من النتائج العسكرية للحرب الحالية.
الحرب وإعادة تشكيل طرق التجارة في آسيا الوسطى
لطالما كانت إيران تُعتبر لسنوات طويلة ممرًا آمنًا يتيح لدول آسيا الوسطى الوصول إلى المياه الحرة. ومع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا وفرض العقوبات الواسعة على موسكو، ازداد الشعور بالحاجة إلى مسار جنوبي أكثر من أي وقت مضى.
لذلك، في يناير 2025، خلال زيارة الرئيس الإيراني السيد مسعود بزشکیان إلى "دوشنبه"، تم التركيز بشكل كبير على تطوير البنى التحتية للطاقة والنقل بين إيران وطاجيكستان. كما أن صعود شوكت ميرضيايف إلى السلطة في طشقند دفع أوزبكستان إلى تقليل اعتمادها على المسارات الشمالية التي تمر عبر الأراضي الروسية، والتفكير في الاستثمار في المسار الجنوبي، أي إيران.
وكان هذا الوضع إلى حد ما سائدًا في بقية دول أوراسيا أيضًا، حيث بدأت تتشكل وتتطور تعاونات ثنائية ومتعددة الأطراف بين هذه الدول وإيران، حتى أن العديد من التحليلات أطلقت على هذا المسار الجنوبي تسمية "الممر الإيراني". علاوةً على ذلك، كان هذا الطريق قادرًا على أن يصبح جزءًا مهمًا من مشروع الممر الشمالي-الجنوبي (INSTC)، وهو مشروع تسعى روسيا منذ سنوات لإقامته لتعزيز علاقاتها التجارية مع جنوب آسيا والمياه الحرة.
لكن، في ظل ظروف الحرب الراهنة، لم تعد هذه الممرات تُعتبر آمنةً، وهي في نهاية المطاف تنتهي عند مضيق هرمز، الذي يعاني بدوره من أزمات وقيود عديدة. وهذا الأمر أثار مخاوف واسعة في آسيا الوسطى وأحدث اضطرابات جادة في تدفق الصادرات والواردات. فعلى سبيل المثال، تعطلت عمليًا جزء كبير من صادرات أوزبكستان التي كانت تتم عبر ميناء جبل علي في دبي. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد أوزبكستان على حدود إيران لنقل نحو 60% من صادراتها إلى تركيا وأوروبا، وأي حالة عدم استقرار في هذا الطريق قد تترك آثارًا اقتصاديةً كبيرةً على البلاد.
كل هذه التطورات دفعت دول آسيا الوسطى للبحث عن مسارات بديلة، قد تكون أطول وأكثر تكلفةً، لكنها تتيح تجاوز أزمات الخليج الفارسي وعدم الاستقرار الناتج عنه. ويجد قادة هذه الدول أنفسهم مضطرين لإيجاد حلول سريعة للحفاظ على تدفق تجارتهم الخارجية.
وفي هذا السياق، صرّح إبراهيم عبد الرحمنوف، وزير الزراعة الأوزبكي، بأن دول آسيا الوسطى يجب أن تعزز تعاونها الإقليمي لتقليل اعتمادها على الشرق الأوسط قدر الإمكان.
وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن أهم طريق بديل هو ممر "ترانس-كاسبيان" أو ما يُعرف بالممر الوسيط؛ مسار قادر نظريًا على استبعاد إيران، بل وحتى روسيا وحتى الصين إلى حد ما، من معادلات النقل التجاري. وهذا السيناريو يتلقى احتمالًا كبيرًا من الترحيب الأمريكي. يمرّ هذا الممر مباشرةً عبر عرض بحر قزوين، ثم عبر جمهورية أذربيجان، ليربط آسيا الوسطى بأوروبا، متجاوزًا بذلك الطرق التقليدية التي تمرّ عبر إيران.
ويحمل توسع هذا الممر تبعات جيوسياسية هامة على الأمن القومي لكل من إيران وروسيا. وفي هذا الإطار، أعلن وزير الخارجية الأوزبكي مؤخرًا أن الممر الوسيط يحتل أولويةً في استراتيجية النقل لدى بلاده، وهو تصريح يعكس تحولات مهمة في النظرة طويلة الأمد لدول المنطقة تجاه طرق النقل والتجارة.
ومن المثير للتأمل أن هذا الممر الوسيط يمكن أن يرتبط بمشروع أطلق عليه ترامب اسمه العام الماضي، ليكون قطعةً مكملةً في اللغز الاستراتيجي للولايات المتحدة. لذلك، فإن مستقبل الدور الإيراني في آسيا الوسطى يقف اليوم عند مفترق طرق شديد الحساسية، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمآلات الحرب الحالية.
