الوقت - في الأسبوع الماضي، بدأ الجمود الذي سيطر على الساحة الدبلوماسية بعد مفاوضات إسلام آباد 1 يتلاشى إلى حد ما، ويبدو من تصريحات المسؤولين السياسيين في إيران وتزايد التحركات الدبلوماسية، أن نافذةً جديدةً تُفتح لبدء جولة جديدة من المفاوضات.
تأتي المحفزات الدبلوماسية لهذا الافتراض بعد زيارة دونالد ترامب إلى الصين في أواخر الأسبوع الماضي، وتولي الدكتور قالیباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس وفد المفاوضات في إسلام آباد، مسؤولية الملف الرئيسي للعلاقات مع الصين، بالإضافة إلى تحركات وزير الداخلية الإيراني المتكررة، وزيارة عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي يُعتبر الوسيط الرئيسي في المفاوضات، إلى طهران. من جهة أخرى، نقلت وكالة رويترز عن مصادرها أن فريقًا قطريًا تفاوضيًا زار طهران يوم الجمعة الماضي بتنسيق مع واشنطن.
وفي هذا السياق، زعمت بعض وسائل الإعلام، نقلاً عن مصادر غامضة وغير محددة، حصولها على نسخة من إطار اتفاق أولي بين طهران وواشنطن يتركز حول فتح مضيق هرمز وبدء جولة جديدة من المفاوضات.
مع كل هذه الدلائل، لا تزال تجربة الخيانة المتكررة التي مارستها الإدارة الأمريكية تجاه طاولة المفاوضات، واستخدام الدبلوماسية كحيلة للمفاجأة والتغطية على هجوم عسكري (كما حدث في 28 فبراير حين شُنت الضربة خلال مفاوضات وزير خارجية عمان كوسيط في واشنطن)، إلى جانب المواقف القصوى والخيالية التي يكررها ترامب، تجعل من الصعب تصور إمكانية التوصل إلى اتفاق من هذه التحركات، كما أنها لا تخفف من ظلال الحرب التي تزداد قوةً.
والأمر الثابت أن طهران، بناءً على تصريحات مسؤوليها، لن تتخلى عن أي من خطوطها الحمراء فيما يتعلق بالاتفاق مع الولايات المتحدة، والمنطق يقتضي أن ينظر المسؤولون الإيرانيون إلى المفاوضات من منظار الوضع الميداني والمعادلات الجديدة التي فرضتها الحرب، خصوصًا في الخليج الفارسي ومضيق هرمز؛ معادلة ألحقت بالولايات المتحدة ثلاثة هزائم واضحة:
الهزيمة الأولى في عجز تحقيق الأهداف العسكرية في الحرب؛ والهزيمة الثانية في إعادة فتح مضيق هرمز عبر العملية العسكرية المعروفة بمشروع «الحرية»؛ والهزيمة الثالثة في إجبار إيران على الاستسلام من خلال الحصار البحري.
لذلك، لا ترى إيران أساسًا أي سبب يدفعها للتنازل عن خطوطها الحمراء ومنح واشنطن تنازلاً كبيرًا، كما أن ترامب، الذي باتت أوراق تهديده مستنفدةً ومستهلكةً، لا يستطيع فرض اتفاقه المطلوب على طهران عبر التهديد باستئناف العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، إذا لم تكن هذه الأجواء مجرد عرض مسرحي لتخفيف الضغوط الداخلية المناهضة للحرب في الولايات المتحدة، أو لعبة مُربكة من جانب ترامب تمهيدًا لعملية عسكرية جديدة في الأيام المقبلة - وهو احتمال ضئيل لكن جميع كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين الإيرانيين يأخذونه على محمل الجد ويستعدون لمثل هذا السيناريو - فينبغي توقع تراجع ملحوظ من جانب البيت الأبيض من أجل تحقيق اتفاق محدود أو شامل.
الأدلة والدلائل تشير بوضوح إلى أن ترامب في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى اتفاق، لا سيما لتنظيم الأوضاع المضطربة في سوق النفط وأسعار الوقود، وحتى لضمان سير بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي ستنطلق بعد ثلاثة أسابيع، بأقل قدر ممكن من التحديات.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميةً خاصةً في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور الناجم عن نقص النفط في الأسواق، والتوقعات القاتمة لاستمراره خلال الشهر المقبل. ويرى الخبراء أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، مع نفاد الاحتياطيات الاستراتيجية القابلة للاستخدام لدى الدول وتراجع فائض النفط المتداول في الأسواق، سيؤدي إلى انعكاسات حقيقية وانفجارية على الأسعار.
من ناحية أخرى، تنظر الدول العربية الآن بحذر أكبر من ذي قبل إلى احتمالية استخدام الولايات المتحدة الخيار العسكري ضد إيران، إذ كشفت الحرب الأخيرة لهم زوايا جديدة وغير متوقعة عن مدى اتساع الأضرار ونقاط الضعف الناجمة عن انعدام الأمن الإقليمي.
ولا تشير التقديرات إلى أن هذه الدول، رغم جميع الإجراءات العسكرية واللوجستية الجديدة التي اتخذتها خلال فترة توقف الحرب التي استمرت شهرًا، قد تمكنت من تغطية نقاط ضعفها. ومن بين الأدلة على ذلك شكوى الإمارات الصريحة واعتراضها على الخطوات الوسيطية الجديدة التي يقوم بها بعض أعضاء مجلس التعاون-على الأرجح قطر والسعودية-في المرحلة الراهنة، مما يعكس مخاوف هذه الدول وقلقها.
ورغم ذلك، فإن أبوظبي ليست مجهزةً بالدفاعات اللازمة، لكنها، وبسبب كونها ترى نفسها الخاسر الأكبر في هذه التطورات، وبفضل الدور الذي لعبته في التعاون مع الکيان الصهيوني ضد إيران، جعلت عمليًا من مسار تخفيف التوتر وبناء الثقة في المستقبل أكثر صعوبةً مقارنةً بالدول العربية المجاورة، وهي تطالب بشروط مختلفة لإنهاء الحرب.
لذا، يبدو السيناريو الأكثر احتمالًا بشأن دوافع ترامب في تمهيد الطريق لاتفاق في هذه المرحلة، هو إيجاد حل مؤقت لفتح مضيق هرمز ومنح نفس جديد لسوق النفط المحتضر، والعبور بأمان من فترة كأس العالم لكرة القدم. لكن السؤال الأهم والأكثر غموضًا في هذه المفاوضات والاتفاق المحتمل هو: "بأي تنازلات" و"بأي شكل" ستقبل إيران بفتح محدود لمضيق هرمز؟
