الوقت - نتنياهو، الذي أثبت في الساحة السياسية في الأراضي المحتلة مرارًا براعته في التملص من الأزمات الحاسمة، يجد نفسه اليوم محاصرًا في معركة كبرى. ففي ظل تراجع حلفائه في البرلمان واحدًا تلو الآخر، يشعر بثقل شبح الموت السياسي يخيّم عليه أكثر من أي وقت مضى.
بدأت القصة حينما طرح الكنيست الصهيوني، يوم الأربعاء (30 أبريل)، مشروع قرار حل نفسه في القراءة التمهيدية، وهو قرار حظي بدعم غير مسبوق وأغلبية ساحقة من 110 نواب، دون تسجيل أي معارضة. ومع ذلك، فإن هذا التصويت يمثّل بداية المسار القانوني فقط، حيث لا تزال ثلاث مراحل أخرى من المداولات والتصويت تنتظر إتمامها خلال الأسابيع المقبلة.
ومع إقرار هذه المرحلة التمهيدية، دخلت الإجراءات القانونية لحل البرلمان مرحلةً أكثر جديةً، وأصبح تحديد موعد الانتخابات المبكرة على جدول الأعمال. ووفقًا للتقويم السياسي الحالي، تنتهي دورة الكنيست الحالية في أكتوبر، وقد تم تحديد موعد الانتخابات في 27 من نفس الشهر، ومن ثم فإنه من المرجّح، في حال إقرار مشروع الحل نهائيًا، أن تجرى الانتخابات ضمن الإطار الزمني المخطط له مسبقًا، دون تغيير جوهري في موعدها.
ويُعد هذا ثاني مرة في تاريخ الكيان الصهيوني التي يصوّت فيها البرلمان على حل نفسه؛ إذ سبق أن اتخذ هذا القرار في يونيو 2019، أيضًا خلال فترة رئاسة نتنياهو للحكومة، والتي شهدت حينها دخول المشهد السياسي في الأراضي المحتلة مرحلةً من عدم الاستقرار والتنافس الانتخابي المبكر.
تصويت مؤثر للحريديم
على الرغم من أن قادة المعارضة سعوا منذ شهور لإقرار مشروع حل الكنيست، إلا أن دفع هذه المبادرة لم يكن ممكنًا دون دعم جزء من الأحزاب داخل الائتلاف الحاكم. وفي النهاية، مع انضمام أحزاب «الحريديم» وحلفاء نتنياهو إلى هذا المسار، توفرت الشروط اللازمة للمضي قدمًا في هذا المشروع السياسي.
في الواقع، تصاعدت مطالب الحريديم بحل الكنيست بعدما أعلن نتنياهو بوضوح لقادة هذه الأحزاب أنه لا ينوي إقرار قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية، رغم دعمه العلني السابق لهذا المطلب. هذا التغير في الموقف أثار ردود فعل حادة من الأحزاب الدينية، وكشف عمليًا أن الانقسامات داخل الائتلاف قد بلغت مرحلةً لم يعد بالإمكان إدارتها سياسيًا.
لقد تحوّل موضوع إعفاء اليهود الأرثوذكس المتشددين من الخدمة العسكرية في السنوات الأخيرة، إلى أحد التحديات الداخلية الكبرى في "إسرائيل". فهذه الإعفاءات، التي كانت ساريةً منذ تأسيس الدولة لطلاب المدارس الدينية، أصبحت مع تزايد أعداد هذه الفئة والحاجة المتزايدة للجيش إلى الكوادر البشرية، قضيةً مثيرةً للجدل. ومع تصاعد الضغوط الأمنية، وطول فترة خدمة الاحتياط، والعبء على المجتمع العلماني، ازدادت الانتقادات تجاه عدم المساواة في توزيع الأعباء العسكرية.
وقد عمّق هذا الموضوع الفجوة الاجتماعية وأدى إلى توتر سياسي داخل الائتلاف الحاكم. طالبت الأحزاب الدينية بتثبيت الإعفاء قانونيًا، لكن الحكومة قاومت هذه المطالب. وفي النهاية، أدت هذه الخلافات إلى تعميق الشرخ بين الأطراف وإضعاف تماسك الائتلاف السياسي.
ظاهريًا، يُطرح الخلاف حول إعفاء اليهود الأرثوذكس المتشددين من الخدمة العسكرية كسبب رئيسي لحل الكنيست، لكن الواقع يشير إلى أن السياسات العدوانية على المستوى الإقليمي والانخراط في عدة جبهات، فرضت أعباء أمنية وعسكرية ثقيلة على البنية الاقتصادية والاجتماعية لهذا الکيان.
وقد أثار هذا الوضع قلقًا متزايدًا في أوساط المجتمع والنخب السياسية، مما دفع النواب إلى التوجه نحو حل ذاتي للبرلمان. لذلك، قرّر قادة الأحزاب أن يُعاد تحديد المصير السياسي عبر صناديق الاقتراع، ليُعاد تعريف مسار الحكم وتركيبة السلطة السياسية من جديد.
في هذه الأجواء، تسعى الأحزاب والتيارات السياسية، مدركةً هشاشة الوضع الراهن، إلى تغيير ميزان القوى قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، ومن خلال إزاحة نتنياهو من رأس السلطة التنفيذية، تمهيد الطريق لإعادة ترتيب شاملة في معادلات القوة الداخلية.
تداعيات حل الكنيست
قد يحمل حل الكنيست تداعيات مهمة في ثلاثة أبعاد: السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في حال إقرار الحل نهائيًا، ستُجبر "إسرائيل" على إجراء انتخابات مبكرة، لا تحدد فقط مصير حكومة نتنياهو، بل قد تعيد تشكيل توازن القوى داخل البنية السياسية لهذا الكيان.
وفي هذه الظروف، تستمر حكومة نتنياهو مؤقتًا بصلاحيات محدودة، كما أن تصاعد الخلافات بين أحزاب الائتلاف قد يعطل عملية اتخاذ القرارات الحاسمة، لا سيما في المجالات الأمنية والحربية. من جهة أخرى، يفاقم الوضع السياسي غير المستقر الضغط الشعبي والمنافسة على الحكومة، ويربط مصير استمرار حكم نتنياهو بنتائج الانتخابات المقبلة.
وبما أن نتائج استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال هزيمة حزب نتنياهو والتيار اليميني، فإن حل الكنيست قد يشكّل مخاطرةً جمةً له، وربما نقطة نهاية لمسيرة سياسية امتدت ثلاثة عقود. وفي ظل مواجهته قضايا فساد مالي وقانوني متعددة، فإن انهيار الحكومة وخسارة الانتخابات قد تضعف موقعه بشكل كبير، وتزيد من الضغوط القضائية والسياسية عليه.
علاوةً على ذلك، لا يزال معارضو نتنياهو يعانون من انقسامات عميقة داخلية، ولم يتمكنوا حتى الآن من التوافق على استراتيجية موحدة لتشكيل الحكومة المقبلة. وهذا التشتت السياسي يضعف فرص تكوين ائتلاف متماسك، ويعقّد التنافس بين التيارات المعارضة. ونتيجةً لذلك، يبقى احتمال تكوين برلمان هش مرتفعًا، برلمان تفتقر فيه الائتلافات إلى الاستقرار، ويواجه تشكيل الحكومة صعوبات بالغة. وفي مثل هذه الحالة، ستضطر أي حكومة محتملة إلى الاعتماد على اتفاقات مؤقتة وهشة للبقاء، وهو ما يقلّل بشكل ملحوظ من فاعلية الحكم.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى تراجع ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وخلق تقلبات في الأسواق المالية، خاصةً في بورصة تل أبيب وقيمة الشيكل، وقد تتأجل حتى المشاريع الحكومية طويلة الأمد. ومع ارتفاع التكاليف العسكرية بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية، قد يشكّل ذلك عبئًا ماليًا إضافيًا على المستوطنين.
ومن الناحية الاجتماعية، قد يؤدي حل الكنيست إلى تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، لا سيما بين الجماعات الأيديولوجية والعرقية المختلفة. وبالتالي، قد يزداد الاستقطاب العام، وتتفاقم الاحتجاجات الشعبية في الشوارع.
في الختام، ينبغي اعتبار احتمال حل الكنيست علامةً على تفاقم الانقسامات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية داخل الكيان الصهيوني، والتي من غير المرجح أن تتمكن الانتخابات المقبلة بمفردها من معالجتها، ومن المحتمل أن تدفع هذا الكيان إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي المزمن.
