الوقت - يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -الذي يزعم أنه قوّض ركائز الاقتصاد والقدرة العسكرية الإيرانية عبر الهجمات العسكرية والحصار البحري- إلى ترسيخ مقولة مفادها أن سياسة الضغط والوعيد التي تنتهجها واشنطن قد نجحت في ثني شركاء طهران عن توسيع آفاق التعاون معها، ومن ثم إحكام طوق العزلة عليها في أروقة الدبلوماسية الدولية.
وفي هذا السياق، زعم ترامب في أحدث تصريحاته عقب زيارته الأخيرة للصين، أن "شي جين بينغ" قد تعهد بعدم إرسال أي نوع من الأسلحة إلى إيران، مدعياً أيضاً وجود رؤية مشتركة بين بكين وواشنطن حيال إعادة فتح مضيق هرمز.
بيد أن الخارجية الصينية لم تشدّ من أزر هذه الادعاءات ولم تصدق عليها، بل اكتفت بالتشديد على ضرورة امتثال الجميع للقوانين الدولية. وفي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن نأي الصين بنفسها عن إيران، تأتي تطورات الأشهر الأخيرة -ولاسيما أحداث "حرب الأربعين يوماً"- لتقدّم روايةً مغايرةً تماماً لطبيعة ومستوى التعاون بين طهران وبكين.
فما ترشح من تقارير إعلامية وتصريحات لمسؤولين صينيين وروس وإيرانيين، يبرهن على أن التعاون الاستراتيجي بين طهران وحليفتيها لم يتوقف أو يتراجع، بل ولج مرحلةً جديدةً تتسم بتعقيدات أعمق. هذا التعاون الذي كان ينحصر سابقاً في صفقات البيع المباشر للسلاح، تمدد اليوم ليشمل آفاقاً أرحب؛ من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقنيات الأقمار الاصطناعية، والحرب الإلكترونية، ومنظومات الدفاع الجوي، وصولاً إلى نقل التكنولوجيا المتقدمة.
الدعم الاستخباراتي والفضائي الصيني
كانت حاجة إيران الجوهرية إبان الحرب تكمن -قبل كل شيء- في الوصول إلى منظومات متطورة للرصد والملاحة والتصوير؛ فبدون البيانات الفضائية الدقيقة، تغدو القدرة على الاستهداف الفعال للقواعد الأمريكية في المنطقة، أو تتبع التحركات البحرية لواشنطن، أمراً بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق، برز الدور الصيني كعنصر فاعل في مشهد الصراع.
ورغم أن بكين لا تزال تحاذر الانخراط العلني في المواجهة العسكرية، إلا أن التقارير الاستخباراتية الأمريكية تشير إلى اتساع رقعة التعاون مع إيران في الشق التقني وبصورة غير مباشرة. ولعل أحد أبرز محاور هذا التعاون هو منح إيران نفاذاً إلى منظومات الملاحة والرصد الفضائي الصينية.
وفي هذا الصدد، أفادت وسائل إعلام عالمية -من بينها "واشنطن بوست"- أن طهران سخرت قدرات نظام "بيدو" الصيني كبديل لنظام "جي بي إس" (GPS) العالمي، وذلك لرفع مستوى الدقة في عملياتها بالطائرات المسيرة والصواريخ؛ وهي خطوة من شأنها تقليص ارتهان إيران للبنى التحتية الغربية إلى حده الأدنى.
بالتزامن مع ذلك، ذكرت تقارير إعلامية أمريكية أن شركات صينية تعكف على دراسة مسارات غير مباشرة لنقل معدات الدفاع الجوي وتقنيات الحرب الإلكترونية إلى إيران. ومع أن الحكومة الصينية لم تؤكد صحة هذه الأنباء، إلا أن الأجهزة الأمنية في واشنطن تجزم بأن بكين تفضل تمرير تعاونها الحساس مع طهران عبر شبكات وسيطة، وشركات خاصة، وقنوات غير رسمية؛ وهو أسلوب يضاعف من صعوبة رصد هذه العمليات أو ممارسة ضغوط مباشرة على الصين.
ورغم غياب التصريحات الرسمية من موسكو وبكين حول تقديم مساعدات مباشرة، إلا أن الرواية التي قدّمها المسؤولون في واشنطن إبان الحرب الأخيرة حول طبيعة الدعم الذي تبذله القوتان الشرقيتان لطهران، تضع مزاعم ترامب برمتها في مهب الريح.
وفي هذا الإطار، أكد وزير الحرب الأمريكي "بيت هيغسيث" في خضم حرب رمضان -دون الخوض في التفاصيل- أن واشنطن تدرك تماماً حجم الدور الذي تلعبه الصين وروسيا في إسناد إيران، قائلاً: "نحن نعلم يقيناً ما تفعله الصين وروسيا، وسنتصدى له عند الضرورة". كما شدد "هيغسيث" على أن جانباً كبيراً من هذا الدعم يتسم بالسرية، مفضّلاً عدم الكشف عن كافة أبعاده أمام الرأي العام.
التعاون الإيراني الروسي في أتون حرب رمضان
علاوةً على الدور الصيني، انبرت روسيا لتكون شريكاً مؤازراً لإيران بصور شتى، وهي مؤازرة تجلت ملامحها بوضوح في مضمار الدفاع الجوي؛ حيث أفادت مصادر غربية بأن موسكو وضعت خبراتها المستقاة من حرب أوكرانيا بين يدي طهران، لاسيما في مجالات التشويش الإلكتروني، ومجابهة الطائرات المسيرة، وإدارة شبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات. بل وذهبت بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، مشيرةً إلى حضور مستشارين فنيين روس لرفع كفاءة المنظومات الرادارية وتعزيز التنسيق بين منصات الصواريخ الإيرانية.
وفي هذا الصدد، نقلت شبكة "سي بي إس نيوز" عن ثلاثة مصادر استخباراتية أمريكية أن روسيا مدّت إيران بمعلومات لحظية حول تموضع القوات الأمريكية في المنطقة، شملت بيانات فضائية دقيقة، ومسارات البوارج، ومواقع انتشار القوات في الخليج الفارسي، بل وحتى تفاصيل تحركات العتاد العسكري؛ وهي معلومات استُمدت في مجملها من كوكبة الأقمار الاصطناعية الروسية.
وقد تجلت نجاعة هذا التنسيق حينما بلغت دقة الهجمات الإيرانية بالمسيرات مستويات فاقت تقديرات "البنتاغون" الأولية، مما دفع المحللين الأمريكيين للاعتقاد بأن طهران قد استعانت بإحداثيات وبيانات خارجية لضبط أهدافها بدقة متناهية.
وعلى الرغم من تواتر أنباء حول دور هذا التعاون في إسقاط أو استهداف مقاتلات ومسيرات أمريكية متطورة، إلا أن شواهد الإثبات الموثقة ظلت غائبةً، مما جعل المراقبين يدرجونها في خانة المزاعم التي لا يمكن الجزم بصحتها ميدانياً.
وقد منحت التصريحات الرسمية هذا التعاون ثقلاً إضافياً؛ إذ أكد "ديمتري بيسكوف"، المتحدث باسم الكرملين، أن روسيا في تواصل وتشاور دائم مع المسؤولين الإيرانيين. ومن جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" أن روسيا والصين ساندتا إيران بسبل شتى خلال فترات الحرب.
ومن زاوية أخرى، جاء التنديد المشترك في بيان الرئيسين الروسي والصيني بالعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران كرسالة سياسية مدوية موجّهة لواشنطن؛ رسالة تعكس مواءمة المواقف وتؤكد معارضة القطبين الشرقيين لأي محاولة لإشعال فتيل الحرب في الشرق الأوسط.
والواقع أن التحول الأهم في الحرب الأخيرة لم يكمن في مجرد توريد بعض المنظومات الصاروخية أو العتاد العسكري، بل في بزوغ "محور استخباراتي وتقني" يجمع طهران وموسكو وبكين؛ وهو محور يعكف وئيداً على تشييد بنية تحتية مشتركة لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة. إن هذه الشراكة تبرهن على أن وعيد واشنطن المتكرر لم يفلح، أقله حتى الآن، في صدّ التقارب الاستراتيجي بين إيران وحليفتيها. بل يبدو أن ضغوط واشنطن المتزايدة قد دفعت بهذا "المثلث الشرقي" نحو تعاون خفي بيد أنه فعال؛ تعاون قد لا يبدو صاخباً في ظاهره، لكنه في ميدان العمل يقلب موازين القوى الإقليمية رأساً على عقب.
