الوقت - بعد أيام قليلة من زيارة ترامب الصاخبة للصين، والتي جرت في أجواء مشحونة بالتنافس الضاري اقتصادياً وجيوسياسياً، تعود بكين لتستقبل زعيماً دولياً، ولكن في مناخٍ يختلف تمام الاختلاف عن مشهد حضور ترامب.
إذ يحلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفاً على الصين يومي التاسع عشر والعشرين من مايو، لإجراء مباحثات مع "شي"؛ وهي مباحثات لا تُختزل في لقاء ثنائي فحسب، بل هي حدث مفصلي يلقي بظلاله على المعادلات الكبرى، ويؤشر إلى تبدل تدريجي في خارطة القوى ضمن النظام الدولي.
لقد تجاوزت لقاءات بوتين وشي جين بينغ حاجز الأربعين اجتماعاً، وهو رقم يتخطى بكثير عدد لقاءات شي مع القادة الغربيين، مما يعكس وشائج القربى المتنامية بين البلدين. وفي هذا الإطار، أكد شي جين بينغ في رسالة تهنئة لنظيره الروسي أن الروابط الثنائية تمضي نحو تجذر واستقرار مستمرين، مذكّراً بأن هذا العام يوافق الذكرى الثلاثين لتدشين التعاون الاستراتيجي بينهما.
وبالتزامن مع ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الصينية عشية الزيارة أن العلاقات مع روسيا تشهد تطوراً مطرداً، يسهم في صون الاستقرار الاستراتيجي العالمي والعدالة الدولية، معلنةً عزم البلدين على الارتقاء بروابطهما إلى آفاق أكثر رحابةً.
ومن جانبه، صرح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية، بأن بلاده تسعى لتطوير علاقات مستقلة ومتعددة الجوانب مع الصين، مؤكداً أن كافة القضايا الاقتصادية ستتصدر جدول أعمال القمة المرتقبة خلال زيارة بوتين.
تعزيز التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة
ارتقت الروابط الصينية الروسية في السنوات الأخيرة، لاسيما عقب اندلاع حرب أوكرانيا، إلى ذرى تاريخية غير مسبوقة؛ حيث شرع البلدان في نسج خيوط تعاون واسع النطاق شمل شتى الميادين. ومع إحكام الغرب طوق العقوبات على موسكو، غدت بكين الشريك الاقتصادي الأبرز لروسيا، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بينهما في عام 2023 عتبة 240 مليار دولار؛ وهو رقم قياسي يجسّد عمق الارتهان الاقتصادي المتبادل بين الطرفين.
وفي عام 2024، واصل ميزان التجارة صعوده ليبلغ نحو 244.8 مليار دولار، مسجّلاً أعلى مستوى في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وبرهن هذا النمو المطرد على أن العقوبات الغربية لم تفلح في كبح جماح التعاون الاقتصادي بين موسكو وبكين؛ إذ بلغت الصادرات الصينية إلى روسيا نحو 115 مليار دولار، في حين وصلت الواردات من روسيا إلى قرابة 129 مليار دولار.
ويشكّل قطاع الطاقة العمود الفقري لهذا التفاعل؛ فبكين اليوم هي المشتري الأكبر للنفط الخام الروسي، كما ضاعفت وارداتها من الغاز الطبيعي والفحم بشكل ملحوظ. ويمضي البلدان قدماً في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، لعل أبرزها خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا 2"، الذي يُنتظر أن ينقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً عبر منغوليا إلى الصين، ليصبح واحداً من أضخم مشاريع الطاقة في أوراسيا. وعلاوةً على ذلك، أُبرمت عقود طويلة الأمد بين عمالقة النفط والغاز، مثل "غازبروم" الروسية وشركة الغاز الوطنية الصينية.
ومن جهة أخرى، يبذل البلدان جهوداً حثيثةً لفك الارتباط بالدولار وتعزيز التبادل بالعملات الوطنية؛ إذ بات جزء من التجارة الثنائية يُسوى بـ "الروبل واليوان"، في حين تعمل المصارف في كلا البلدين على إرساء آليات مالية مستقلة عن النظام المالي الغربي.
ويندرج هذا التوجه ضمن مسعى أوسع لبكين وموسكو لتقويض الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وتحصين نفسيهما ضد العقوبات الغربية. كما زادت الصين من صادراتها من السلع الصناعية، والتقنيات الحديثة، والسيارات، والمعدات الإلكترونية، لتملأ بذلك الفراغ الذي خلّفه انسحاب الشركات الغربية من الأسواق الروسية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد، بل امتد ليشمل التعاون العسكري والأمني؛ حيث أجرت القوتان مناورات بحرية وجوية مشتركة في المحيط الهادئ، وبحر اليابان، ومناطق شتى في آسيا وأمريكا اللاتينية. كما تعزّز التنسيق في مجالات الدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية. واليوم، تبرز روسيا كأحد أهم مزودي الصين بالتقنيات العسكرية المتقدمة، مما يؤكد أن موسكو وبكين ماضيتان في تحويل علاقاتهما إلى شراكة استراتيجية راسخة وطويلة الأمد في مواجهة الضغوط الغربية.
ريادة بكين وموسكو في المحافل الدولية
بعيداً عن أطر التعاون الثنائي، تترسخ الروابط الروسية الصينية بشكل متزايد في كنف المنظمات الإقليمية والدولية، لاسيما "منظمة شانغهاي للتعاون" ومجموعة "بريكس". وتتجلى الغاية الأسمى للبلدين من تعزيز هذه الأطر، في صياغة ميزان قوى جديد يناهض النظام الدولي المتمركز حول الغرب، ويسعى لفك الارتباط بالهياكل السياسية والمالية والأمنية التي تتربع الولايات المتحدة على عرش قيادتها.
ففي أروقة منظمة شانغهاي للتعاون، عملت موسكو وبكين على توسيع آفاق تنسيقهما الأمني في ميادين مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية، مع السعي الدؤوب لتحويل هذه المنظمة من كيان أمني صرف إلى منصة متعددة الأبعاد للتعاون الاقتصادي والجيوسياسي.
وعلى ضفة أخرى، غدت مجموعة "بريكس" المشروع السياسي والاقتصادي المشترك الأهم لبكين وموسكو في سبيل إعادة رسم خارطة النظام العالمي. ففي رحاب هذه المجموعة، تجهر الصين وروسيا بضرورة إرساء نظام مالي جديد، وتقليص التبعية للدولار، وتمكين الدول المعروفة بـ "الجنوب العالمي"؛ رغبةً منهما في جعل "بريكس" قطباً اقتصادياً وسياسياً يزاحم مجموعة السبع والمؤسسات الغربية. وقد بات توسيع عضوية المجموعة، حجر زاوية في هذه الاستراتيجية الطموحة.
فخلال السنوات الثلاث المنصرمة، أبدت جملة من الدول رغبتها في الانضواء تحت لواء المجموعة، وهو ما من شأنه أن يعزّز الثقل السياسي والاقتصادي لـ "بريكس" في مواجهة الكتلة الغربية التي تقودها واشنطن.
ومن وجهة نظر موسكو وبكين، فإن السخط المتنامي في أصقاع آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تجاه الأحادية الأمريكية والسطوة الغربية على الاقتصاد العالمي، قد هيّأ الأرضية لولادة نظام دولي جديد. وبناءً على ذلك، تسعى الصين بقدراتها الاقتصادية الهائلة، وروسيا بنفوذها السياسي والعسكري والجيوسياسي، إلى حشد تحالف واسع من القوى الصاعدة ودول الجنوب؛ يهدف إلى تقويض الهيمنة القطبية الواحدة التي صاغها الغرب، والمضي قدماً نحو عالم متعدد الأقطاب.
احتفاء سياسي في وجه واشنطن
يحمل لقاء بوتين وشي جين بينغ في بكين، من منظور رمزي، رسالةً جليةً مناوئةً للولايات المتحدة؛ إذ إن تزامن هذه الزيارة مع تحركات ترامب المثيرة للجدل قد هيّأ مناخاً مثالياً لاستعراض التآلف الصيني الروسي. فخلال الأشهر الأخيرة، أدت سياسات ترامب -بدءاً من الهجوم على إيران، مروراً بالمغامرات في منطقة الكاريبي، وصولاً إلى الخلافات مع أوروبا حول التعرفات الجمركية وقضية "غرينلاند"- إلى إثارة حفيظة العالم ضد نهج واشنطن.
من هنا، تلوح هذه الوضعية لبكين وموسكو كفرصة ثمينة لتقديم الولايات المتحدة في صورة القوة المزعزعة للاستقرار وصانعة الأزمات، مقابل إظهار نفسيهما بمظهر حماة الاستقرار والداعين إلى التعددية الدولية.
وفي عقيدة الصين وروسيا، فإن التصدعات المتنامية بين واشنطن وحلفائها، فضلاً عن الإخفاق أمام إيران، ليست إلا شواهد على الأفول التدريجي للهيمنة الأمريكية. لذا، يمكن اعتبار لقاء بوتين وشي بمثابة استعراض للثقة، بل واحتفاء سياسياً في وجه واشنطن؛ يرمي إلى التأكيد على أن الضغوط والعقوبات وسياسات المواجهة الغربية، لم تنل من عضد التحالف بين موسكو وبكين. بل على النقيض من ذلك، يرى البلدان نفسيهما اليوم في موقعٍ يتيح لهما استثمار أزمات أمريكا لتعزيز نفوذهما العالمي.
وإجمالاً، يمكن إدراج زيارة بوتين إلى الصين ضمن سياق أوسع يعيد تعريف موازين القوى في العالم. إن هذه الزيارة ترمز إلى تجذر التعاون بين قطبين يسعيان لصياغة نظام جديد في "حقبة ما بعد الغرب"؛ نظام لم تعد فيه الولايات المتحدة القوة المطلقة التي لا تُبارى، وتلعب فيه الصين وروسيا، جنباً إلى جنب مع دول الجنوب العالمي، دوراً وحصةً أكثر بروزاً في الإدارة السياسية والاقتصادية للعالم.
