الوقت - لقد اعتادت شوارع الحواضر الكبرى في الأول من مايو من كل عام، أن تضجّ بالشعارات النقابية والمطالبات العمالية لتحسين الأجور والرفاه؛ بيد أن عيد العمال هذا العام ارتدى لَبوساً مغايراً تماماً، إذ انزاح من كونه يوماً للمطالب المهنية ليغدو صرخةً مدويةً في وجه الحرب. وتخطت تجمعات هذا العام الأطر الصنفية الضيقة لتتحول إلى مظاهرات سياسية عارمة تندد بسياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني العدوانية تجاه إيران.
وفيما تلاشت التبريكات التقليدية تحت وقع اصطدام هراوات الشرطة بأجساد المحتجين وصيحات الغضب المنددة بلهيب التضخم، تجلت أمام العيان حقيقة مريرة لا مراء فيها: إن الحرب المستعرة في الخليج الفارسي قد قطعت أوصال سلاسل الإمداد العالمية، ليجد العامل البسيط في أقاصي المعمورة نفسه هو من يسدّد الفاتورة الباهظة من عَرقه وقوته اليومي.
تصدُّع سلاسل الإمداد.. من مضيق هرمز إلى موائد الشعوب
إن الجذر العميق لسخط العمال وقنوطهم في هذا العام، يضرب بـأطنابه في أزمة الطاقة المتفاقمة والتصدعات الجسيمة التي أصابت وشائج سلاسل الإمداد العالمية؛ فالنزعة الحربية التي انتهجتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الخليج الفارسي، استهدافاً لمكانة إيران، قد أفضت إلى استعصاءٍ استراتيجي في واحدة من أكثر الممرّات حيويةً في العالم: مضيق هرمز.
إن تقويض حرية الملاحة في هذا المضيق أو تضييق الخناق عليه، لم يكتفِ بإشعال أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، بل طال أثره تدفقات الغاز ومنتجات البتروكيماويات؛ هذه الصناعات التي تمثّل "العمود الفقري" للمدنيّة الحديثة، بوصفها المورد الأساسي لمواد أولية تدخل في شتى مناحي الحياة، من الكساء والبلاستيك وصولاً إلى الأسمدة الزراعية. ومع انقطاع هذا الشريان الحيوي، تصاعدت تكاليف الإنتاج في جميع القطاعات، من الغذاء إلى الدواء، ليدفع التضخم العالمي نحو آفاقٍ سحقت القوة الشرائية للطبقة الكادحة.
فحين تستعر كلفة الطاقة والمواد الخام، تنعكس هذه الفروقات مباشرةً على أسعار السلع النهائية في الأسواق؛ ليجد العامل نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام معضلة "التضخم الناجم عن الحرب"؛ ذاك الوحش الكاسر الذي لا تروّضه زيادة الأجور، مما جعل الطبقة العاملة تتردى في دركات الفقر رغم مضاعفة جهدها وكدّها. وهذا الواقع المرير هو الذي حوّل دفة الاحتجاجات هذا العام من المطالب النقابية التقليدية إلى صرخة غضبٍ عارمة ضد "مؤججي نيران الحرب".
من أمريكا الجنوبية إلى قلب أوروبا وشرق آسيا.. جغرافيا الغضب العالمي
إن تداعيات هذه الحرب لم تقف عند حدودٍ جغرافية بعينها، بل تجاوزتها لتعصف بكل بقعة من بقاع الأرض، حيث باتت كل منطقة تصارع هذا الإعصار بأسلوبها الخاص وقدراتها المنهكة.
ففي أمريكا الجنوبية، تقف الأرجنتين شاهداً حياً على مأساة ضحايا هذه الحرب؛ إذ وجدت الحكومات هناك نفسها في مهب أزمة سيولة خانقة وتضخم جامح سببه استعار تكاليف الطاقة. ولدرء الانهيار الاقتصادي الشامل، لم يجدوا بداً من تجرع مرارة سياسات التقشف الجائرة وإجراء تعديلات قسرية في قوانين العمل. لقد أشعل خفض الأجور وإلغاء الدعم في الأرجنتين فتيل احتجاجات عمالية ضارية، يرى أصحابها أن حكوماتهم تذبح رفاهية الشعب بمدية التعويض عن تكاليف حروب بعيدة تدور رحاها في الشرق الأوسط.
أما في ربوع القارة العجوز، فقد اتشحت الاحتجاجات بصبغة سياسية أكثر حدةً ومباشرةً من ذي قبل؛ ففي لشبونة وباريس وأنقرة وغيرها من العواصم الأوروبية، لم تعد حناجر المتظاهرين تصدح بالمطالب الاقتصادية فحسب، بل وجّهوا أصابع الاتهام صراحةً إلى سياسات "ترامب" والإدارة الأمريكية، محمّلين إياها وزر الفقر والبؤس الذي خيّم على حياتهم. وقد أحاطت بهذه المسيرات إجراءات أمنية مشددة، شابتها صدامات دامية وحملات اعتقال واسعة، مما يشي بذعر الحكومات الأوروبية من تنامي هذا المدّ الجارف المناهض للسياسات الأمريكية.
ولم تكن شرق آسيا بمنأى عن هذا الغليان العالمي؛ ففي مانيلا، عاصمة الفلبين، اصطدمت مسيرات عيد العمال بحواجز الشرطة على أعتاب السفارة الأمريكية في مشهد يعكس ذروة الاحتقان. كما شهدت كوريا الجنوبية واحدةً من أضخم التظاهرات العمالية منذ عقود، مدفوعةً بتردي الأوضاع المعيشية الناجم عن أزمة الطاقة واستعار نيران الغلاء التي لا تبقي ولا تذر.
ما وراء سواعد الكادحين.. الحلف العظيم للمناهضين
إن إحدى السمات الفارقة وغير المسبوقة في عيد العمال لهذا العام، تتجلى في التحول الجذري لهوية القوى المنخرطة في هذه التظاهرات؛ فلم يعد الميدان حكراً على "عامل المصنع" ببدلته الزرقاء، بل غدا فضاءً جامعاً لكل الأطياف.
لقد اصطفّت الممرضات، والمعلمون، والطلاب، وحتى الروابط المدافعة عن حقوق اللاجئين، في جبهة واحدة متراصة؛ إذ استقر في وجدان هؤلاء أن الأزمة الراهنة قد تجاوزت كونها نزاعاً فئوياً أو مهنياً، لتغدو أزمةً وجوديةً تمسّ جوهر الإنسانية. فالممرضات اللواتي يواجهن اليوم شحاً في الدواء وقصوراً في المعدات الطبية جراء أزمة البتروكيماويات، والمعلمون الذين يكابدون تقليص الميزانيات التعليمية التي ابتلعتها نفقات التسلح، وجدوا في الاتحاد مع العمال ملاذاً وضرورةً.
وقد وضع هذا التحالف الوليد نصب عينيه هدفاً مركزياً: التصدي لسياسات "ترامب" التواقة للحروب في الشرق الأوسط؛ إيماناً منهم بأن السعي للهيمنة على موارد الطاقة بحدّ السيف، لا يورث إلا زعزعة الاستقرار العالمي وتقويض فرص التنمية. وبانضمام الطلاب وجماعات حقوق الإنسان، اكتست الاحتجاجات أبعاداً أخلاقيةً وقيميةً، محوّلةً الغضب الاقتصادي إلى حراك كوني ينشد "السلام والعدالة الاقتصادية".
إن عيد العمال هذا العام قد بعث ببرقيةٍ ناصحة ومنذرة للقوى الكبرى، فحواها: أن الحرب في الخليج الفارسي ليست صراعاً إقليمياً محدوداً، بل هي حربٌ عالمية الأثر، تتسلل إلى كل بيت وتعبث بكل مائدة عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وغول التضخم؛ وما هذه التظاهرات إلا نذير بموجةٍ عاتية من الاضطرابات الاجتماعية التي لن ينجو منها أحد إذا ما استمر قرع طبول الحرب.
