الوقت- في تحول لافت يعكس تغيرًا استراتيجيًا في المزاج الشعبي العربي، كشف استطلاع واسع أجراه الباروميتر العربي، ونشرت نتائجه مجلة فورين أفيرز، عن تراجع غير مسبوق في صورة الولايات المتحدة الأمريكية داخل العالم العربي، في أعقاب سلسلة من الأحداث الكبرى، أبرزها الحرب على غزة والتصعيد الإقليمي مع إيران.
الاستطلاع، الذي شمل نحو عشرة آلاف مشارك من ثماني دول عربية، وهي مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس، يعكس ليس فقط تراجع الشعبية الأمريكية، بل أزمة أعمق تتعلق بشرعية الدور الأمريكي في المنطقة، وهو ما قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على شكل التحالفات الدولية والإقليمية في السنوات المقبلة.
تحولات جذرية في نظرة الشارع العربي
لطالما اتسمت نظرة الشعوب العربية تجاه الولايات المتحدة بالحذر والشك، خاصة في ظل تاريخ طويل من التدخلات السياسية والعسكرية. غير أن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الشعور قد تجاوز حدوده التقليدية، ليصل إلى فقدان الثقة في واشنطن كقوة قادرة على لعب دور إيجابي أو محايد في المنطقة.
فبحسب الاستطلاع، لم تعد الولايات المتحدة تُنظر إليها باعتبارها “الضامن” للاستقرار أو “المدافع” عن القانون الدولي، بل باتت تُصنف في نظر كثيرين كطرف منحاز، خاصة في ظل دعمها الواضح للكيان الصهيوني خلال الحرب على غزة، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بينها وبين الشعوب العربية.
أثر حروب المنطقة على صورة واشنطن
يشير التقرير إلى أن نقطة التحول الأساسية جاءت مع اندلاع عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وما تبعها من حرب مدمرة على قطاع غزة، إضافة إلى التصعيد العسكري والسياسي مع إيران. هذه الأحداث شكلت اختبارًا حقيقيًا لمواقف القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وقد أظهرت الصور القادمة من غزة، بما تحمله من دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، تأثيرًا عميقًا على الرأي العام العربي، خاصة في ظل الدعم الأمريكي المستمر للكيان الصهيوني سياسيًا وعسكريًا. هذا الدعم لم يُفسر فقط على أنه انحياز، بل كدليل على ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.
كما أن التصعيد مع إيران عزز هذا الانطباع، حيث رأى كثيرون أن السياسات الأمريكية تسهم في تأجيج الصراعات بدلًا من احتوائها، وهو ما أدى إلى تراجع الثقة في قدرتها على لعب دور الوسيط أو القائد الإقليمي.
صعود قوى بديلة: الصين وروسيا وإيران
في مقابل هذا التراجع، كشف الاستطلاع عن تحسن ملحوظ في صورة قوى دولية أخرى، على رأسها الصين وروسيا، إضافة إلى إيران.
وقد تصدرت الصين قائمة الدول الأكثر قبولًا لدى الشعوب العربية، تلتها روسيا، بينما حققت إيران تقدمًا نسبيًا رغم استمرار التحفظات تجاه سياساتها الإقليمية وبرنامجها النووي.
ولا يعكس هذا التحول بالضرورة إعجابًا بالنماذج السياسية أو الاقتصادية لهذه الدول، بل يعبر بالدرجة الأولى عن تراجع الثقة في الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. فالمقارنة هنا ليست بين “نموذجين مثاليين”، بل بين طرف فقد مصداقيته وآخرين يُنظر إليهم كبدائل محتملة.
أزمة شرعية دولية
أحد أبرز ما كشفه التقرير هو أن الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة لم تعد مجرد أزمة شعبية، بل تحولت إلى أزمة شرعية. ففي عدد من الدول العربية، يرى جزء كبير من المواطنين أن واشنطن لا تلتزم بالقانون الدولي، وهو ما يقوض مكانتها كقوة قيادية.
كما امتد هذا التراجع إلى الاتحاد الأوروبي، الذي بات يُنظر إليه على أنه شريك في السياسات الغربية المنحازة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وتبرز هذه النتائج تحولًا مهمًا في الوعي السياسي العربي، حيث لم تعد الشعوب تقيم الدول فقط بناءً على قوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل أيضًا على مدى التزامها بالقيم والمبادئ الدولية.
سياسات ترامب واستمرار التراجع
أظهر الاستطلاع أيضًا أن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تحسن صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، بل ساهمت في تعميق التراجع، باستثناء حالات محدودة.
ففي دول مثل مصر والأردن وفلسطين والعراق وتونس، اعتبر غالبية المستطلعين أن سياسات ترامب كانت أسوأ من سياسات سلفه جو بايدن، ما يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بشخص الرئيس بقدر ما ترتبط بالنهج العام للسياسة الأمريكية في المنطقة.
إيران: تحسن مشروط
رغم التاريخ المعقد للعلاقات العربية الإيرانية، أظهرت النتائج تحسنًا نسبيًا في صورة إيران، خاصة في دول مثل العراق وفلسطين. ويُعزى هذا التحسن بشكل أساسي إلى موقفها المعادي للكيان الصهيوني ودعمها المعلن للقضية الفلسطينية.
كما ارتفعت نسب التأييد لبعض القيادات الإيرانية، مثل الشهید سماحة آية الله علي الخامنئي، في بعض الدول.
الكيان الصهيوني: عزلة متزايدة
أكد الاستطلاع أن الكيان الصهيوني لا يزال الدولة الأقل شعبية في العالم العربي، حيث لم تتجاوز نسبة الآراء الإيجابية تجاهه 5% في معظم الدول. كما أظهر رفضًا واسعًا لعمليات التطبيع، رغم وجود بعض الاستثناءات المحدودة.
ويعكس هذا الرفض استمرار مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي، حيث ترتبط مواقف الشعوب من القوى الدولية بمواقف هذه القوى من فلسطين. فالدول التي تُظهر دعمًا واضحًا للحقوق الفلسطينية تحظى بقبول أكبر، والعكس صحيح.
انعكاسات محتملة على التحالفات الإقليمية
يحذر التقرير من أن هذه التحولات في الرأي العام قد تدفع الحكومات العربية إلى إعادة النظر في سياساتها الخارجية، خاصة في ظل حساسية الأنظمة السياسية تجاه المزاج الشعبي.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات على هذا التحول، من خلال تنويع الشراكات الاقتصادية والعسكرية، والانفتاح على قوى مثل الصين وروسيا، إضافة إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
كما قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة، بحيث تصبح أكثر تعددية وأقل ارتباطًا بمحور واحد.
هل يمكن لواشنطن استعادة ثقة العرب؟
رغم هذا التراجع الحاد، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك فرصة لاستعادة جزء من مكانتها، لكن ذلك يتطلب تغييرات جوهرية في سياساتها.
ومن بين هذه التغييرات: تبني موقف أكثر توازنًا تجاه القضية الفلسطينية، والضغط نحو حل عادل، والالتزام الصارم بالقانون الدولي، إضافة إلى تقليل التدخلات العسكرية والتركيز على الحلول الدبلوماسية.
كما أن خطوات رمزية قد يكون لها تأثير كبير، مثل الاعتراف بدولة فلسطينية أو دعم مبادرات السلام بشكل جدي، وهو ما قد يسهم في تحسين الصورة الأمريكية.
إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي
في المحصلة، لا يعكس هذا التحول مجرد تراجع في النفوذ الأمريكي، بل يشير إلى إعادة تشكيل عميقة في الوعي السياسي العربي. فالشعوب باتت أكثر وعيًا بدور القوى الدولية، وأكثر قدرة على تقييم سياساتها بشكل نقدي.
وقد تترجم هذه التحولات في المستقبل إلى تغييرات ملموسة في السياسات الحكومية، خاصة إذا استمرت الفجوة بين المواقف الرسمية والشعبية.
كما أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام نظام إقليمي أكثر توازنًا، يعتمد على تعددية الشركاء بدلًا من الهيمنة الأحادية.
تكشف نتائج استطلاع “الباروميتر العربي” عن لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة. فالتراجع الحاد في صورة واشنطن، مقابل صعود قوى بديلة، يعكس تحولات عميقة قد تعيد رسم ملامح المنطقة.
وفي ظل استمرار الصراعات، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، يبقى مستقبل هذه التحولات مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين إعادة التوازن في العلاقات الدولية أو مزيد من الاستقطاب.
لكن المؤكد أن العالم العربي لم يعد كما كان، وأن بوصلة الرأي العام فيه باتت أكثر استقلالية وتأثيرًا، ما سيجبر القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، على إعادة حساباتها إذا أرادت الحفاظ على دورها في المنطقة.
