الوقت- تشهد الساحة الإقليمية تطورات متسارعة على المستويين العسكري والاقتصادي، في ظل تصاعد التوترات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الإسرائيلي، وهي توترات لم تعد تقتصر على حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت آثارها لتطال البنية الاقتصادية والمالية بشكل عميق. فالحروب الحديثة، كما بات واضحاً، لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل تُقاس نتائجها أيضاً بمدى قدرتها على استنزاف الاقتصاد وإضعاف الجبهة الداخلية.
في هذا السياق، تكشف المعطيات الأخيرة عن حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد في الكيان الإسرائيلي، خاصة بعد العمليات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران، والتي استمرت نحو 40 يوماً، وخلّفت تداعيات مالية ثقيلة بدأت تتكشف تدريجياً. هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود في وجه صدمات ممتدة ومكلفة.
أحد أبرز المؤشرات على حجم الأزمة يتمثل في الطلب المتزايد من قبل المؤسسة العسكرية لرفع ميزانيتها إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تسعى إلى تجاوز حاجز 46 مليار دولار. هذا الرقم يعكس إدراكاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار بأن المواجهة مع إيران قد تتحول إلى نمط متكرر من الصراعات، ما يستدعي استعداداً دائماً وتخصيص موارد ضخمة لتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية على حد سواء.
في بداية الحرب، كان هناك اعتقاد لدى بعض المحللين في الكيان الإسرائيلي بأن القضاء على التهديدات المحتملة قد يؤدي إلى تقليص النفقات العسكرية على المدى البعيد. غير أن الواقع جاء مغايراً تماماً، إذ أظهرت التجربة أن الحروب الطويلة والمعقدة تفرض زيادات مستمرة في الإنفاق العسكري، خاصة مع الحاجة إلى تعويض الخسائر، وتطوير أنظمة الدفاع، والاستعداد لجولات قتال جديدة.
وقد كشفت الأرقام أن وزارة الحرب طلبت إضافة نحو 32 مليار شيكل إلى ميزانيتها، وهو ما رفع إجمالي الإنفاق العسكري إلى حوالي 142 مليار شيكل. هذا الارتفاع الكبير يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة العسكرية، ويؤكد أن الكيان الإسرائيلي بات مضطراً لإعادة ترتيب أولوياته المالية بشكل جذري.
لكن التأثيرات الاقتصادية للحرب لم تقتصر على القطاع العسكري فحسب، بل امتدت إلى القطاعات المدنية، التي تكبدت خسائر كبيرة نتيجة تعطّل الأنشطة الاقتصادية وتضرر البنية التحتية. فقد تم تسجيل نحو 26 ألف طلب تعويض من قبل الأفراد والشركات المتضررة، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 1.5 مليار شيكل، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار تقييم الأضرار.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الخسائر في القطاع المدني قد يتجاوز 8 مليارات شيكل، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على الميزانية العامة، ويزيد من تعقيد عملية التعافي الاقتصادي. كما أن هذه الأرقام لا تشمل الخسائر غير المباشرة، مثل تراجع الاستثمارات، وتعطّل المشاريع، وانخفاض الإنتاجية، وهي عوامل قد تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل.
وفي ظل هذه الأوضاع، حذر وزير المالية في حكومة الكيان الإسرائيلي من أن تعطيل الاقتصاد خلال فترة الحرب ألحق أضراراً جسيمة لا يمكن تجاهلها. فقد قُدرت الخسائر الأسبوعية الناتجة عن توقف الأنشطة الاقتصادية بنحو 9.5 مليار شيكل، وهو ما يعكس حجم الاعتماد الكبير للاقتصاد على الاستقرار الأمني.
هذا الوضع يطرح تحديات كبيرة أمام صناع القرار، خاصة فيما يتعلق بكيفية تمويل هذه النفقات المتزايدة. فارتفاع الإنفاق العسكري وتعويض الخسائر المدنية يتطلبان موارد مالية ضخمة، ما قد يدفع الحكومة إلى زيادة الضرائب أو اللجوء إلى الاقتراض، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع نسبة الدين العام.
وبالفعل، تشير التوقعات إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قد ترتفع من 68% قبل الحرب إلى نحو 72% بحلول عام 2030، وهو ما يمثل مؤشراً مقلقاً على تدهور الوضع المالي. كما أن هذا الارتفاع قد يحد من قدرة الحكومة على الاستثمار في القطاعات الحيوية، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية.
إلى جانب ذلك، أظهرت البيانات الاقتصادية تراجعاً في معدلات النمو، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 2.5% مقارنة بالربع الأخير من عام 2025. كما تم تعديل توقعات النمو السنوي إلى نحو 3.5%، بعد أن كانت 5.2% قبل اندلاع الحرب، ما يعكس تأثيراً واضحاً للصراع على الأداء الاقتصادي.
هذه التغيرات لا تعني فقط أرقاماً في التقارير الاقتصادية، بل تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع الأسعار، وزيادة الأعباء الضريبية، وتراجع مستوى الخدمات العامة. وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد حالة التذمر الاجتماعي، خاصة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية لفترة طويلة.
وفي هذا الإطار، تشير تقديرات وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن التكلفة الإجمالية للعمليات العسكرية الأخيرة، سواء العسكرية أو المدنية، قد تصل إلى 65 مليار شيكل، وهو رقم ضخم يعكس حجم الاستنزاف الذي يتعرض له الاقتصاد. كما أن الحرب السابقة التي استمرت 12 يوماً كلفت نحو 22 مليار شيكل، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 25 مليار شيكل بعد استكمال دفع التعويضات.
ومن اللافت أيضاً أن تكلفة العمليات اليومية كانت مرتفعة بشكل كبير، حيث بلغت في المتوسط نحو مليار شيكل يومياً، وارتفعت في بعض الفترات إلى 1.8 مليار شيكل، خاصة خلال الأسابيع الأولى من الحرب التي شهدت كثافة عالية في الهجمات.
كل هذه المعطيات تشير إلى أن الكيان الإسرائيلي يواجه معضلة حقيقية، تتمثل في التوازن بين متطلبات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي. فزيادة الإنفاق العسكري قد تكون ضرورية من الناحية الأمنية، لكنها تأتي على حساب التنمية الاقتصادية والاستقرار المالي.
وفي ظل هذه التحديات، تدرس الحكومة عدة خيارات، من بينها زيادة العجز في الميزانية أو تقليص الإنفاق في قطاعات أخرى. غير أن كلا الخيارين يحملان تبعات سلبية، سواء من حيث زيادة الدين العام أو تراجع مستوى الخدمات العامة.
كما أن هناك مؤشرات على احتمال تأجيل عدد من المشاريع الحيوية، مثل مشاريع النقل والبنية التحتية، وهو ما قد يؤثر على النمو الاقتصادي في المستقبل، ويزيد من تعقيد عملية التعافي.
وعلى المدى الطويل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، خاصة مع التقديرات التي تشير إلى أن تكلفة الحرب المستمرة منذ عام 2023 قد تصل إلى 350 مليار شيكل بحلول عام 2026، دون احتساب تكاليف المواجهة الأخيرة مع إيران. هذا الرقم الضخم يضع ضغوطاً هائلة على المالية العامة، ويستدعي اتخاذ إجراءات صعبة لضمان الاستدامة المالية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن تلجأ الحكومة إلى زيادة الضرائب بشكل ملحوظ في السنوات القادمة، خاصة في عام 2027، من أجل تمويل النفقات وتقليل الدين. غير أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وتفاقم الأعباء على المواطنين والشركات.
في المحصلة، يمكن القول إن الحرب مع إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكلت نقطة تحول في المسار الاقتصادي للكيان الإسرائيلي. فالتكاليف الباهظة، والتحديات المتزايدة، والضغوط الداخلية، كلها عوامل تشير إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي قد يدخل مرحلة من التباطؤ وعدم الاستقرار.
ومع استمرار التوترات في المنطقة، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد في الكيان الإسرائيلي أن يتحمل هذه الضغوط؟ وهل ستتمكن الحكومة من إيجاد توازن بين متطلبات الأمن والنمو الاقتصادي، أم أن الحروب المتكررة ستدفعه نحو أزمة أعمق في السنوات القادمة؟
الإجابة على هذه التساؤلات ستعتمد إلى حد كبير على تطورات المشهد الإقليمي، ومدى قدرة صناع القرار على إدارة الموارد بشكل فعال، في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين والتحديات المتزايدة.
