الوقت - بعد مرور أربعين يوماً على حربٍ عقيمة أُجبر فيها ترامب على قبول وقف إطلاق النار والرضوخ للإطار الإيراني المقترح للمفاوضات، كان يسعى جاهداً للتملص من وطأة الضغوط المتراكمة جراء الحرب وما أحاط بها. وقد أراد عبر خفض حدة التوتر ورفض المطالب الإيرانية في المفاوضات ـ من خلال تقديم مطالب غير سديدة تتعارض مع المصالح الإيرانية ـ أن يجد لنفسه مخرجاً أقل كلفةً وأكثر ملاءمةً عبر استغلال حالة التوقف الراهنة. وفي هذا السياق، يجدر بنا تسليط الضوء على نقاط جوهرية:
أولاً: صراحة وصلابة المفاوض الإيراني في باكستان
لقد سعى ترامب للمفاوضات تحت وهمٍ مفاده أن وصول الوفد الإيراني إلى طاولة الحوار سيمكّنه من تفكيك مطالبهم المكلفة في الملفات المعقدة وتقليصها إلى الحد الأدنى، ومن ثم فرض إرادته عليهم تدريجياً. ولكن، وعلى نقيض تصورات ترامب، وقف الوفد التفاوضي الإيراني بصلابة وصراحة تامة في عرض مطالبه والإصرار عليها، مما حال دون انحراف مسار المفاوضات نحو المسار الذي رسمه ترامب، ومنع تحقيق بعض أهدافه التي أخفقت الحرب في بلوغها عبر بوابة التفاوض. وهكذا، انتهت المفاوضات بالفشل دون بلوغ أي نتيجة.
ثانياً: أيدي ترامب الفارغة على طاولة المفاوضات
لقد قدم الأمريكيون إلى باكستان للمفاوضات وهم خالي الوفاض، على نقيض ادعاءات ترامب الكاذبة والمتلاحقة؛ إذ حضروا بوفدٍ مهزومٍ مفاوضياً ولا يحمل أي إنجاز يُذكر. وبناءً على ذلك، حاولوا دفع المفاوضات عبر مسلكين يفتقران إلى أي سند: الأول هو المقاومة والتعنت في مواجهة المطالب الإيرانية، والثاني هو الإصرار على مطالبهم الخاصة. ولما كان القبول بالمطالب الإيرانية يعني اعترافاً صريحاً بالهزيمة الكاملة، فقد تملصوا منه، ولما كانوا في موقع الطرف المهزوم، عجزوا عن فرض إرادتهم، فلم يبقَ لهم في ساحة التفاوض سوى سلاح الكلمات والمصطلحات، التي اتخذوها ذريعةً للفرار والمضي بالمفاوضات نحو حافة الفشل.
ثالثاً: محاولات أمريكا لموازنة الكفة أمام مضيق هرمز
لقد بذلت الولايات المتحدة مساعٍ حثيثة ومناورات ممتدة طوال حرب رمضان، في محاولة يائسة للتستر على خسائرها البشرية والمالية؛ إذ أدركت أن انكشاف هذه الجراح أمام أعين العالم، سيلحق بكيان أمريكا وهيبتها الدولية ضرراً يفوق بمراحل حجم الخسارة الفعلية، وهو ضرر قد يستعصي على الإصلاح أو يستغرق عقوداً لترميم آثاره.
ورغم أن الأمريكيين نجحوا حتى الآن في احتواء الموقف إلى حد ما، إلا أن ما قوّض مساعيهم وألجأ العالم إلى التأثير في المشهد، بل وشكّل أداة ضغط قوية ضد الولايات المتحدة، هو هيمنة إيران المطلقة على مضيق هرمز. ومن هنا، رأى ترامب عقب فشل مفاوضات إسلام آباد أن المخرج الوحيد يكمن في محاولة "موازنة" هذه الأداة، فثار موضوع "حصار مضيق هرمز" لكي يظفر ـ حسب زعمه ـ بورقة مساوية في القوة يواجه بها إيران في جولات التفاوض المقبلة.
رابعاً: غياب التأييد الدولي لترامب
منذ اندلاع حرب رمضان، سعى ترامب بكل الوسائل المتاحة لحشد التحالفات والبحث عن تعاضد دولي ضد إيران، غير أنه قوبل بأبواب موصدة. فحتى حلفاؤه القدامى، أي الأوروبيون، أحجموا عن الانخراط في صفوفه، إدراكاً منهم بأن الحرب ضد إيران تفتقر إلى أي شرعية، ولأن استمرار هذه الحرب الظالمة التي لم تجلب لأمريكا سوى الذل، قد أثبت صواب رؤية أوروبا.
وقد تكرر المشهد ذاته عند طرح قضية حصار مضيق هرمز؛ فلم يجد ترامب صدىً لطلباته، إذ رفضت أوروبا والدول الأخرى التي آثرت الوقوف في الجانب الصحيح أن تتراجع عن نهجها الذي صهرته التجارب، خشية الانزلاق في قرار خاطئ قد يعني، في جوهره، سقوط ما تبقى من مصداقية لترامب.
خامساً: القدرة الإيرانية على حماية المضيق وبسط السيادة عليه
إن ما شهدته الحرب من صراع، وما أظهرته القوى البحرية الأمريكية التي طالما تباهى بها ترامب واعتز بأسطولها المزعوم، جعل الرئيس الأمريكي يدرك -أكثر من أي شخص آخر- مدى قدرة إيران على فرض سيطرتها الشاملة على مضيق هرمز. إنه يدرك جيداً أن "إله صحراء طبس" و"شهرضا" في أصفهان، هو نفسه إله "مضيق هرمز"، وهو قادرٌ في طرفة عين على بسط إرادته وتجلي عجائب قدرته على كل من تسوّل له نفسه المساس بهيبة القوات البحرية الإيرانية. إن ترامب، مهما تذرّع بتمثيل دور المنتصر أو ادعى الغلبة، لن يذوق طعم النصر؛ فالنصر حليف من يفرض وجوده في الميدان، أي إيران.
