الوقت - على الرغم من إصرار الكيان الصهيوني على رفض وقف إطلاق النار في لبنان ومواصلة هجماته ضد الجنوب، مما أثار غضب الشعب، إلا أن مسؤولي بيروت صمموا على الاستماع الى صوت آخر بدلاً من الاستماع إلى صوت الأمة.
حكومة جوزيف عون، التي كانت أكثر تساهلاً في الأشهر الماضية مع السلوكيات العدوانية للكيان الصهيوني، وعكس الشفرة ضد المقاومة، أقامت أول جولة من المفاوضات المباشرة مع ممثلي تل أبيب، بمبادرة من وزير الخارجية الأمريكي، في واشنطن، أمس.
ووفقاً للبيان المشترك الصادر بعد هذا اللقاء، فإن هذه الزيارة هي أول اتصال على مستوى عالٍ بين إسرائيل وحكومة لبنان منذ عام 1993. أجرى المشاركون محادثات بناءة حول الخطوات اللازمة لبدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين. وصفت واشنطن هذا التطور بأنه إنجاز تاريخي وأعربت عن دعمها لمواصلة المفاوضات.
كما دعمت واشنطن خطط الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الجماعات المسلحة وإنهاء النفوذ الواسع النطاق لإيران، وأعربت عن أملها في أن تتجاوز هذه المحادثات اتفاق عام 2024 وتؤدي إلى اتفاق سلام شامل.
وأشار اللقاء إلى أن هذه المفاوضات يمكن أن تمهد الطريق للحصول على مساعدات واسعة النطاق لإعادة إعمار لبنان، وتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، وتوسيع فرص الاستثمار للطرفين.
في هذه الأثناء، طالبت إسرائيل بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة وتفكيك البنية التحتية التي تعتبرها "إرهابية"، وأكدت على التزامها بالتعاون مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف، بهدف ضمان أمن الطرفين.
من ناحية أخرى، أكدت الحكومة اللبنانية على ضرورة التنفيذ الكامل لإعلان وقف إطلاق النار الصادر في نوفمبر 2024، وشددت على مبادئ السيادة الكاملة والوحدة الإقليمية للبلاد. كما دعت بيروت إلى وقف إطلاق النار واتخاذ إجراءات عملية لمعالجة الأزمة الإنسانية الخطيرة الناجمة عن الاشتباكات المستمرة. وفي الختام، اتفق جميع الأطراف على بدء المفاوضات المباشرة في وقت ومكان سيتم تحديدهما لاحقاً.
المفاوضات مع تلأبیب غير قانونية
نواف سلام، رئيس وزراء لبنان، عبر عن تفاؤله حيال المفاوضات مع تلأبيب لوقف الهجمات، بينما يعارض العديد من الناس والأحزاب اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، هذا الإجراء الدبلوماسي بشدة.
نواف الموسوي، أحد المسؤولين البارزين في حزب الله، أكد أن المفاوضات بين بيروت وتلأبيب في أمريكا تفتقر إلى الشرعية السياسية. وحذر الموسوي من أن الكيان الصهيوني لن يقدم شيئًا ما لم يكن لدى الجانب اللبناني ورقة ضغط، واصفًا هذا اللقاء بأنه خطأ تاريخي وامتياز مجاني.
حسن فضل الله، عضو تكتل "الوفاء للمقاومة" المرتبط بحزب الله في البرلمان، أكد أيضًا: "المسؤولون الحاليون في لبنان لا يمثلون مستوى الشعب اللبناني ولم يتمكنوا من فهم مقاومة الشباب. يسعى بعض الأشخاص إلى تأجيج الانقسام الداخلي ونشر شائعات كاذبة حول معركة بنت جبيل. من الذي ينتهك القانون؟ قوات المقاومة أم المسؤولون الذين مدوا أيديهم نحو العدو الذي تلطخت يديه بدم اللبنانيين ويسعون إلى تقديم تنازلات". كما عارض رئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل أي مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني.
المسؤولون في حزب الله حذروا مؤخرًا من عدم استبعاد سيناريو تغيير الحكومة تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية. وفي حين وافق حزب الله العام الماضي على تشكيل حكومة نواف سلام بهدف استعادة الاستقرار والهدوء في لبنان، إلا أن احتمال انهيار الحكومة ليس مستبعدًا إذا اتبع مسؤولو بيروت سياسات تتوافق مع أعدائهم.
من وجهة نظر المقاومة والشعب، أي مفاوضات مع الكيان المحتل غير قانونية وتعتبر مقدمة للتسوية وتطبيع العلاقات مع العدو. وبالتالي، في ظل الغضب المتزايد تجاه إسرائيل في الوقت الحالي، فإن تطبيع العلاقات سيعطي نوعًا من الشرعية لجرائم تل أبيب في لبنان، ولن يدفع العدو إلى التراجع فقط، بل سيحفزه على مواصلة احتلاله. وفي هذا السياق، زعمت بعض المصادر العبرية أن الجيش الصهيوني يخطط لضاعفة عدد قواعده في جنوب لبنان وتثبيت وجوده في المنطقة.
يسعى قادة تل أبيب من خلال عقد مفاوضات مباشرة إلى مفاقمة الخلاف بين المقاومة والحكومة وتنفيذ مخططاتهم الشريرة. وإذا حدثت خلافات جادة بين حزب الله وأنصاره والحكومة، فسيتم تمهيد الطريق لمواصلة الحرب في لبنان من قبل الصهاينة.
لأن لبنان، في حالة الانغماس في حرب أهلية، سيتم إزالة التركيز عن الحدود والتركيز على مكافحة الفتنة الداخلية، وبما أن قوات المقاومة هي ضامن السلام والاستقرار داخل البلاد، فستضطر إلى إزالة الشر الداخلي أولاً، ولذلك يمكن للمحتلين أن يبرروا عدوانهم على جنوب لبنان بحجة عدم الأمان على الحدود الشمالية. تماماً كما فعلوا في جنوب سوريا بعد سيطرة الجماعات الإرهابية، حيث برروا احتلالهم لأراضٍ جديدة بحجة عدم الأمان.
نظرًا لأن حكومة نتنياهو تسعى إلى إنشاء "إسرائيل الكبرى"، فإن احتلال جنوب لبنان يتماشى مع هذا الهدف.
يسعى الكيان الصهيوني إلى إشعال حرب أهلية في لبنان لزيادة الضغوط على حزب الله وتوجيه الحكومة نحو نزع سلاح المقاومة. وفي الوقت الحالي، هناك نوع من الإجماع بين الدول العربية والقوى الغربية على نزع سلاح حزب الله، وستكون الحرب الأهلية أفضل فرصة لتنفيذ هذا المخطط الشرير.
المفاوضات عديمة الجدوى
على الرغم من أن السياسيين اللبنانيين يأملون في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل وإنهاء الحرب، ويعتمدون على الوعود الفارغة لأمريكا، إلا أن التجربة أثبتت أن العدو الصهيوني لم يلتزم بأي من اتفاقات الهدنة، وأن التسوية مع هذا النظام لن تنقذ لبنان من قبضة عدوه الدموي.
كتبت صحيفة "هآرتس" نقلاً عن مصادر إسرائيلية أن نتنياهو يستخدم المفاوضات مع لبنان لكسب الوقت في مواجهة حزب الله وإظهار النوايا الحسنة لدونالد ترامب. لذلك، فإن خطط الصهاينة واضحة منذ الآن، ولا يوجد أي رغبة في إنهاء الصراع. حيث يواصل قادة تل أبيب هجماتهم وتوسعهم الاستعماري تحت ذريعة المفاوضات، بهدف إجبار الحكومة اللبنانية على تقديم تنازلات إضافية للعدو.
يحاول قادة بيروت، خاصة الرئيس اللبناني ميشال عون، تحت ضغط السعودية وأمريكا وبأمل الحصول على مساعدات واهية، تلبية المخاوف الأمنية لإسرائيل، ولكن أي تنازلات للكيان الصهيوني لن تنقذ لبنان، ووعود واشنطن بإعادة الإعمار هي فخٍ لنزع سلاح حزب الله وجعل لبنان غير قادر على الدفاع عن نفسه أمام إسرائيل. فخطط ترامب فشلت سابقًا في غزة، وعلى الرغم من تشكيل مجلس للسلام، لم يتم اتخاذ أي إجراء لإعادة الإعمار أو تقديم المساعدات الإنسانية.
لقد أثبتت أمريكا أنها لن تساعد أي دولة في المنطقة في تغيير موازين القوى ضد الكيان الصهيوني، ولبنان ليس استثناءً من ذلك. فالجيش اللبناني الضعيف والمنهار لم يتلق مساعدة كبيرة من أمريكا أو غيرها من القوى الغربية خلال العقود الماضية، لأن قادة البيت الأبيض لا يسمحون بتشكيل جيش قوي بالقرب من الأراضي المحتلة، والذي قد يشكل تهديدًا أمنيًا لهذا الكيان.
