الوقت – في صباح يوم الأربعاء، وبعد أن نشر الحرس الثوري الإيراني فهرساً لأهداف طاقوية في الدول المتحالفة مع أمريكا والأراضي المحتلة، ردًا على تهديدات ترامب في اليوم السابق حول استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، أعلن البيت الأبيض في اللحظات الأخيرة موافقته على الخطة التي اقترحها رئيس وزراء باكستان لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
جاءت هذه الهدنة بعد نحو 40 يومًا من الحرب الشاملة والمقاومة الصارمة لإيران، خصوصًا في الحفاظ على مضيق هرمز كشريان للصادرات النفطية والغازية للدول المعادية والمشاركة في العدوان، واستقبلها المجتمع الدولي بترحيب واسع، لأنه خلال هذه الفترة، كما حذّرت طهران سابقًا، واجهت أسواق الطاقة أزمةً شديدةً في نقص المعروض، وارتفعت أسعار النفط والغاز والبنزين وحتى السلع الغذائية إلى مستويات مذهلة من التضخم.
الآن، المجتمع الدولي، الذي شاهد خطر غرق المنطقة والعالم في فوضى وعدم استقرار اقتصادي، يطالب بشكل موحد بانتهاء سريع ونهائي لهذه الحرب، ويترقب لرؤية ما ستنتجه المحادثات تحت ظل هذه الهدنة الراهنة في الأسبوعين القادمين.
الدول في العالم، خصوصًا الحلفاء الأوروبيون للبيت الأبيض، وبناءً على تمسك الشعب الإيراني وإرادته الصلبة في الحرب، يؤكدون على ضرورة اتخاذ القرار الصحيح بعدم الدخول في هذه المعركة بلا نهاية، ويشددون علی أن الحل السياسي هو الحل الوحيد الممكن. والحل السياسي يعني أن يسعى ترامب في هذه المحادثات إلى حل واقعي يعتمد على قبوله بالهزيمة في هذه الحملة العسكرية.
هزيمة مشهودة للولايات المتحدة؛ يد إيران العليا في حرب الروايات
بعد أن قبلت واشنطن وطهران بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، اندلعت حرب روايات شديدة في الفضاء السياسي والإعلامي حول الأساس الذي ستُبنى عليه المفاوضات القادمة.
جانب من هذه الحرب السردية، يتعلق بمضمون المفاوضات. فترامب، المعروف بزيفه وادعائه الكاذب ونفيه لما قاله من قبل، يدعي أن أساس المفاوضات هو مشروع الـ 15 مادة الأمريكي، بينما كانت إيران قد رفضت هذا المشروع صراحةً سابقاً أمام الطرف الباكستاني، وبدلاً من ذلك عرضت مشروع من 10 مادة كإطار للحوار حول وقف الحرب.
وبما أن هناك فجوةً كبيرةً بين مشروع الـ 15 مادة الأمريكي وطبيعة مشروع الـ 10 مادة الإيراني، فإن تحديد أي من المشروعين كأساس لبدء المفاوضات، يُعتبر مؤشرًا واضحًا على الكشف عن طرف المُنتصر والخاسر في هذه الحرب.
وفي الوقت الحالي، يشير معظم الخبراء والإعلاميين الدوليين وحتى الأمريكيين مثل "سي إن إن" إلى بيان هيئة الأمن القومي العليا وتصريحات المسؤولين الإيرانيين البارزين مثل وزير الخارجية والرئيس، الذين يتحدثون عن فرض إرادتهم السياسية على العدو الأمريكي. وفي الوقت الذي تجنب فيه البيت الأبيض إصدار بيان يؤكد فيه موافقة طهران على الشروط الأمريكية الـ15، إلا أن بيان هيئة الأمن القومي العليا أشار صراحةً إلى أن "الولايات المتحدة ملتزمة بشكل أساسي بعدم التوسع، والحفاظ على سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بالتخصيب النووي، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وانتهاء جميع قرارات مجلس الأمن ومجلس الحكام، ودفع التعويضات لإيران، وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية الشجاعة في لبنان."
أما الجانب الآخر من حرب الروايات السائدة حول وقف إطلاق النار، فهو الإجابة على السؤال التالي: من هو الذي طالب بوقف إطلاق النار واعتبر نفسه بحاجة إلى توقف الحرب؟
وفي هذا المجال أيضًا، تميل كفة حرب الروايات بشكل واضح لصالح إيران. وفي حين تبذل وسائل الإعلام الفارسية المعادية المقيمة في لندن جهودًا لتصوير وقف إطلاق النار كنتيجة لخوف إيران من تهديدات ترامب بضرب البنية التحتية، إلا أن معظم وسائل الإعلام الدولية تشير إلى محاولة ترامب لاستعادة نوع من الهدوء المؤقت والجزئي في سوق النفط ومنع خسائر أكبر في سوق الأسهم الأمريكي من خلال وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وهو ما يُفعل في ظل فشل كل محاولاته العسكرية لفتح مضيق هرمز، ورفض إيران أيضًا قبول وقف إطلاق النار لمدة 40 يومًا.
وقف إطلاق النار غير مستقر، والأيدي على الزناد
لا توجد أي ثقة بين المسؤولين والرأي العام الإيراني بالجانب الأمريكي في هذه المفاوضات، ليس فقط من حيث فعالية هذه المفاوضات باعتبار الهزيمة الاستراتيجية الواضحة التي منيت بها إدارة ترامب في تحقيق أهدافها الأولية من التوسع، بل وحتى من حيث صدقية سلوك الطرف الأمريكي، خصوصًا مع تجربة الخيانة والاعتداء العسكري الذي شهدها في مرحلتين سابقتين من المفاوضات.
وبالنظر إلى هذا الوضع، يؤكد المسؤولون السياسيون والعسكريون الکبار على ضرورة الحفاظ على استعداد كامل للقوات المسلحة الإيرانية، تمامًا كما كان الحال خلال الأربعين يومًا الماضية، مع بقاء الأيدي على الزناد لتقديم رد سريع وحاسم في حال تكرار أي اعتداء من الطرف الآخر.
ويقف المفاوضون الإيرانيون في ساحة الدبلوماسية بيد مسيطرة، حيث أظهرت القوات المسلحة الشجاعة والوحدة الاستثنائية التي تجمع شعوب الأمة من خلال التواجد الشعبي الداعم للجبهات، ليضعوا قدماً في ساحة المفاوضات، مطالبين أن يكون ما قام به الشعب الإيراني من فرض إرادته العسكرية على العدو الغازي، هو ذاته ما يجب أن يتحقق في المجال السياسي، أي أن يُجبر العدو الساعي للخروج من الوضع المتأزم على الانحناء أمام إيران القوية، ورفع الحصار، وتقديم ضمانات عدم الاعتداء ضد إيران وحلفائها في منظومة المقاومة.
استمرار التحكم الذكي في مضيق هرمز؛ سوق النفط في حالة ترقب
وفي هذا المناخ المليء بالغموض، الذي يمتد من حرب السرديات إلى عدم استقرار وقف النار، ما زالت إيران تمسك بورقة امتيازها الأساسية، وهي الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز. فاستمرار التحكم الذكي في هذا المضيق الاستراتيجي سيؤدي إلى فرض تفوق إيران في ثلاثة مجالات: حرب الروايات، مساحة المفاوضات، وأهم شيء، النصر النهائي في الحرب.
وبالحفاظ على هذه الورقة، أثبتت الجمهورية الإسلامية أولاً للعالم أن العدو قد اضطر للقبول بوقف إطلاق النار، لأن الهدف الرئيسي لواشنطن، وهو استعادة وضع المرور البحري في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، لم يتحقق.
وثانيًا، فإن العودة إلى الحركة تحت التحكم الذكي في مضيق هرمز تلغي الهدف التكتيكي لترامب، وهو استعادة نوع من الهدوء في سوق النفط وتخفيف التوتر في الأسواق المالية، فعلى الرغم من إعلان وقف النار لمدة أسبوعين، ما زال سعر النفط يبتعد كثيرًا عن مستواه قبل الحرب، مما يدل على عدم ثقة سوق النفط في وعود ترامب.
وثالثًا، أظهرت إيران من الآن أنها لن تسمح بعودة الحركة في هذا المضيق الاستراتيجي إلى روتينها السابق، وبالتالي تثبت أن ما سيحدث في إطار المفاوضات في باكستان، والذي وافقت عليه الولايات المتحدة أيضًا، هو مشروع إيران الـ10 نقاط، وفي هذا المشروع، تُعتبر قبول إيرادات المرور عبر مضيق هرمز في المستقبل، واحدةً من المبادئ العشرة التي اقترحتها إيران كإطار لوقف الحرب بشكل كامل.
