الوقت – يعتقد الكثيرون من الخبراء أن الألفاظ النابية تُعد آخر مراحل الغضب والانفعال عند الإنسان أمام هزيمة أو فشل، وبشكل مفاجئ، تصرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أعقاب سيطرة إيران المؤقتة على مضيق هرمز خلال الحرب، بأسلوب فجّ وفاحش. ففي تصريحات غير معتادة وخارج عن الأدب، وخلال تهديده لإيران من أجل إعادة فتح المضيق، تحدث ترامب بلغة مهينة وعنيفة، وانتهت كلماته إلى استخدام ألفاظ خشنة في وصف مضيق هرمز، وتوعد بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية.
هذه الكلمات التي خرجت على لسان ترامب لم تُلقَ بردًا في أمريكا أيضًا، فقد عبّر عنها الإعلامي البريطاني الشهير "بيير مورغان"، وهو من المؤيدين البارزين لـ "إسرائيل"، بقوله: "هذا أمر مُحرج؛ امسحه يا سيدي الرئيس ترامب، ما لم ترغب أن يعتقد الجميع أنك فقدت عقلك!".
أما السناتور الأمريكي "إد ماركي"، فقد كتب على منصة "إكس" (تويتر سابقًا) رداً على تصريحات ترامب الخشنة: "تغريدة جريئة ومليئة بالألفاظ الفاحشة، وتشير إلى تهديد بارتكاب جريمة حرب، لن تفتح مضيق هرمز، بل إن ما يفتحه هو الحوار مع إيران. ابدأ من الباب الذي تنتهي إليه عليه، يا دونالد، حتى لا يضطر الأمريكيون إلى دفع ثمن البنزين أكثر، ولا يفقد جنودنا حياتهم."
لماذا تصرف ترامب بفجاجة؟
باستثناء شخصية ترامب الشعبوية وطبيعته الفاحشة، فإن السؤال الحقيقي هو: ما الذي حدث لترامب، الذي أفاد الأسبوع الماضي بأنه لا يهتم بمضيق هرمز، ليقول الآن: "إفتحوا مضيق هرمز فورًا"؟ وقد أشار أحد المذيعين في شبكة "سي إن إن" إلى أن ترامب كان قد صرح في خطابه يوم الخميس بأنه لا حاجة لمضيق هرمز، لكنه الآن، وباستخدام لغة فاحشة، يطالب بفتحه.
الواقع أن ترامب تصرف بفجاجة من أجل فتح مضيق هرمز في ظل ظروفٍ لم تُظهر أي مؤشرات على انهيار الحكومة الإيرانية، وذلك بعد شهر من الحرب. وفي الوقت الذي كان انهيار النظام السياسي الإيراني يُعد الهدف الرئيسي لإنفاق مليارات الدولارات من قبل ترامب ونتنياهو في الحرب على إيران، فإن هذا الهدف ما زال بعيد المنال.
وبحسب تقارير نشرتها صحيفة "ديلي بنسلفانيا"، فإن العمليات العسكرية الأمريكية في إيران، منذ بدء الهجمات في فبراير وحتى الآن، أي خلال 36 يومًا، بلغت تكلفتها بين 27 إلى 28 مليار دولار. وتشير التقارير إلى أنه إذا استمرت العمليات حتى نهاية أبريل، فمن المتوقع أن تصل تكلفة الحرب خلال شهرين إلى 47 مليار دولار.
كما أشار التقرير إلى أن التكاليف المذكورة لا تشمل نحو 5 مليارات دولار من التكاليف غير المباشرة للحرب لأمريكا، وأن التقرير يقتصر فقط على "التكاليف العسكرية الفدرالية المباشرة" التي تتحملها الحكومة الأمريكية في سياق الحرب.
وأضاف التقرير: "إلى جانب التكاليف المالية، فإن تكاليف العناية الطويلة الأمد للجنود المصابين في الحرب، البالغ عددهم أكثر من 300 عسكري أمريكي حتى الآن، تُعد من التكاليف الأخرى التي تحمّلها الشعب الأمريكي بسبب الحرب التي قادها ترامب ضد إيران". ومع ذلك، وبوجود هذه التكاليف الباهظة، ظلّت الحكومة الأمريكية عاجزةً عن تحقيق أهدافها في الحرب، وبدأ يظهر ضغط من ترامب على إيران للقبول بوقف إطلاق النار وتجميد الصراع.
وبالتالي، فإن حالة الجمود في تحقيق أهداف الحرب، رغم التكاليف الكبيرة والمرهقة، تُعد من أبرز الأسباب التي أدت إلى غضب ترامب وانفعاله، مما دفعه إلى استخدام لغة فاحشة في مطالبته بفتح مضيق هرمز.
الضغوط الداخلية على ترامب
من ناحية أخرى، وفي الوقت الذي تستمر فيه الحرب ضد إيران، تتصاعد الضغوط داخل الولايات المتحدة على دونالد ترامب. فمع قرب انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي، لم يتمكن ترامب من تحقيق أي من أهدافه الأربعة الأساسية في إيران. فلم ينجح في إضعاف صناعات الصواريخ الإيرانية، ولم يُحقق أي تقدم في إحباط برنامج إيران النووي، ولم يُسيطر على النفط الإيراني، بل حتى مضيق هرمز لم يتمكن من إعادته من سيطرة إيران، بل خسره أيضًا.
وكل هذا يُظهر أن عدداً کبیراً من الأمريكيين يرون في هذه الحرب هزيمةً واضحةً، وصراعًا لم يُحقق أي أهداف استراتيجية. وهزيمة ترامب في هذا الصراع تعني، في الوقت نفسه، خسارة مقاعد أكثر لترامب ولحزبه في الانتخابات المقبلة لمجلس النواب، وهي انتخابات ستكون مرآةً واضحةً لرفض الشعب الأمريكي لحرب بلا نتائج ضد إيران.
