الوقت- بينما تحاول الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فرض ضغوط على إيران من خلال هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية، ومحاولة جرها إلى طاولة المفاوضات للحصول على تنازلات مرغوبة، يُنظر إلى استمرار هذه الحرب النفسية على أنها تهديد جدي أكثر من أي وقت مضى لشركاء واشنطن العرب في المنطقة.
في هذه الأثناء، ستتأثر المملكة العربية السعودية، أكبر دولة في الخليج الفارسي، والتي تعتمد على تصدير النفط ومنتجات الطاقة الأخرى لإدارة عجلة الحياة والاقتصاد هناك، بأضرار لا يمكن تعويضها.
في الوقت الحاضر، تتم حوالي 90 بالمئة من التجارة السعودية عبر النقل البحري، وتعتمد هذه الدولة على هذه المسارات للوصول إلى موانئها في الخليج الفارسي والبحر الأحمر.
منذ بداية الحرب واستيلاء القوات المسلحة الإيرانية على مضيق هرمز بشكل كامل، انخفضت صادرات النفط السعودية بنسبة 50%، مما تسبب في ضرر جدي لمصادر الدخل لهذه الدولة. هذا في حين أن 38 يومًا فقط مرت منذ بداية الحرب، ولم تؤثر بعد آثار إغلاق مضيق هرمز بشكل خطير على اقتصاد هذه الدول، ولكن في حال استمرار الحرب والتوترات التي تثيرها أمريكا وإسرائيل في المنطقة، ستواجه السعودية أزمة اقتصادية شديدة.
نظرًا لعدم وجود آفاق واضحة لإيقاف الاشتباكات في المنطقة ووجود تهديدات مستمرة ضد جميع الدول العربية، فقد اتخذ السعوديون تدابير اقتصادية مؤقتة لمنع حدوث أضرار فادحة في القطاعات الاقتصادية.
في هذا الصدد، أعلنت شركة الموانئ السعودية يوم السبت (4 ابريل) تمديد فترة الإعفاء من الرسوم لمدة 20 يومًا للحاويات التصديرية الممتلئة والحاويات الواردة الفارغة في ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. يسمح هذا الإعفاء للمصدرين بالاستفادة من الإعفاء من رسوم الميناء وتكاليف التخزين للحاويات لمدة 20 يومًا، مما يسهل عملية تصدير المنتجات الصناعية والبتروكيماوية.
تُظهر مثل هذه الإجراءات أن الحرب الإيرانية تؤثر بشكل ملموس على الأنشطة الاقتصادية في السعودية، وإذا استمرت الاشتباكات في المنطقة، فمن المتوقع أن تزداد آثارها السلبية بشكل ملحوظ في المستقبل.
اختناق الاقتصاد السعودي بإغلاق باب المندب
في ظل إغلاق مضيق هرمز، ومع تحذير السلطات السياسية والأمنية للجمهورية الإسلامية بأن ظروف التجارة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب حتى في حال توقف الاشتباكات، حاول السعوديون استخدام طرق بديلة خلال الأسابيع الماضية لتصدير نفطهم.
أنشأت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة خط أنابيب من الشرق إلى سواحل البحر الأحمر لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، وتُجري جزءًا من صادراتها من خلال هذا المسار. تمكنت السعودية منذ بداية الحرب من تصدير حوالي 4 ملايين برميل من النفط يوميًا عبر خطوط نقل البحر الأحمر إلى البلدان الأخرى، ولكن نظرًا لكون اليمن يشرف على مضيق "باب المندب" الاستراتيجي في البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات التجارية في العالم، فمن المرجح أن يُحجب هذا المسار البديل أيضا، وإذا قرر أنصار الله في اليمن، الذين انضموا مؤخرًا إلى المعادلات الحربية، إغلاق هذا المضيق الاستراتيجي، فستصبح الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للسعوديين.
في الوقت الذي توقفت فيه صادرات السعودية من مضيق هرمز، فإنه إذا تم استهداف المسار البحري لمضيق باب المندب أيضًا وأُغلق، فستتقلص قدرة السعودية على تصدير النفط بشكل كبير، وربما تقترب من الصفر.
حذّر مسؤولو أنصار الله مرارًا وتكرارًا من أنهم سيقومون بإغلاق باب المندب في حالة تصعيد الحرب من قبل أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، وستؤدي هذه المسألة، بالإضافة إلى إلقاءها بظلالها على الاقتصاد العالمي، إلى إلحاق أضرار بالسعوديين وغيرهم من شيوخ الخليج أكثر من غيرهم، وبعبارة أخرى، سيؤدي إغلاق مضيق هرمز وباب المندب في نفس الوقت إلى خنق الاقتصاد العربي.
تجدر الإشارة إلى أن السعودية تحقق سنويًا إيرادات من مبيعات النفط والمنتجات الطاقة تقدر بحوالي 300 مليار دولار، وإذا انقطعت هذه الإيرادات الضخمة، فقد تواجه البلاد وضعًا كارثيًا، وستبقى العديد من المشاريع الطموحة التي وضع محمد بن سلمان خططًا لإكمالها باستخدام إيرادات النفط، بدون أن تكتمل.
سيؤدي الإغلاق التام لمضيق باب المندب، الذي يعبر منه يومياً حوالي 8.8 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، إلى أكبر أزمة طاقة منذ حرب النفط عام 1973. لذا، فإن تدخل اليمن في الحرب ليس مجرد عامل تكتيكي، بل يمكن أن يتحول إلى أداة استراتيجية حاسمة في معادلة الطاقة والحرب.
التهديدات الاقتصادية لا تقتصر على تصدير النفط والطاقة، بل تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما السعودية، بشكل كبير على الواردات الأجنبية لتأمين احتياجاتها الزراعية والغذائية، وتتم معظم واردات المواد الغذائية عبر المضائق الاستراتيجية، خاصة للسلع الأساسية مثل القمح. ويمكن لإغلاق طويل الأمد لمضيقي هرمز وباب المندب أن يؤثر على تأمين احتياجات هذه الدول الأساسية.
في حال إغلاق الطرق البحرية وتراجع الإيرادات النفطية للسعودية، حتى مع توفير المواد الغذائية جواً، لن تكون هناك موارد مالية كافية لتغطية هذه التكاليف، وهو ما قد يشكل تحدياً جديّاً للرياض.
هذا الوضع يحد من خيارات اتخاذ القرار لدى السعوديين و يُظهر أن اقتصاد السعودية النفطي وغير النفطي يعتمد على إرادة إيران. قد يكون هذا السبب في حذر السعوديين في مواجهة إيران، خاصة مع النظر إلى مصير الحروب التي تحدث في هذه المنطقة.
لذا، السعوديون الذين حاولوا خلال العقدين الماضيين، بمساعدة من أمريكا والكيان الصهيوني، إضعاف قوة إيران، ويواصلون الآن تجهيز الأعداء ضدها في الحرب الحالية بمساعدات عسكرية ومالية، يجب أن يأخذوا بعين الاعتبار عواقب هذه الأعمال العدوانية. يجب على السعوديين أن يأخذوا تحذيرات إيران على محمل الجد بأن الأمن إما للجميع أو لا أحد.
وفي النتيجة، إذا أراد الحكام السعوديون القيام بمغامرات وتنفيذ خطوات تخدم الأعداء، فيجب عليهم تحمل العواقب. بالنظر إلى الاقتصاد الهش لدول الخليج الفارسي، فإن دخان هذه الأعمال العدائية سيؤذيهم بشكل أكبر، حيث أنهم يساهمون في حالة عدم الاستقرار بدلاً من السعي لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
