الوقت - بعد مرور 36 يوماً على بدء العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق أهدافهم المعلنة فقط، بل ظهرت أدلة متزايدة على وقوع أزمات استراتيجية، وانتكاسات عسكرية وسياسية واضحة للطرفين المعتديين. هذا النزاع، الذي بدأ بسلسلة من الهجمات الواسعة النطاق وقتل المدنيين الأبرياء، بما فيهم طلاب المدارس، تحوّل بسرعة إلى صراعٍ يحمل أبعاداً إنسانيةً، أمنيةً واقتصاديةً عميقةً، أثارت تفاعلات متنوعة في وسائل الإعلام الدولية.
وقد حاولت وسائل الإعلام العالمية، كل بحسب منظورها الخاص، أن تشكّل روايتها عن هذه الحرب؛ وإن كان تحليل هذه الانعكاسات قادراً على تقديم رؤية أوضح لواقع الوضع ومستقبله.
وسائل الإعلام الغربية
كتبت غارديان في تقرير لها بعنوان "الحرب التي يخوضها ترامب ضد إيران الآن تجاوزت كل الحدود والقواعد"، وقالت: "في عالم مختل وغير منضبط، نحن الآن أمام مشهد مؤسف: هناك لاعبان مزودان بالسلاح النووي، يدخلان في حرب لمنع دولة ثالثة من امتلاك سلاح مشابه؛ حرب تسببت، حسب ملاحظة ديفيد تايلر، في اضطراب وموت وخراب في الشرق الأوسط، وجلبت عدم الاستقرار والنتائج غير المتوقعة إلى بقية مناطق العالم. إذا كان هذا هو النظام العالمي الجديد؛ النظام الذي يسمح فيه للدول بالاختيار الحر في تدخلاتها واحتلالاتها المستقبلية، فإن هذا الوضع يمكن أن يُعتبر ضوءًا أخضر للاعبين الآخرين، مثل الصين تجاه تايوان، وإسبانيا في قضية جبل طارق، والأرجنتين تجاه جزر فوكلاند."
ويقترح الكاتب أن المسؤولية الآن تقع إلى حد كبير على عاتق المواطنين العاديين، ويجب أن يأخذوا الإلهام من حملة النجاح في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث لعبت العقوبات على السلع والرياضة، وخاصةً لعبة الكريكيت، دورًا فعّالًا في تغيير الرأي العام. بناءً على ذلك، يرى أن الابتعاد عن استخدام السلع والخدمات الأمريكية والإسرائيلية، مع الانسحاب من مباريات كأس العالم الصيفية القادمة، يمكن أن يدفع تدريجيًا الطرفين إلى إعادة النظر في نهجهما التصادمي تجاه الرأي العام العالمي.
أما مؤسسة المجلس الأطلسي في تقريرها بعنوان "الهجوم على البنية التحتية للطاقة والمياه في إيران ليست استراتيجيةً للانتصار"، فقد كتبت: "الرئيس الأمريكي يحاول إجبار إيران على قبول مطالبه، وحذّر من أن أي تسوية لا تُحسم، ستقود إلى هجمات إضافية على البنية التحتية الإيرانية. قد تكون هجمات الولايات المتحدة على البنية التحتية الإيرانية ناجحةً من الناحية العسكرية؛ لكن في المقابل، قد تكون هجمات إيران على البنية التحتية للدول الخليجية أيضًا ناجحة، في حين أنه من غير المرجح أن تتمكن إيران من الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا تمامًا أو تمرّ بتطورات دون رد فعل. وفي مثل هذا السيناريو، من المرجح أن تسعى إيران إلى تقديم نفسها كطرف المنتصر، وتظهر ترامب كخاسر في هذا التصادم. ومن ثم، فإن حكومة ترامب بحاجة إلى استراتيجية مختلفة لتحقيق نتيجة."
کما كتبت شبكة "إن بي سي نيوز" في تقرير لها: "أقل من 48 ساعة بعد أن أخبر دونالد ترامب الأمريكيين أن جيش الولايات المتحدة "هزم إيران ودمّرها تمامًا"، أسقطت إيران طائرةً مقاتلةً أمريكيةً؛ وهو حدث أدى إلى دخول القوات الأمريكية في عملية خطرة لإنقاذ جنديين في عمق الأراضي الإيرانية. كما استهدفت إيران طائرتين مروحيتين من نوع "بلك هاوكر" وطائرة مقاتلة تشاركية شاركت في عملية البحث والإنقاذ.
هذا الهجوم على الطائرة المقاتلة الأمريكية في يوم الجمعة، كان أول حادث من نوعه خلال عقود، حيث تسقط طائرة أمريكية بنيران معادية وينجو أحد العسكريين الأمريكيين، بينما استمر الجيش الأمريكي في البحث عن العسكري الثاني.
وبحسب ما ذكره مسؤول أمريكي، فإن من كانوا على متن المروحية "بلك هاوكر" تعرضوا لإصابات بسيطة، بينما نجح قائد الطائرة المقاتلة "إي-10 تاندربولت" في الهبوط بسلام في مساحة جوية كويتية.
وقد تصبح هذه الأحداث نقطة تحول محورية في الحرب من وجهة نظر الأمريكيين؛ لأن الرواية الرسمية من البيت الأبيض، التي تؤكد على النجاحات العسكرية الأمريكية وتقلل من التهديدات المتبقية من جانب إيران، تتعارض الآن مع واقع الميدان المرير."
أما شبكة "سي إن إن" في تقريرها بعنوان: "سقوط الطائرات يُلقي بظلال الشك على ادعاءات ترامب وهيغست حول الهيمنة الجوية"، فقد كتبت: "سقطت طائرة مقاتلة أمريكية فوق إيران، ثم سقطت طائرة أخرى بعدها؛ حدثان ينفيان ادعاءات دونالد ترامب وبيت هيغست حول التفوق الجوي الكامل والسيطرة غير القابلة للاختراق على إيران من الناحية العسكرية.
رغم أن الخسائر البشرية الأمريكية كانت محدودةً، فإن هذه الأحداث تُظهر مخاطر الحرب غير المتكافئة، وتُضعف ادعاءات الحكومة حول النجاح العسكري النهائي. وفي الوقت نفسه، ما زال الدعم العام منخفضًا، لأن المخاوف الاقتصادية وعدم وضوح أهداف الحرب، زادت من الشكوك حول استمرار هذا الصراع."
وسائل الإعلام العربية والإقليمية
تناولت قناة "الجزيرة" في تقريرها عوامل نجاح إيران في إسقاط الطائرات المقاتلة الأمريكية المتقدمة في يوم الجمعة، وكتبت: "في تطور لافت ضمن الصراع العسكري الجاري في الشرق الأوسط، أفادت مصادر أمريكية وإيرانية بأن طائرة مقاتلة أمريكية من نوع "إف-15" سقطت داخل الأراضي الإيرانية، كما أصيبت مروحيتان. كما تم تداول أنباء عن سقوط طائرة مقاتلة أمريكية أخرى."
يرى الخبراء العسكريون أن أسباب هذا الحادث قد تكون قرب الطائرة من سطح الأرض خلال هجومها الدقيق، أو خطأ تقني أو بشري، أو أداء أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية المتقدمة مثل "إس-300" و"باور 373" (15 خرداد). وأكدوا أن هذا الحدث يُلقي بظلال الشك على ادعاءات الولايات المتحدة بشأن الهيمنة الجوية المطلقة في سماء إيران، ويُظهر تعقيدًا وغموضًا في بيئة القتال.
وأشاروا إلى أن مستقبل العمليات العسكرية يعتمد على طبيعة التهديد الإيراني. فإذا عادت أنظمة الدفاع الجوي إلى كفاءتها، فإن ذلك قد يُغير قواعد المواجهة. أما إذا كان الحدث فرديًا، فإن تأثيره سيظل محدودًا، رغم أنه يحمل رسائل تحذيرية واضحة.
وفي مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" بقلم "أنتوان دوحي"، تناول الكاتب التحديات المزدوجة التي يواجهها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب". من ناحية، الحرب مع إيران، ومن ناحية أخرى، صراع داخلي عميق بين التيار الجمهوري المتطرف القومي والخط الديمقراطي الليبرالي المتعدد.
وبحسب الكاتب، فإن هذا الانقسام لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى الهوية، القيم، والمجتمع، وتأثيره امتد حتى إلى أوروبا الغربية. وشرح كيف ساهم هذا الانقسام في تغيير سياسات الشرق الأوسط، وقارن بين نهج إدارة أوباما (التهدئة مع إيران ودعم الإخوان المسلمين) ونهج إدارة ترامب (التصادم الجذري مع إيران)، الذي أدى في النهاية إلى الحرب الحالية، التي يرى الكاتب أنها تُعد من أخطر النتائج في نصف قرن.
أما قناة "المسيرة"، فنشرت مقابلةً مع الاقتصادي "حسن مقلد"، حيث كتبت: "دخل اقتصاد الکيان الصهيوني أسوأ وضع منذ عقود، مع ركود بنسبة 2.5% في الربع الأول من العام الجاري، واحتمال وصوله إلى 9.5% إذا استمرت الحرب."
ومن بين الخسائر: أكثر من 76 ألف شركة تضررت أو انهارت، خسائر يومية تقدّر بـ2 إلى 2.5 مليون دولار، إغلاق ميناء إيلات، توقف 30% من النشاط في الشمال بسبب الجبهة اللبنانية، وبُروز أزمة طاقة بعد استهداف مصفاة حيفا. وقال مقلد إن هذه الأزمة تُشكل عبئًا وجوديًا على النظام، وإنه حتى توقف الحرب لن يُعيد الأمور إلى طبيعتها بسرعة. وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 118 دولارًا، وديون الولايات المتحدة البالغة 2.2 تريليون دولار، وأزمة الطاقة الأوروبية، هي من بين التأثيرات العالمية للحرب.
وفي مقال نشرته صحيفة العهد بقلم "جهاد حيدر"، أكدت الصحيفة على أن تأثير مقاومة لبنان في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل لم يكن محصورًا في النتائج المباشرة على ساحة الميدان فحسب، بل كان أهم من ذلك: أنه "أعاد تشكيل هيكل التقديرات والحسابات العدوّ".
قبل هذه الحرب، كان الاعتقاد السائد أن حزب الله لن يتمكن من الدخول في مواجهة واسعة بسبب قيوده، لكن المقاومة أثبتت عمليًا أن هذا الافتراض خاطئ. فالقوة الحقيقية للمقاومة ليست في القصف الشديد، بل في "قدرته على الاستمرار تحت الضغط دون أن يهتز".
هذا الأسلوب أربك توقعات العدوّ، وقلّل من رغبته في توسيع احتلاله، وجعل خطاب المعارضة للمقاومة داخل لبنان في أزمة اعتماد. نتيجةً لذلك، تمكّن المقاومون من إنشاء توازن جديد مبني على فهم متبادل لحدود الإمكان.
کما أن الإنجاز الأكبر هو أن المقاومة لم تغيّر فقط قدراتها، بل "غيّرت أيضًا تصور الآخرين عن هذه القدرات"، وبالتالي، أعادت تعريف معادلات اتخاذ القرار في المستقبل.
وفي تقريرها، تناولت "الميادين" موضوع "كسب الأرباح من الحرب على إيران" من قبل أبناء الرئيس الأمريكي، وكتبت: "إريك ودونالد ترامب جونيور"، ابنا دونالد ترامب، مُتهمان بالسعي إلى تحقيق مكاسب مالية من الحرب التي بدأها والدهما، وذلك عبر شركة "باوروس"، التي انضما إليها حديثًا، ويتطلعان لبيع طائرات مسيرة مراقبة إلى الدول الخليجية.
تتم هذه المبيعات في ظل ظروفٍ تتصاعد فيها التوترات، حيث قاد ترامب حديثًا سلسلة هجمات على إيران بالتنسيق مع "إسرائيل"، مما زاد من التوترات الإقليمية وجعل الدول الخليجية متوترةً من أمنها. هذان الابنان يستغلان بالضبط هذا المناخ من الخوف والرغبة في "الحماية" لتسويق منتجاتهم.
"ريتشارد بينتر"، المستشار الأخلاقي السابق في البيت الأبيض، أعرب عن رفضه الشديد لهذا التصرف، ووصفه بأنه "غير مسبوق في التاريخ". وبحسب قوله، لأول مرة في التاريخ، يحقق أفراد من عائلة رئيس أمريكي "أرباحًا ضخمةً مباشرةً من حرب لم تُوافق عليها الكونغرس".
والمُنتقدون يرون أن الدول الخليجية تحت ضغط حقيقي لشراء المعدات من أبناء ترامب، ليس فقط لتأمين نفسها، بل أيضًا لضمان رضا الحكومة الأمريكية وتحقيق مصالح والدهم السياسية. ويعتبرون هذا الملف مثالًا صارخًا على "التناقض الواضح بين المصالح الشخصية والمسؤولية الوطنية"، وتجسيدًا لجعل أزمةٍ عسكرية ربحاً تجاریاً.
وکتب برجان توتار، كاتب في جريدة صباح التركية: "إن الحرب مع إيران وبُروز أزمة مضيق هرمز، في الأسبوع الخامس فقط من تطوراتها، قد هزت العديد من الافتراضات الإقليمية والعالمية، وربما تستمر في هزّها. الموجة من الهجمات التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي ترافقها تدمير البنية التحتية المدنية، قد تحولت في الوقت ذاته إلى حربٍ ضد الإنسانية."
وأضاف: "المسار الذي تتخذه هذه الحرب، واحتمالية تحولها إلى أزمة عالمية، يُعيد إلى الأذهان مبادئ مهمة طرحها عالم المستقبل "آمارا" في السبعينيات. فقد قال آمارا في عصر الرياح العاتية من الابتكار الذي غطى العالم: "نحن نميل إلى تضخيم تأثيرات التكنولوجيا على المدى القصير، ونُقلل من تأثيراتها على المدى البعيد، وفي كلا الحالتين، يجب أن نكون معتدلين وواقعيين."
وإذا نظرنا إلى الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران من هذا المنظور، فنرى أن التكاليف القصيرة المدى، مثل أزمة الطاقة، انخفاض إمدادات الصناعات البترولية، اضطراب سلاسل توريد الأسمدة الكيميائية، وارتفاع التضخم العالمي، ليست سوى جزء من المعادلة. أما التأثيرات طويلة المدى، فهي أعمق وأكثر حدةً، ولا يبدو أن هذا تفاؤل زائد.
کذلك، كتبت سويل نوري أووا، في صحيفة "تركيا" (Türkiye Gazetesi): "النتائج المتوقعة من المسار المشترك الذي تسلكه الولايات المتحدة وإسرائيل، خرجت الآن من إطار التنبؤ. الواقع الميداني يُظهر بوضوح أن الأمور لا تسير كما تم التخطيط لها. وفي هذا السياق، تظهر مقاومة إيران كعاملٍ حاسم ومحوري."
وأردفت: "الموقف الذي أظهرته الحكومة والنظام السياسي الإيراني، قد أعاد تحديد العديد من الافتراضات الثابتة، خاصةً نسيج المجتمع الإيراني وردود أفعاله الاجتماعية، التي لم تتوافق مع حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا، تظهر تناقضات واضحة في تصريحات وتحركات دونالد ترامب، التي تُظهر أنها مرتبطة مباشرةً بهذه المقاومة غير المتوقعة."
وسائل الإعلام الصينية والروسية
في تقرير نشرته شبكة "سي جي تي إن الصينية"، تناولت دور الصين المحتمل كوسيط في الحرب الأخيرة، وكتبت: يقول "وانغ جين" من جامعة نورثويست الصينية: "إن الولايات المتحدة دخلت الحرب ضد إيران بشكل مباشر، وطلباتها المتكررة للحوار تبدو منعدمة الصدق. في الوقت نفسه، تحقق روسيا وعدد من الدول الأوروبية أرباحاً من ارتفاع أسعار النفط، أو تُدين إيران بقسوة لإغلاقها مضيق هرمز." وفي هذه الظروف، ظهرت "الصين" كطرف وسيط أكثر ملاءمةً، وقامت بدور بناء وفعّال.
ويضيف "تشين تيان" من مؤسسة دراسات العلاقات الدولية الصينية: "العلاقات غير القوية بين بعض الدول النامية والأوروبية وإيران، جعلت من دورها في دفع الحوار وخفض التوترات أقل فاعليةً."
ويقول "وانغ يي-وي" من جامعة رنمين الصينية: "الاتحاد الأوروبي يشعر هذه المرة بخيبة أمل حقيقية، لأن الولايات المتحدة نفذت عمليات عسكرية ضد إيران دون استشارة أو إبلاغ. الأوربيون يرون الآن في الصين اللاعب الوحيد الذي يمكنه تضمين جميع الأطراف المعنية، خاصةً مع زيارة ترامب المرتقبة للصين، ومع استضافة بكين للقمة الثانية بين قادة الصين والدول العربية في نهاية هذا العام."
من جانبه، كتبت وكالة سبوتنيك الروسية أن "كارن كوياتكوفسكي"، الموظف السابق في البنتاغون الذي تحوّل لاحقًا إلى كاشف للسرديات، ادعى أن إقالة الجنرال "رندي جورج" وقائدان عسكريان رفيعان آخران من قبل "هيغست" (وزير الدفاع الأمريكي)، تُظهر "زيادة في الفساد داخل وزارة الدفاع في وسط الحرب مع إيران".
ويضيف كوياتكوفسكي: "الجنرالات الذين تم إقالتهم كانوا يمتلكون خبرة عملية وفهمًا عميقًا لمستوى الاستعداد والرؤية لدى الجنود الشباب. هؤلاء القادة يرون الحرب ضد إيران "غير قانونية وغير ضرورية"، ويؤكدون أن وراءها دوافع سياسية وذاتية، وضغوط إسرائيلية." ويقول: "هيغست يفتقر إلى مهارات القيادة، ويُعامل الجنود بغير احترام، و"يستخدم حتى التعاليم الدينية كذريعة للقتل"، مما أدى إلى وجود نفور واسع بين صفوف الجيش."
ويضيف كوياتكوفسكي أن السبب الرئيسي لعملية التطهير هذه هو "خوف هيغست من المقاومة المؤسسية والسياسية داخل الجيش" ضد شخصيته. ويحذر من أنه إذا تأثر 10 إلى 20 في المئة من الجيش بهذه النزعات، فإن البنتاغون لن يبقى قوة عسكرية موثوقة، حتى لو تم تعيين جنرالات "مطيعين" مكان المقالين. ويشير إلى أن "الثقة في سلسلة القيادة قد تهدمت"، وأن هيغست يحاول إعادة بناء الثقة عبر الاعتماد على أتباعه المقربين.
بدوره قال دكتور حسن سليم أوزرتم، وهو محلل أمني مقيم في أنقرة، لوكالة سبوتنيك: "من الناحية العملية، يُعدّ فتح مضيق هرمز بالقوة أمرًا مستحيلًا على البنتاغون، لأن إيران تمتلك "أطول ساحل في الخليج الفارسي"، كما تمتلك القدرة الصاروخية والطائرات المُسيرة الكافية لضمان السيطرة على المضيق."
وأضاف أوزرتم: "إذا نشرت الولايات المتحدة قوات برية في المنطقة، حتى في مناطق محدودة مثل جزيرة خارك أو الجزر القريبة من مدخل مضيق هرمز، فإن "الاحتفاظ بتلك المناطق سرعان ما سيتحول إلى كابوس"، لأنها ستكون معرضةً للهجمات القادمة من الأراضي الإيرانية." في الواقع، أمام واشنطن خيارين فقط: إما "حل الأزمة عبر الدبلوماسية"، أو "إلحاق الهزيمة العسكرية بإيران". ولكن تحقيق الخيار الثاني أكثر صعوبةً مما يُقال، لأن إيران تمتلك القدرة الكافية على المقاومة، وتفوقها في المدى القصير أمرٌ غير ممكن.
وكتبت راشا تودي، في تحليلها حول مستقبل سوق النفط: "بسبب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ارتفع سعر النفط بشكل حاد. ووصل سعر النفط الخام "برنت" الفعلي (Dated Brent) إلى "141.37 دولار للبرميل"، وهو أعلى مستوى منذ أزمة المالية العالمية لعام 2008. في الوقت نفسه، بلغ سعر العقود الآجلة لبرنت حوالي "109 دولارات"، مما يعكس فجوةً تصل إلى "32 دولارًا"، تُظهر شدة نقص العرض في السوق الفعلي."
وأضافت: "المحور الرئيسي للأزمة هو مضيق هرمز. تراجع عدد ناقلات النفط التي تمر يوميًا من المضيق من حوالي 130 ناقلة إلى أقل من 10. والآن، يمكن فقط لسفن من الصين والهند وباكستان وأفريقيا الجنوبية، بموافقة الحرس الثوري الإيراني، المرور عبر المضيق." الخيار العسكري الأمريكي لفتح المضيق وُصف بأنه عمليًا مستحيل، ويقول الخبراء إن "ركودًا عالميًا عام 2026 لا يمكن تجنبه"، وأن الدول المستوردة للطاقة ستتلقى ضربةً قويةً. وإذا استمرت الحرب حتى شهر يونيو، فإن احتمال وصول سعر النفط الآجل إلى "200 دولار" ليس مستبعدًا.
وبحسب تقرير راشا تودي، قال تاكر كارلسون، المُقدّم الأمريكي المحافظ، في بودكاسته: "الحرب مع إيران تُنهي "إمبراطورية الولايات المتحدة". وأشار إلى تصريحات ترامب الذي طلب من حلفائه أن يتحملوا "قيادة فتح مضيق هرمز" بأنفسهم. ومن وجهة نظر كارلسون، هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد قادرةً على أداء دور "الشرطة العالمية".
وقال كارلسون: "الدولة التي تُحافظ على النظام في الخليج الفارسي، تُدير العالم فعليًا." وأضاف: "لقد تولّت الولايات المتحدة هذا الدور منذ الحرب العالمية الثانية، لكن أزمة مضيق هرمز أظهرت أنها لم تعد قادرةً على ذلك. حتى لو دُمرت إيران بالكامل، فإن الجنود الباقين يمكنهم بسهولة تعطيل الممر باستخدام الألغام والطائرات المُسيرة."
وخلص كارلسون إلى أن نهاية الإمبراطورية الأمريكية أمر مؤلم، لكنها ليست نهاية الولايات المتحدة. ويرى أن أمريكا يمكن أن تركز على "النصف الغربي للكرة الأرضية"، ولا تحتاج بعد الآن إلى احتلال الدول البعيدة.
وسائل الإعلام الصهيونية
كتبت صحيفة إسرائيل هيوم: "إن الاشتباك الذي أدّى إلى سقوط طائرة أمريكية في سماء إيران، أثار قلقًا جديًا داخل القوات الجوية الإسرائيلية. يُحذّر الطيارون الإسرائيليون من أن خطر السقوط موجود في كل مهمة، حتى لو لم ترتكب أي أخطاء. وعلى الرغم من أن إسرائيل مستعدة لسيناريوهات سقوط الطائرات فوق أراضي العدو، فإن أبعاد هذه الحوادث أعقد مما يُقدّر. القلق الأكبر لدى الطيارين هو أن طائرة إسرائيلية مدنية قد تصبح هدفًا في سماء إيران. يقول الطيارون إن هذا الأمر يعتمد على الاحتمالات والإحصاءات."
وأضافت الصحيفة: "في الأسابيع الأخيرة، تم اكتشاف عيوب فنية في عدد من المقاتلات الإسرائيلية. يمتلك الطيارون معدات إنقاذ ذاتية ومُجهزة. وبعد هذه الحادثة، من المتوقع أن تقوم القوات الجوية الإسرائيلية بتحليل عميق لخفض المخاطر في العمليات المستقبلية فوق إيران. في الوقت الحالي، تقوم الولايات المتحدة بعمليات الإنقاذ بشكل منفرد، بينما تراقب إسرائيل التطورات فقط."
وفي تحليل نشرته صحيفة معاريف، اعترفت الصحيفة بارتباك واشنطن وتل أبيب في التعامل مع إيران، وكتبت: "في إسرائيل، يُقدّر أن استمرار الحرب مع إيران يجعل احتمال وقوع احتجاجات داخلية في هذا البلد بعيدًا. ترغب إسرائيل في زيادة الضغط عبر تنفيذ ضربات مُحددة على البنية التحتية الحيوية لإيران، مثل الكهرباء والمياه والغاز والمحطات النووية ومحطات تحلية المياه. لكن الولايات المتحدة تعارض هذا النهج."
وأضافت: "واشنطن قلقة بشأن رد فعل إيران على البنية التحتية النفطية في الدول الخليجية، ومن امتداد النزاع إلى مناطق أبعد. في الوقت الحالي، تكمن الخلافات الأساسية بين واشنطن وتل أبيب في طريقة تكثيف الضغط: إسرائيل تسعى لتوسيع دائرة الأهداف، بينما تطالب الولايات المتحدة بالاحتواء لتجنب اندلاع نزاع واسع النطاق. كلا الطرفين يبحثان عن "صيغة وسط": لا "إشعال المنطقة كلها"، ولا الرضا عن أهداف تُقلّص تأثير الضربات."
وبحسب تقرير نشرته وكالة "واي نت نيوز"، فإن مصادر استخباراتية أمريكية تشير إلى أن إيران عادت خلال ساعات قليلة من بعد الغارات الأمريكية والإسرائيلية، إلى إصلاح منصات إطلاق الصواريخ وتحصين مخابئها تحت الأرض، ورجعت بها إلى حالة جاهزية قتالية. كما أن إيران ما زالت تمتلك مخزونًا هامًا من الصواريخ ومنظومات الإطلاق المتنقلة. ولا تستطيع الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية تقييم دقيق لعدد المنصات الباقية، لأن إيران تستخدم عدداً كبيراً من المنصات الوهمية والخادعة، ومن غير الواضح كم من المنصات كانت حقيقيةً وتم تدميرها. وللحماية من الضربات، تنقل إيران منصاتها إلى مخابئ وکهوف آمنة. ورغم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت، فإن إيران ما زالت تمتلك القدرة على توجيه ضربات إلى "إسرائيل" وبقية دول المنطقة. وبحسب تقرير شبكة "سي إن إن"، فإن إيران ما زالت تسيطر على نصف منصات إطلاق الصواريخ تقريبًا."
وكتبت صحيفة "معاريف": "بعد تصريحات مسؤولي الجيش الإسرائيلي التي أفادت بأن "إضعاف حزب الله" هدف واقعي غير ممكن، وأن الهدف الحقيقي هو تفكيك سلاح الحزب في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، أبدى سكان شمال إسرائيل استياءً واسعًا وشعورًا عميقًا بالخيبة، مما زاد من التوترات الداخلية داخل المجتمع الصهيوني. ويقول الصهاينة إن إسرائيل لم تفِ بوعودها مجددًا، وتركتهم وحدهم في وجه الخطر."
ويضيف السكان: "بعد أن أُخبرنا أن حزب الله قد تم تدميره، نجد الآن أن الحديث يدور عن إدارة التهديد بدلًا من إنهائه، وهو ما ليس سوى تأجيلًا للمرحلة القادمة من الصراع."
وأكّد عدد من المسؤولين المحليين وسكان مستوطنات مثل "ميتولا"، "شلومي"، "كريات شمونا"، ومنطقة "الجليل"، أن تفكيك سلاح حزب الله يجب أن يكون الهدف الرئيسي للحرب. ويحذرون من أن عدم تحقيق ذلك سيؤدي إلى هجرة السكان من شمال إسرائيل، ويصفون الوضع النفسي بأنّه مأساوي، وحياتهم تحت نيران الرصاص. ويؤكدون أن ثقتهم بالحكومة وبالجيش قد انتهت تمامًا، ويطلبون اتخاذ قرارات واضحة ونهائية تنهي تهديد حزب الله، لا مجرد هدوء مؤقت ووهمي."
کما كتبت "واي نت نيوز" في تقرير لها: "هيغست، وزير الدفاع الأمريكي، منذ بداية الهجمات العسكرية على إيران، استخدم لغةً دينيةً حادةً، ودعا إلى الصلاة باسم يسوع المسيح من أجل النصر العسكري الأمريكي. وقد أثار هذا الموقف ردود فعل غاضبة، من ضمنها من البابا الـ14، الذي لم يذكر هيغست باسمه، لكنه قال إن مهمة المسيحية تتعارض مع "الهيمنة والاستبداد".
ويحمل هيغست صليب أورشليم على جسده، وعبارة "هكذا يريده الله" (شعار الحملات الصليبية) محفورة عليه، ويصف فصل الدين عن الدولة بأنه "أسطورة يسارية". ويُعتبر جنديًا مسيحيًا ملتزمًا، ويقول إن القادة الأمريكيين السابقين كانوا يطلبون الصلاة من أجل الجنود أيضًا.
لكن الانتقادات المتزايدة تشير إلى أن هيغست ينظر إلى الحرب مع إيران على أنها "معركة كونية" بين الخير والشر، وهو ما قد يعقّد العلاقة بين الكنيسة والدولة، ويُثير استياء الجنود غير المسيحيين أو غير المؤمنين. وقد زادت انتقادات حول تطرفه وانحيازه الديني، رغم دفاع البنتاغون عنه.
