الوقت - بينما يحاول دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، التحكم مؤقتًا في التذبذب السعري في الأسواق العالمية من خلال تصريحاته الكاذبة حول الحرب على إيران، فإن هذا السلوك في الأسبوع الخامس للحرب لم يعد فعّالًا. يعود ترامب كل يوم إلى خطاباته ليكرر نفس الكلمات، ورغم أنه أشار إلى أن لديه خطابًا مهمًا جدًا عن الحرب على إيران في صباح يوم الجمعة، إلا أن هذا الخطاب الذي استمر 22 دقيقة لم يكن سوى تكرارًا للتصريحات السابقة، مما أثار موجةً من ردود الفعل السلبية داخل الولايات المتحدة.
في خطابه، كرر ترامب مرةً أخرى ادعاؤه بأن الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين في بلاده مؤقتة، وبدون الإشارة إلى الفشل في إقناع إيران بقبول طموحاته الزائدة، اتهم طهران مجددًا بأنها مسؤولة بالكامل عن ارتفاع أسعار الوقود.
ولتبرير هزيمته في عدم دعم الحلفاء والشركاء التقليديين في قضية مضيق هرمز، ادعى ترامب: "الولايات المتحدة لا تستورد أي نفط من هذا الممر، ولن تحتاج إليه في المستقبل". وأضاف الرئيس الأمريكي أن بلاده الآن في أقوى حالاتها، وأن القوات المسلحة الأمريكية حققت خلال الأسابيع الأربعة الماضية انتصارات سريعة وحاسمة في ساحة المعركة.
وكرّر ترامب تصريحاته المتكررة في الأسابيع الأخيرة، وادعى أن الأهداف الاستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة في هذه الحرب على وشك التحقق. وأعلن عن انتهاء الصراع في المستقبل القريب كي يظهر أنه حقّق ما كان يريده من إيران.
ومثلما اعتاد، هدّد ترامب إيران هذه المرة أيضًا باستهداف البنية التحتية لفرض الضغط عليها، لكن هذه التصريحات التي أُعلنت بهدف جذب الدعم الداخلي وتحييد موجة التدخلات السلبية المناهضة للحرب مع إيران، أدت إلى نتيجة عكسية.
ردّ الفعل السلبي للأسواق والرأي العام على تصريحات ترامب
خطاب ترامب الذي كان من المفترض أن يقلل من أسعار النفط، علی خلاف ادعاءاته، سبّب فورًا ارتفاعًا بحوالي 5 دولارات، مما أظهر أن الأسواق المالية والنفطية لم تعد تستجب لتصريحات وسلوكيات ترامب، وأن هذا التكاذب المتكرر لا يمكن أن يُحدث تأثيرًا إيجابيًا على الأسواق. فأسعار النفط في الأسابيع الماضية، بعد ادعاءات ترامب بقرب انتهاء الحرب ومفاوضات مع إيران، كانت تنخفض لبضع ساعات، لكن مع كشف زيف تصريحاته التي هدفها الوحيد هو التحكم وإدارة الأسواق، أصبحت أسعار الطاقة الآن تتجاهل هذه التصريحات.
وأكّد العديد من الخبراء والمسؤولين الأمريكيين في ردّهم على هذه التصريحات أن كلام ترامب يُظهر أنه غارق تمامًا في المستنقع الإيراني، ولا يملك أي طريقة للخروج من هذه الحرب.
وقال تشاك شومر، زعيم الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأمريكي: "لم يُلقِ الرئيس خطابًا حربيًا غير مترابط وعديم الربط وناقص التنسيق أكثر من هذا الخطاب. إن إجراءات ترامب تجاه إيران ستكون واحدةً من أكبر الأخطاء السياسية في تاريخ بلادنا". کما صرح تشريستوفر فان هولن، سناتور أمريكي آخر: "الشيء الوحيد الذي يمكننا توقعه هو المزيد من كذبات ترامب، وهذا الرجل المهووس يُشكّل خطرًا على بلادنا وعلى العالم".
رغم محاولات ترامب إظهار أمريكا كدولة منتصرة في مواجهتها مع الجمهورية الإسلامية، فإن الشعب الأمريكي يرى الحقيقة الميدانية بعينيه، ويحسّ بتأثيراتها السلبية على حياته اليومية. فارتفاع أسعار الوقود في أمريكا خلال الأسابيع الخمسة الماضية، الناتج عن سياسات ترامب التوسعية، ليس شيئًا يمكن للشعب الأمريكي تجاهله.
والفيديوهات التي تُنشر عبر الشبكات الافتراضية من قِبل المواطنين الأمريكيين تُظهر أن أسعار الوقود تزداد باستمرار، بينما يدّعي ترامب يومًا بعد يوم أمام الكاميرات أن كل شيء يسير على ما يرام ولا يوجد أي قلق في هذا المجال. إن واحدةً من هذه الفيديوهات، نُشرت من قبل مواطن أمريكي يبكي وهو يتحدث عن أسعار الوقود، ويقول إنه لا يستطيع دفع المزيد من المال مقابل البنزين، وربما سيشتري حصانًا بدلاً من استخدام السيارة ليذهب إلى عمله.
رغم محاولات ترامب تحميل الجمهورية الإسلامية مسؤولية ارتفاع أسعار النفط والبنزين، معتبرًا أن ذلك نتيجة إغلاق مضيق هرمز واعتداءات على ناقلات النفط، إلا أن وسائل الإعلام الأمريكية مثل "إم إس إن بي سي" سخرت من هذه التصريحات، وكتبت أن هذه الأزمة كانت متوقعةً منذ زمن، وأن الولايات المتحدة و"إسرائيل"، رغم علمهما بهذه المسألة، أطلقتا الحرب ضد إيران، وبالتالي فإن المعتدي هو السبب الحقيقي للوضع، وليس إيران.
لقد كرّر ترامب في جميع خطاباته هذه العبارات مرارًا وتكرارًا: "لقد حققنا أهدافنا في إيران"، "لقد غيّرنا النظام"، "لقد دمرنا برنامجها النووي"، و"لقد دمرنا الجيش والقوة البحرية لإيران"، لكن هذه الكلمات أصبحت مملةً للشعب الأمريكي، ولا يثق بها أحد الآن.
حاول ترامب في خطابه الأخير تهدئة موجة المعارضة الداخلية ضد التوسع في الحرب مع إيران، لكن في ظل عدم استقرار الأسواق المالية والطاقة، والتي تُحدث خسائر هائلة يومًا بعد يوم على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، لم يعد أحد يؤمن بهذه الكلمات المتكررة. ولقد أظهرت التجربة أن الرأي العام يؤمن بما يراه في حياته اليومية، وليس بما يحاول السياسيون في البيت الأبيض إقناعه به.
الشعب الأمريكي، حتى في قضية الحرب في أوكرانيا، حيث هاجمت روسيا حليف الغرب، تظاهر في الشوارع معارضًا، معتبرًا أن هذه الحرب لا علاقة لها بواشنطن، والآن يدينون التوسع في الحرب ضد إيران، ويطلبون التوقف الفوري عنها.
من وجهة نظر المسؤولين والرأي العام الأمريكي، فإن الحرب ضد إيران بدأت من أجل خدمة مصالح الصهيونية، ويقولون إنهم لا يريدون أن يُقتل جنودهم من أجل "إسرائيل". ومن منظور الرأي العام، فإن هذه الحرب لم تُحقق أي إنجاز، بل أصابت الاقتصاد الأمريكي بخسائر تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وخفضت قيم أسهم الأسواق المالية بمليارات الدولارات، ويمكن أن تستمر الضغوط على الأمريكيين إذا استمر هذا الوضع.
كما حذّر الخبراء الاقتصاديون من أن إغلاق مضيق هرمز في الأسابيع القادمة، قد يرفع أسعار النفط والوقود في الغرب إلى أعلى مستوياتها، وهو أمر سيحتاج إلى سنوات لتعويضه. وبالإضافة إلى الشعب، فإن العديد من الخبراء والسياسيين في هذا البلد ينتقدون بشدة ترامب، معتبرين أنه تعرّض للإهانة في الحرب ضد إيران، والآن دون أي استراتيجية واضحة لمواصلة المسار، يسعى فقط إلى طريقة للهروب من المستنقع.
ترامب، الذي كان يدّعي قبل بدء الحرب أنه يريد تقوية إيران، يهدّد الآن، بعد الهزيمة في ساحة المعركة، بأنه سيعيدها إلى العصر الحجري، ولذلك، من وجهة نظر وسائل الإعلام العبرية-الغربية، فإن هذه التصريحات تدل على اليأس والانكسار أكثر مما تدل على الثقة، في أزمةٍ لا تُرى لها نهاية في الظروف الحالية.
