الوقت - في الوقت الذي زعم فيه دونالد ترامب مراراً بأن القدرات العسكرية الإيرانية قد دُمِّرت بالكامل، فإن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإسلامية تواصل يومياً إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة نحو الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية في المنطقة، محققةً في الوقت ذاته نجاحات باهرة في مجال الدفاع الجوي تُثبت أن سماء إيران – خلافاً لادعاءات العدو المتغطرسة – لا تزال تصطاد الطائرات الحربية المعادية.
وبمراقبة التصاعد الملحوظ في معدل إسقاط المقاتلات والطائرات المسيرة خلال الأسبوعين الماضيين، يبدو أن القوات المسلحة الإيرانية قد طبّقت أساليب وحيل تكتيكية جديدة في صيد طائرات العدو، بحيث باتت سماء إيران – بعد شهر من القصف ومحاولات تدمير قدراتها الدفاعية كهدف رئيسي للعمليات العسكرية – أشدّ رعباً للطيارين الأمريكيين والصهاينة مما كانت عليه في مستهل الحرب.
إن اعتراض الصواريخ وإصابتها لعدد من المقاتلات من طراز F-15 وF-16 وF-18، بل واعتراض المقاتلة الشبحية الخفية والرادارية F-35 في سماء إيران، قد أظهر بأن القوات المسلحة الإيرانية قادرة على توجيه ضربات ساحقة للمعتدين في جميع الميادين.
وباعتراضها لمقاتلة F-35 لأول مرة في تاريخ الحروب، فإن إيران قد سجّلت اسمها في قائمة السبّاقين إلى استهداف هذه الطائرات، كما أنها قد أضعفت مصداقية الشركات المصنعة للأسلحة، حيث يرى بعض المراقبين أن أسهم الشركات الأمريكية قد تراجعت، مما قد يدفع الدول التي كانت تنوي شراء هذه المقاتلات، إلى إعادة النظر في برامجها.
كلما استمرت أمريكا و"إسرائيل" في تصعيد عدوانهما، تتوالى هزائم أسلحتهم المتطورة أمام منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الإيرانية واحدةً تلو الأخرى.
من الأواکس إلى طائرات التزود بالوقود.. أهداف أمريكية في مرمى الدفاع الجوي الإيراني
من أبرز الأسلحة الأمريكية المتطورة التي تعرّضت مؤخراً للإصابة بالصواريخ الإيرانية، الطائرة إي-3 سنتري المعروفة باسم "أواكس" والتي تبلغ قيمتها سبعمائة مليون دولار. كانت هذه الطائرة العملاقة وهي تحاول الفرار من هجمات القوة البحرية والجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني، فوقعت في شباك طائرة شاهد-136 المسيرة التي لا تتجاوز قيمتها عشرين ألف دولار، ولم يقتصر الأثر على هذه الطائرة الضخمة فحسب، بل طال أيضاً سائر الطائرات المحيطة بها بإصابات بالغة.
وقد كان هذا الإنجاز بالغ الأهمية لدرجة أن بعض وسائل الإعلام الغربية أكدت بأن هذه الضربة المؤلمة، تكشف عن وجود ثغرة جوهرية في تقييمات البنتاغون للقدرات العسكرية الإيرانية.
كانت هذه الطائرة المتطورة تؤدي دوراً محورياً في جمع المعلومات الحساسة والاستخباراتية خلال الحروب الأمريكية السابقة في مختلف أنحاء العالم، وحيث إن هذه الطائرات والمقاتلات التي تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات، أصبحت أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية الرخيصة، فإن المعادلة الاقتصادية باتت لمصلحة إيران بالكامل.
ويرى الخبراء العسكريون أن هذا الحدث يتجاوز كونه نجاحاً تكتيكياً، إذ أنه قد وجّه ضربةً مباشرةً لشبكة القيادة والسيطرة الجوية الأمريكية، وأضعف قدراتها التشغيلية على مختلف المستويات، وهو ما يُعدّ مؤشراً واضحاً على تحوّل ميزان القوى في المعارك الحديثة.
وكتب موقع "نتسيو" الإخباري الإسرائيلي في تقريره مُشدداً على أهمية استهداف الأواكس: "إن أسطول طائرات الأواكس التابع للجيش الأمريكي قد انخفض من ستة عشر طائرة إلى خمسة عشر، مما سيُحدث "عمى عملياتياً" لأمريكا. إن فقدان هذه الطائرة يُعطّل قدرة الكشف والاعتراض للتهديدات الصاروخية والمسيرة من مسافات بعيدة، ويُقيّد الرؤية الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي".
كما وصفت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية تدمير الأواكس بأنه "ضربة للعيون الأمريكية في الخليج الفارسي"، موضحةً: "كانت هذه الطائرة تُصوّر حالة الحرب لحظةً بلحظة للقادة، وتُمكّنهم من توجيه المعدات لاعتراض التهديدات. لذلك، فإن استهدافها يُمثّل مسألةً بالغة الخطورة، ويُعرّض قدرة الولايات المتحدة على مراقبة ما يحدث في الخليج الفارسي والحفاظ على الوعي الموقفي للخطر".
ومن جهة أخرى، فإن تدمير عدد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة، كان من أبرز إنجازات الجمهورية الإسلامية في مواجهة أعدائها، مما جعل من عملية انتشار المقاتلات في سماء إيران أمراً بالغ الصعوبة.
تعتبر طائرات التزود بالوقود ضروريةً لتنفيذ الهجمات طويلة المدى بواسطة المقاتلات الحربية، وإلحاق الأضرار بها يُضعف القدرة التشغيلية الأمريكية. ولعل الهجمات الأمريكية والصهيونية الأخيرة على إيران بمقاتلات قليلة العدد، إنما ترجع إلى نقص طائرات التزود بالوقود، بل يُقال بأن بعض المقاتلات جاءت إلى إيران حاملةً خزانتين للوقود بدلاً من ذخائرها المعتادة لتعويض نقص التزود بالوقود.
إيران.. مقبرة الطائرات المسيرة
في ثلاثة وثلاثين يومًا من الحرب الماضية، تجلّت قوة إيران في صيد المسيرات المتقدمة التي شنّها أعداؤها، حيثُ نفّذت تلك المسيرات — إلى جانب المقاتلات — هجمات على بعض المناطق الإيرانية، إلا أنَّ دفاعات الجيش والحرس الثوري الإيراني أحبطتها وأمطرتها بالدمار.
ووفقًا للتقارير الرسمية الإيرانية، فقد أُسقِطت حتى الآن أكثر من مئة وأربعون نوعًا من المسيرات المتقدمة، بينها طائرات "هيرمس" التابعة للكيان الصهيوني، وطائرة " MQ-9 " الأمريكية، وطائرة "أوربيتر"، وغيرها من المسيرات الأمريكية. إنها مسيرات باهظة الثمن تفوق أسعار بعض المقاتلات، وهذا دليلٌ قاطع على أنَّ القوات المسلحة الإيرانية استطاعت أن تُلحق بالعدو ضربات موجعة. فما السرّ في أنَّ المسيرات الأمريكية والصهيونية — رغم أنَّ بعضها يتهرّب من الرادار — لا تجد في سماء إيران أمنًا؟
للأمر أسبابٌ عديدة؛ فالمسيرات بسبب بطء سرعتها تضطر إلى التحليق مدةً أطول، مما يُتيح للعدو فرصةً أوسع للتعامل معها. كما أنَّ منظومات الدفاع الجوي الإيرانية تنتشر في المدن الكثيفة، وحين ترصد أيَّ مسيرة تبدأ بإطلاق وابل من الصواريخ يُفقدها القدرة على المناورة. ذلك أنَّ المسيرات — على خلاف المقاتلات — تفتقر إلى قدرة المناورة والهرب من الصواريخ الاعتراضية، فإنْ تعرّضت لنظام الرادار أُحرقت في التو واللحظة. وقد أظهرت القوات المسلحة الإيرانية قدرات استثنائية في هذا المضمار.
والمسيرات عادةً ما تُوظَّف في عمليات الاستخبارات والتجسس؛ لرصد مواقع منظومات الدفاع ومواقع منصات إطلاق الصواريخ وتحركات القوات البرية، ثمَّ نقل تلك المعلومات إلى مركز القيادة لاستهداف الأهداف الأرضية بدقة متناهية. غير أنَّ إيران نجحت في تعمية هذه العيون الجاسوسية للعدو. فعدم امتلاك المقاتلات المعادية لمعلومات دقيقة عن مواقع اختباء المنصات ومنظومات الدفاع الصاروخي، إنَّما يرجع إلى أنَّ مسيرات الاستطلاع كانت تُصادَر قبل أن تتمكن من جمع المعلومات، فلا تُتاح لها فرصة نقل أيّ بيانات إلى قادتها.
ومن بين الأسباب التي تجعل الأعداء يعتمدون على المسيرات بشكلٍ أكبر، أنَّ هذه الأسلحة غير المأهولة لا تحمل طيارًا، فإنْ أُصيبت لم يُسقَط أسيرٌ في يد العدو. ذلك أنَّ أسر الطيارين في ظروف الحرب يُعدُّ ورقةً رابحةً للدولة المعتدى عليها، يمكنها أن تستثمرها لاستخلاص امتيازات أكبر من أعدائها.
فضلًا عن ذلك، فإنَّ المقاتلات — نظرًا لتكلفتها الباهظة وقدرتها على التهرب من الرادار — إذا أصابها العدو، فإنَّ ذلك يُلحق ضررًا معنويًا بالغًا بالبلد المصنِّع. تمامًا كما حدث بعد إسقاط المقاتلات الأمريكية من طراز "F-35"، حيث شكّك المحللون في ادعاءات مسؤولي البنتاغون بشأن تفوق هذه المقاتلات في العالم، وسخر بعض المستخدمين في الفضاء الإلكتروني من أنَّ المقاتلات الأمريكية استُهدفت بأسلحة إيرانية أقلّ تكلفةً.
أما المسيرات التي تُنتَج في بعض البلدان خلال السنوات الأخيرة، فغالبيتها من النوع الانتحاري، الذي يستطيع — بفضل تكلفته المنخفضة — توجيه ضربات أكثر عددًا وعدةً للعدو. ويمكن للمسيرات الانتحارية أن تؤدي دور المقاتل بقدرات أقل. وقد سبق لروسيا وإيران التقدم في هذا المجال، والتمكّن من استخدام المسيرات لإلحاق ضربات ساحقة بالأعداء.
بشكلٍ عام، يُظهر مسار التطورات الميدانية أنَّ أمريكا والكيان الصهيوني فقدا زمام المبادرة أمام منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، ومع استمرار هذه الأزمة المصطنعة منهما، سيخسران المزيد من المقاتلات والمسيرات المتقدمة.
لقد كانت القدرة الصاروخية والدفاعية الإيرانية خارج نطاق تصوُّر الأعداء، وقد اعترف كبار المسؤولين في واشنطن مرارًا بأنَّهم استهانوا بقوة القوات المسلحة الإيرانية. وعليه، فإنَّ ادعاء قادة واشنطن وتل أبيب بأنَّهم يُسيطرون على الأجواء الإيرانية ليس سوى شعارٍ فارغ، مثل ادعاءاتهم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.
