الوقت - مع إطالة أمد الحرب بين الولايات المتحدة والکيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأ محور المقاومة في إطار "وحدة الساحات" وبموازاة المعارك يكشف عن أوراقه ويُضيّق الخناق على الأعداء.
في حين كانت ثلاثة أضلاع المقاومة "إيران وحزب الله والحشد الشعبي" تُدير الحرب ضد الجبهة الأمريكية-الصهيونية، أكملت أنصار الله في اليمن مربع المقاومة بالدخول في اليوم التاسع والعشرين من هذه الحرب.
وقد أطلقت أنصار الله يوم السبت الماضي عدداً من الصواريخ الباليستية مستهدفاً أهدافاً في "إيلات" في جنوب الأراضي المحتلة، مُعلنين رسمياً حضورهم للوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية. كما شنّت أنصار الله يوم الأحد المرحلة الثانية من عملياتهم بإطلاق 11 صاروخاً أصابت أهدافاً في الأراضي المحتلة، مُؤكدين أن هذه الهجمات ستستمر حتى يتوقف عدوان الأعداء على لبنان وإيران والعراق.
وعلى الرغم من أن كثيراً من المحللين كانوا يتوقعون منذ بداية الحرب دخول أنصار الله إلى ساحة المعركة، كما دخل حزب الله وفصائل المقاومة العراقية، إلا أن هذا الدخول المتأخر لأنصار الله كان أيضاً جزءاً من برنامج جبهة المقاومة لإدارة مراحل التطورات العسكرية بشكل تدريجي، وقد تقرر في هذه المرحلة تفعيل الجبهة اليمنية أيضاً.
إن هجمات أنصار الله، وإن كانت في بداياتها محدودةً لضرب "إسرائيل، إلا أنها ستصبح نوعيةً وأقوى قوةً مع تصاعد المعارك.
خيارات أنصار الله
خلال العقد الأخير، تمكّنت أنصار الله من خلال الاستفادة من القدرات المحلية من إنتاج صواريخ متقدمة، بما في ذلك الصاروخ "الأسرع من الصوت" الذي يستطيع استهداف مواقع الصهاينة بدقة متناهية.
وبما أن إيران وحزب الله يستهدفان الشمال والوسط من الأراضي المحتلة بعدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيرة، فإن اليمن سيتولى بدوره مهمة الهجوم على المناطق الجنوبية التي يقطنها الصهاينة، وسيُرهق العدو من ثلاثة محاور. ومن المؤكد أنه إذا أُطلقت أعداد كبيرة من الصواريخ من اليمن نحو الأراضي المحتلة، فسيتمركز جزء من القدرة الدفاعية للکيان المحتل للتصدي للتهديدات اليمنية، وسيواجه تحدياً جسيماً في اعتراض هجمات حزب الله وإيران.
وقد أفادت وسائل الإعلام الغربية مؤخراً أن تل أبيب تعاني من نقص في الاحتياطيات الدفاعية بسبب الحجم الهائل من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وأُجبرت على تقنين صواريخها الاعتراضية المتقدمة. وعليه، فإن دخول أنصار الله في معادلات القتال سيزيد من الأضرار والخسائر التي تلحق بالکيان الصهيوني.
وبالإضافة إلى القدرة الصاروخية، تمتلك أنصار الله ورقةً اقتصاديةً رئيسيةً لمعاقبة الکيان الصهيوني والأميركي. فالسيطرة اليمنية على المضيق الاستراتيجي "باب المندب" في البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات المائية التجارية في العالم، سيُحدث ضربةً اقتصاديةً عالميةً خطيرةً في حال إغلاقه.
في الوقت الحالي، يُجرى جزء من التجارة البحرية وصادرات النفط والغاز من الدول الخليجية عبر البحر الأحمر، وبما أن مضيق هرمز مغلق منذ شهر، فإن إغلاق هذين الممرين الاستراتيجيين في آن واحد سيُحدث أزمةً خطيرةً في أسواق الطاقة.
منذ بداية الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40% بسبب إغلاق مضيق هرمز، كما تضاعفت أسعار الغاز في أوروبا، والمحللون يعتقدون أن أي اضطراب في إمداد النفط والغاز في البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة في العالم، والأوروبيون قلقون جداً من هذا الأمر.
في السياق، أعلنت مؤسسة أبحاث "إتش أف آي" أنه في حال سعى أنصار الله لتعطيل مضيق باب المندب، ستواجه صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر مشكلةً خطيرةً. وفقاً لهذا التحليل، فإن نحو أربعة ملايين برميل يومياً من صادرات النفط السعودية ستتعرض للخطر. وعلى الرغم من أن هذا التعطيل لن يكون بنفس حدّة أزمة مضيق هرمز بسبب وجود قناة السويس، إلا أن المحللين أكدوا أن السوق العالمية ستستجيب بشكل حاد لمثل هذا الخطر.
وتجدر الإشارة إلى أن البحر الأحمر يُعدّ أهمّ طريق بين أوروبا وشرق آسيا والمحيط الهندي، كما أن القسم الأعظم من تجارة هذه الدول مع الهند والصين يتم عبر هذا المسار. وعليه، في حال تعطّل التجارة البحرية عبر البحر الأحمر، سيُجبر الأوروبيون على التفكير في مسارات بديلة وأكثر تكلفةً، كجنوب أفريقيا.
يُعدّ البحر الأحمر وقناة السويس أحد أهمّ المسارات التجارية البحرية في العالم، إذ يمرّ عبرهما نحو خمسة عشر بالمئة من حركة الملاحة العالمية. غير أن إغلاق هذا الممر الدولي سيُجبر السفن التجارية على سلوك مسار أطول عبر "رأس الرجاء الصالح" في أقصى جنوب أفريقيا، مما سيُحمّل الدول الغربية تكاليف باهظة.
ومن جهة أخرى، إذا قرّرت أنصار الله إغلاق هذا الممر الدولي، فإن السفن ستتضرر أيضاً من عبور هذا المسار، إذ ستُضطر الشركات إلى رفع أقساط التأمين بسبب انعدام الأمان في هذه الممرات، مما سيُصعّب تكلفة التجارة على الجميع. وخلال الشهر الماضي، وعلى الرغم من توقف الملاحة في مضيق هرمز بشكل شبه تام، رفعت السفن أقساط التأمين بنسبة مئة بالمئة لعبور هذا المسار، وسيُلقي إغلاق باب المندب المحتمل تكاليف فادحة على التجارة البحرية.
وعلى الرغم من أن اليمنيين لم يتخذوا بعد قراراً بإغلاق باب المندب، إلا أنه بعد إعلان أنصار الله دخولهم الحرب، أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي للعمليات البحرية في خليج عدن (سبيدز) بياناً أكدت فيه أن السفن يجب أن تبتعد عن المياه اليمنية.
تعطيل الخطط الأمريكية ضد إيران
تواجه الولايات المتحدة حالياً ضغوطاً بسبب إغلاق مضيق هرمز من قبل حلفائها، وتسعى بكل الوسائل لفتح هذا المضيق في أقرب وقت ممكن. غير أنه إذا قرّر اليمنيون إغلاق باب المندب، فستفشل جميع تحركات ترامب ضد إيران.
لم تستخدم إيران خلال الشهر الماضي قوة المقاومة اليمنية، بل احتفظت بهذه الورقة للأيام الصعبة. وبالنظر إلى أن أمريكا تحاول الضغط على الجمهورية الإسلامية لفتح مضيق هرمز من خلال الهجوم البري على الجزر الإيرانية واحتلال جزيرة "خارك"، فإن دخول أنصار الله إلى الساحة الميدانية وإمكانية إغلاق باب المندب سيُحبط أعداءها في تحقيق أهدافهم، إذ إن واشنطن تفتقر إلى القدرة اللازمة لفتح هذين الممرين الدوليين بسبب عدم مشاركة المجتمع الدولي.
كما حاولت أمريكا سابقاً، خلال حرب غزة حين أوقفت أنصار الله، دعماً للشعب الفلسطيني، مرور السفن الصهيونية في البحر الأحمر لفترة طويلة، تشكيل تحالف بحري لتولي مسؤولية أمن الملاحة في هذه المنطقة. وعلى الرغم من أكثر من عام من الهجمات الجوية الشاملة والعقوبات الاقتصادية ضد صنعاء، إلا أنها فشلت في النهاية وانسحبت من هذه المعركة من خلال اتفاق وقف إطلاق النار مع أنصار الله.
وخلال حرب غزة، استهدفت الصواريخ والزوارق الحربية اليمنية العديد من السفن الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية، وألحقت بها أضراراً، وأجبرتها على الانسحاب إلى شمال البحر الأحمر لتجنب الاستهداف بهذه الصواريخ. والآن أيضاً، إذا رأت ذلك مناسباً، يمكنها فرض نفس الهزائم السابقة على واشنطن وحلفائها.
وعليه، فإن الولايات المتحدة التي لديها تجربة الهزيمة أمام أنصار الله، ستتعرض لهزيمة ساحقة في إعادة فتح مضيق هرمز الذي يقع تحت السيطرة الكاملة لإيران كقائد محور المقاومة. ولهذا السبب، يعتبر المحللون والمسؤولون الأمريكيون أي دخول بري أمريكي إلى الأراضي الإيرانية انتحاراً.
الضغط علی الشريان التجاري للاحتلال الصهيوني
يُمثّل مضيق باب المندب أهميةً بالغةً من الناحيتين الأمنية والاقتصادية بالنسبة للكيان الصهيوني، إذ إن السيطرة على هذا المضيق تُزيح جُلَّ قلق الغرب والكيان، وعليه فإن تل أبيب تعتمد اعتمادًا مُفرطًا على هذا الممرّ المائي للحفاظ على حضورها.
يُجرى ما يقارب تسعين بالمائة من تجارة الكيان الصهيوني عبر البحر، ونصف هذه المبادلات يتمُّ عبر البحر الأحمر. ومن ثمَّ، فإن إعادة إغلاق باب المندب أمام السفن الصهيونية سيُعطّل تجارتها بصورةٍ بالغة.
خلال حرب غزة، وبسبب عمليات أنصار الله، اضطرَّ الكيان الصهيوني إلى إجراء تجارته مع دول الشرق عبر المحيط الهندي وجنوب أفريقيا، مما كان يفرض عليهما قطع مسافاتٍ طويلة وتحمُّل تكاليف باهظة تُثقل اقتصاده. وقد اعترف مدير ميناء إيلات مرارًا خلال تلك الفترة بأن حركة السفن الصهيونية في البحر الأحمر قد بلغت الصفر، وأن الميناء قد خلا من السفن، مما ألحق ضررًا بمليارات الدولارات باقتصاد تل أبيب. ولذلك، فإن وسائل الإعلام العبرية قد عبَّرت منذ بداية الحرب مع إيران عن قلقها المتواصل من دخول أنصار الله المعركة، إذ أنهم يُدركون جيدًا عواقبها.
وسيُصعّب إغلاق القرن الأفريقي بالكامل أمام عمليات التسلل الصهيوني، لا سيما في الصومال وجيبوتي وجُزُر البحر الأحمر، من الوضع بالنسبة لتل أبيب، التي كانت تطمح إلى تحويل هذه المناطق إلى قواعد عسكرية للاعتداء على اليمن والسيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، لكن أنصار الله لن يسمحوا بذلك. وإذا قرَّرت أنصار الله إغلاق باب المندب، فسيُضغط الشريان الاقتصادي لهذا الكيان في البحر الأحمر.
كانت ثمة احتمالية أن يلجأ الكيان الصهيوني، في حال إغلاق مضيق باب المندب، إلى تنفيذ جزء من تجارته الخارجية عبر المسارات الجوية، غير أن سماء الأراضي المحتلة قد أُغلقت بدورها بسبب حجم العمليات الصاروخية والمسيرة الواسعة للمقاومة، وعليه فإن إغلاق باب المندب سيُوجّه ضربةً قاضيةً لاقتصاد الكيان الصهيوني.
وفي الختام، يُمثّل دخول أنصار الله الحرب ضد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دعمًا لإيران، تحوُّلًا استراتيجيًا في الساحة الميدانية، سيُفضي إلى تبدُّل نتائج الحرب وإلحاق هزيمةٍ مكلفة للغاية بالمعتدين. فرغم دخول أنصار الله متأخرين إلى ساحة المواجهة، إلا أن لديهم أوراقًا رابحةً كثيرةً يمكنهم من خلالها أداء دور الموازن لردع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتغيير مجرى الحرب.
