الوقت - في حين أشعلت الولايات المتحدة والکيان الصهيوني نيران الحرب في المنطقة بعدوانهما على إيران، ورأی الرأي العام العالمي أن المعتدين هم المسؤولون الرئيسيون عن الأزمة في غرب آسيا والعالم، إلا أن بعض وسائل الإعلام المتحالفة مع واشنطن وتل أبيب تسعى جاهدةً لاتهام الجمهورية الإسلامية بخلق التوتر في المنطقة.
وبجانب وسائل الإعلام، بدلاً من أن يمارس بعض الحكام العرب المستسلمون في الخليج الفارسي الضغط على أمريكا لوقف الحرب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، فإنهم يوجهون الاتهامات إلى إيران، مدعين أنها تقوم بعمليات صاروخية ومسيّرات ضد أراضي العرب بدلاً من مواجهة الأعداء.
لقد ادعى مشيخات الخليج الفارسي، عقب الهجمات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية على القواعد الأمريكية في بلدانهم، مراراً أن الجمهورية الإسلامية انتهكت سيادتهم الإقليمية وهاجمت الدول الإسلامية. وحاول مشيخات ووسائل الإعلام، بتنسيق تام، زرع الانطباع في الأذهان بأن إيران تشكل تهديداً لأمن العالم الإسلامي، وذلك بهدف زيادة الضغوط السياسية عليها، إلا أن هذه الحيلة أيضاً لم تُجدِ نفعاً.
يأتي هذا الإسقاط الإعلامي في حين أن القوات المسلحة الإيرانية لم تقم بأي اعتداء على سيادة العرب أو وحدتهم الإقليمية حتى الآن، ولم تستهدف سوى مقرات القوات الأمريكية في الدول العربية رداً على عدوان الأعداء. تلك القواعد التي وضعها الحكام العرب تحت تصرف أمريكا المجرمة لعقود سبعة، وقد قاد هذا الوجود العسكري المنطقة نحو عدم الاستقرار على مرّ هذه السنين.
لقد حذّر المسؤولون السياسيون والأمنيون في إيران قبل الحرب من أنه إذا تحولت الأراضي العربية إلى ساتر ترابي للاعتداء على إيران، فإن القوات المسلحة الإيرانية ستستهدف جميع المقرات وممتلكات أمريكا في تلك الدول. وخلال الحرب، فإن جميع المواقع التي استهدفتها القوات المسلحة الإيرانية في الدول العربية كانت تابعةً للأمريكيين، وحتى المصافي والمراكز الاقتصادية التي أصابتها الصواريخ والمسيّرات، فإن الشركات الأمريكية هي المساهم الرئيسي فيها.
مع ذلك، تحاول وسائل الإعلام المعادية والحكام العرب، من خلال خلق أجواء إعلامية معادية لإيران، إثارة المجتمع الدولي ضد الاستراتيجية الدفاعية لطهران، وبهذا الإجراء يرغبون في إجبار الجمهورية الإسلامية على التراجع عن إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبب في خسائر مالية فادحة للمشخيات.
لقد دأب مسؤولو الجمهورية الإسلامية في خطاباتهم على مخاطبة الدول العربية في المنطقة بوصفهم "إخوة"، مؤكدين لهم أنهم يستهدفون القواعد الأمريكية فحسب، وأنهم إذا كانوا يرغبون في توقف هذه العمليات الدفاعية، فالأجدى بهم إنهاء الوجود الأمريكي في بلدانهم.
التوافق مع نزعة واشنطن الحربية
على الرغم من أن الزعماء العرب قد قطعوا التزامات بأنه لن تنطلق من أجوائهم أو أراضيهم أي هجمات ضد إيران، إلا أن جميع الهجمات التي شنتها واشنطن خلال الأسابيع الأربعة الماضية قد انطلقت من القواعد المنتشرة في الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي. وعليه، فإن الحكام العرب شركاء، بلا انقسام، في العدوان على إيران مع المعتدي الصهيوني-الأمريكي، بيد أنهم يسعون لتبرئة أنفسهم من هذه الفضيحة.
إن البيانات الصادرة عن مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي، وإصدار القرارات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ضد الهجمات الإيرانية على الدول العربية، ما هي إلا جزء من محاولات هذه الدول لقلب موازين الاتهام وتبديل أدوار المتهم بالمدعي.
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في سياق التوافق مع السياسات المدمرة لدونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة. فترامب، الذي فشل في تحقيق أهدافه ضد إيران ويعجز عن إيجاد مخرج لهذه الأزمة المفتعلة، يحاول عبر هذه الأجواء الإعلامية تصوير الجمهورية الإسلامية بأنها المسؤولة عن الأزمات الإقليمية والعالمية.
يسعى الحكام العرب ووسائل الإعلام، من خلال مثل هذه المبادرات، لإنقاذ أمريكا التي تقع تحت وابل من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، غافلين عن أن القوات المسلحة الإيرانية قد صرحت بأن الأمريكيين ليسوا في مأمن في أي مکان، وأنهم يقصفون مواقعهم في دول مختلفة على عدة جولات يومياً.
وبما أن ترامب عاجز عن إعادة فتح مضيق هرمز، وقد فشل في إقناع حلفائه بالمشاركة في المخطط الخطير للتصعيد العسكري مع إيران، فقد عقد آماله الآن على مساعدة المشيخات الخليجية. وقد أفادت بعض المصادر، منها صحيفة "نيويورك تايمز"، مؤخراً أن محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، طلب من ترامب استمرار الحرب حتى إسقاط الجمهورية الإسلامية. بل إن سفير الإمارات في واشنطن أيضاً، زاعماً أن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني يشكل تهديداً للسلام والاستقرار في المنطقة، قد صرح بأن أبوظبي تدعم استمرار الاعتداء على إيران.
کذلك، تؤكد بعض وسائل الإعلام أن العرب، ولا سيما الإمارات والسعودية، يتحملون تكاليف الحرب ضد إيران، ولهذا السبب لا يعبأ ترامب بالأعباء المالية لهذه الحرب المفتعلة. بل إن ترامب نفسه قد اعترف بأن دول المنطقة تشارك في الحرب ضد إيران.
ورغم أن إيران تستهدف مقرات القوات الأمريكية فحسب، إلا أن بعض المشيخات العربية قد تجاوزوا الحد، ويعتزمون حتى المشاركة في السيناريو الخطير لواشنطن المتمثل في شن هجوم بري على الجزر الإيرانية. وهو ما حذّر منه قادة ومسؤولو الجمهورية الإسلامية من تداعياته الوخيمة، مؤكدين أنه في حال تنفيذ هذا المخطط، فإن جميع البنى التحتية للدولة المشاركة ستعتبر أهدافاً مشروعةً للقوات المسلحة الإيرانية.
تل أبيب هي التهديد الحقيقي للعرب
لقد حذرت إيران دائماً من أن التهديد الحقيقي للعالم الإسلامي هو الکيان الصهيوني، وإذا كانت إيران تتعرض للاعتداء اليوم، فإن العرب لن يكونوا في منأى عن غائلة تهديدات هذا الکيان المحتل في المستقبل، وهو ما أثبتته حادثة الهجوم الإسرائيلي على اجتماع قوات حماس في قطر، حيث أظهر الصهاينة أنهم لا يتورعون عن العداء حتى تجاه الحكام العرب المستسلمين. إن مشروع "من النيل إلى الفرات" أو "إسرائيل الكبرى" الذي كُلّف بنيامين نتنياهو بتنفيذه، يسير في هذا السياق لتمكين مخططه المشؤوم من تحقيق أهدافه عبر إضعاف الدول الإسلامية. فقد وقف المستسلمون، حتى في حرب غزة التي وصفها المجتمع الدولي بالإبادة الجماعية، إلى جانب الکيان الصهيوني بدلاً من نصرة الفلسطينيين، وشاركوا كشركاء في الجريمة عبر مساعداتهم المالية والعسكرية السرية في قتل الشعب الفلسطيني.
وفي الحرب الأخيرة ضد إيران، تبين للجميع أن الجمهورية الإسلامية ليست عامل عدم استقرار في المنطقة فحسب، بل تُعدّ ركيزةً للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، وعلى عكس ادعاءات وسائل الإعلام والحكام المستسلمين، فإن أمريكا والکيان الصهيوني هما من ألقيا المنطقة في أتون الفوضى بسبب طموحاتهما الجامحة.
لقد أعلنت الجمهورية الإسلامية على مدار الـ ٤٧ عاماً الماضية أن أمن المنطقة يجب أن يُصاغ بيد دولها ذاتها لا الغرباء، بيد أن آذان العرب صمّاء عن هذه التحذيرات، وهم يرسخون الوجود الأمريكي في المنطقة يوماً بعد يوم. وعلى الرغم من أن وجود آلاف الجنود الأمريكيين كان مفترضاً أن يدافع عن أمن وأراضي العرب، إلا أننا رأينا أن أمريكا لا تسعى سوى لتحقيق مصالح الصهاينة، وأن إنشاء القواعد في الدول العربية جاء استناداً إلى ذلك لسدّ التهديدات المحتملة من قبل العرب ضد الأراضي المحتلة. فهذه القواعد، براداراتها الفائقة التطور، تعمل بمثابة العين والأذن لتل أبيب في المنطقة، لتنبيههم للخطر قبل وصول الصواريخ والمسيّرات من إيران أو أي دولة إسلامية أخرى إلى الأراضي المحتلة.
وفي الختام، في وقتٍ يرى فيه حتى الأوروبيين أن أمريكا هي السبب الرئيسي لأزمات العالم، فإن إلقاء المشيخات العربية اللوم على الجمهورية الإسلامية ما هو إلا انصياع لأحجية واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي لا يؤدي إلى إرساء الاستقرار في المنطقة فحسب، بل يجعل المعتدين على إيران أكثر جرأةً على مواصلة مغامراتهم، وستكون تبعات ذلك أكثر ما تلقي بظلالها على المستسلمين أنفسهم، الذين ترتبط حياتهم باستمرار تصدير النفط والغاز، والذين يرزحون الآن تحت ضغوط مالية شديدة بسبب إغلاق مضيق هرمز.
