الوقت - على أبواب استكمال شهر من اندلاع الحرب، تكشف الصور المتناثرة التي تسربت من الأراضي المحتلة، متجاوزةً الرقابة المشددة التي تفرضها رقابة الجيش في الکيان الصهيوني لتصل إلى شبكات التواصل الاجتماعي، عن سماء غير آمنة للکيان في معظم ساعات الليل والنهار، حيث تعصف صفارات الإنذار المتتالية، وتتوقف عجلة الحياة اليومية تماماً في كافة أنحاء الأراضي المحتلة؛ لدرجة أن الصهاينة باتوا يألفون العيش في ظل ظروف مرعبة داخل الملاجئ.
وتقر هذه الصور والتقارير بحجم الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المدمرة التي تشنها إيران، والنسبة المرتفعة من إصابة الأهداف المستهدفة، وذلك في ظل الظروف التي تختلف فيها عملية "الوعد الصادق ٤" عن العمليات الثلاث السابقة؛ إذ لم تقتصر الضربات هذه المرة على الأراضي المحتلة فحسب، بل شملت طيفاً واسعاً من مصالح المعتدي الأمريكي-الصهيوني في المنطقة، مما يعني أن القوات المسلحة الإيرانية قد تمكنت من إصابة أهدافها في الأراضي المحتلة مستخدمةً جزءاً يسيراً فقط من قدراتها الهجومية وبصواريخ أقل.
والسبب الرئيسي في ذلك يكمن في تدمير الجزء الأعظم من القدرة والمظلة الدفاعية المشتركة والمتطورة التي كانت ممدودةً على كامل الأراضي المحتلة لضمان عدم وقوع أي إصابة، ولو كانت ضئيلةً، داخل تلك الأراضي.
أولاً: قام الصهاينة على مدى العقود الماضية باستثمارات ضخمة ومستقلة لإنشاء منظومة دفاع جوي متطورة ومتعددة الطبقات، تُعزز وتُغذى بأنظمة متنوعة مثل "حيتس" (السهم)، و"مقلاع داوود"، و"القبة الحديدية".
فضلاً عن ذلك، فقد بذل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة في هذه الجولة من الحرب قصارى جهدهما، ووضعا كافة القدرات الدفاعية في خدمة الدفاع عن سماء الأراضي المحتلة، مسارعين لنجدة الصهاينة بأنظمة "ثاد" و"باتريوت" وغيرها من المنظومات الرادارية المتطورة المتمركزة على السفن وفي قواعدهم بالمنطقة، بل وحتى توظيف الأقمار الصناعية التجسسية القادرة على إنذار نظام الدفاع الإسرائيلي منذ اللحظة الأولى لإطلاق الصاروخ.
كما أن الأمر بات جلياً تماماً بأن "غرفة التعاون والعمليات العسكرية المشتركة" بين الولايات المتحدة والدول العربية في الخليج الفارسي والأردن، والتي تسيطر على المنظومات الرادارية والدفاعية لهذه الدول، تعمل الآن في خدمة حماية سماء الأراضي المحتلة.
ثلاثة أسباب لانهيار سماء فلسطين المحتلة
على الرغم من كل هذه الطبقات الدفاعية المتعددة، ومنذ مطلع الأسبوع الجاري حين تعرضت منشأة ديمونا المحصنة بأقصى درجات الحماية للقصف، يبدو أن البنية الدفاعية الموحدة للکي قد أصبحت تعاني من الثغرات والنقص الجدي، لدرجة أن بعض الإصابات تقع دون إنذار مسبق أو صفارات إنذار، مما يحرم المستوطنين حتى من فرصة الفرار إلى الملاجئ.
ويرتبط جزء من أسباب ذلك بمبدأ عسكري مألوف في الحرب، وهو أن أي نظام دفاعي، مهما بلغت درجة تطوره، لا يمكنه الصمود لفترة طويلة أمام الكم الهائل من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.
أولاً: نظراً للتعقيدات الكثيرة والتكنولوجيا العالية اللازمة لإنتاج الرادارات والذخائر الحربية، فإن نظام الدفاع المضاد للصواريخ لا يمكنه منافسة الصواريخ والطائرات المسيرة لا من حيث التكلفة ولا من حيث حجم الإنتاج. ونتيجةً لذلك، يمكن التنبؤ بأنه على مدى الأيام السادسة والعشرين الماضية، وبسبب وتيرة إطلاق المقذوفات الإيرانية العالية، قد فرغت أجزاء واسعة من مخازن صواريخ الاعتراض لدى الکيان، واستبدالها -بغض النظر عن التكاليف الباهظة- أمر مستحيل من الناحية التقنية أساساً.
وفي المقابل، أثبتت إيران عملياً أن كل الدعايات العدائية حول تراجع القدرات الصاروخية والمسيرة للجمهورية الإسلامية لم تكن سوى هراء، وأن مخزون إيران -كما صرحت به المسؤولون العسكريون- يمتلك القدرة على تأمين استمرار النيران لعدة أشهر. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى إحصائيات جديدة ذكرها "معهد الخدمات الملكي" البريطاني. وبناءً على هذه المعلومات، فإن مخزون صواريخ الاعتراض لدى الکيان الصهيوني في حالة حرجة للغاية وعلى شفا النفاد، إذ تبلغ احتياطيات صواريخ "آرو" ٣ أيام، و"ثاد" من ١٠ إلى ١٨ يوماً، و"مقلاع داوود" ١٣ يوماً.
ثانياً: في الأيام الماضية، أعلن المتحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء(ص)" المرکزي عن السيطرة الكاملة على سماء الکيان الصهيوني، ويرى الخبراء أن السبب في ذلك يكمن في الإجراء المنسق لإيران الذي استهدف تدمير رادارات أنظمة الدفاع الجوي للکيان، وهو ما شكّل الهدف العملياتي الرئيسي للصواريخ فرط صوتية في المرحلة الأولى من الحرب. وبالتالي، فإن عيون نظام الدفاع لدى الکيان قد أصيبت بالعمى أو على الأقل بضعف شديد.
ثالثاً: لقد انتقلت القوات المسلحة الإيرانية عن استخدام الصواريخ ذات الرؤوس الواحدة، لتوجّه عزمها نحو إطلاق الصواريخ ذات الرؤوس المنشورة، وهو ما أفضى إلى شلّ البنية الدفاعية بالكامل، مع مضاعفة عدد الأهداف المستهدفة في كل طلعة عشرات المرات.
وفي خضم ذلك، ونظراً للتدمير الكامل للبنية التحتية العسكرية للکيان وانعدام العمق الاستراتيجي للأراضي المحتلة، يتجه الصهاينة أكثر فأكثر نحو نشر وإخفاء أنظمتهم الدفاعية وقادتهم وعسكرييهم في المناطق السكنية، مما سينتج عنه بالتأكيد في الأيام المقبلة، مع قيام إيران بقصف هذه الأهداف بالصواريخ والطائرات المسيرة، ارتفاع في حجم الخسائر والضحايا بين صفوف الصهاينة.
