الوقت - لقد اعتُبرت الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة والکيان الصهيوني ضد إيران واحدةً من أكثر المعارك تقدمًا من الناحية التكنولوجية في التاريخ، حيث تمثّل نموذجًا فريدًا في تاريخ الحروب من حيث الاستخدام المتزامن للأدوات والمعدات العسكرية المتطورة للغاية، وكذلك تجاوز الأساليب الكلاسيكية للحرب.
إن وجود دولتين تدعيان امتلاك أفضل التقنيات العسكرية وتعتبران من المصدرين الرئيسيين للأسلحة في العالم، في مواجهة إيران، يحمل في طياته عناصر وتجارب ومعلومات سرية وقيّمة للغاية. وهذا ما يجعل مجموعةً واسعةً من المراقبين والمحللين في مجال الجغرافيا السياسية والحرب والتسليح، خاصةً بين الدول المنافسة للولايات المتحدة، تراقب هذه الحرب بدقة وتقوم بتحليلها وتفكيكها.
وفي هذا السياق، قد يكون أحد أهم الأحداث التي تهمّ هؤلاء المراقبين حتى الآن، هو إعلان خبر استهداف المقاتلة المتطورة F-35 من قبل الدفاع الجوي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في صباح يوم الخميس الماضي. وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني عن هذا الخبر في وقت متأخر من يوم الخميس من خلال إصدار بيان رسمي مصحوب بصور واضحة تُظهر استهداف الطائرة F-35، حيث كانت كاميرا نظام الدفاع الجوي مثبتةً عليها وتتابع مسار الطيران لهذه الطائرة الشبحية بشكل كامل. في هذه الصور، تظهر المقاتلة الأمريكية أنها لم تتمكن من القيام بأي رد فعل أو مناورات للهروب من الصاروخ، حيث تم إصابتها من جهة الذيل بواسطة صاروخ.
بعد إعلان هذا الخبر، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في بيان لها استهداف طائرتها F-35 دون الإشارة إلى موقعها، لكنها أفادت دون ذكر تفاصيل دقيقة، بأن الطيار بصحة جيدة وأن الطائرة هبطت بنجاح في أحد القواعد الإقليمية لهذه القوات. ومع ذلك، يتضح تمامًا من الفيديو المعروض أن الطائرة تعرضت لإصابة شديدة، كما يشير بيان الحرس الثوري إلى احتمال كبير لسقوطها.
تاج تكنولوجيا العسكرية الأمريكية؛ ما أهمية F35؟
لا يمكن اعتبار إسقاط الطائرة F35 حدثًا عابرًا في سياق الحرب، إذ تُعتبر هذه المقاتلة في طليعة التكنولوجيا العسكرية العالمية وتاج الصناعات التسليحية الأمريكية. ووفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام الأمريكية، فإن إجمالي تكاليف هذا المشروع منذ بدايته قبل عشرين عامًا قد بلغ حوالي 2 تريليون دولار. تم تصميم هذا السلاح بمعدات رادارية فائقة التطور وقدرات هجومية وتخفي لمهام تحقيق التفوق الجوي، والتعرف على الأهداف الاستراتيجية وتدميرها، مثل أنظمة الرادار وممرات السيطرة على سماء العدو.
ونظرًا للحفاظ على السرية وأهميته الاستراتيجية، لم يتم بيع هذا السلاح حتى الآن إلا لعدد قليل جدًا من حلفاء أمريكا، وفي منطقة غرب آسيا، فإن الكيان الصهيوني هو الجهة الوحيدة التي تمتلك هذا السلاح. لقد تم تصميم هذه المقاتلة من الجيل الخامس للحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في الحروب المستقبلية، وتُستخدم التقنيات المستخدمة فيها في طائرات عسكرية أخرى مثل الطائرات المسيرة المتقدمة "غلوبال هوك" الأمريكية.
معضلة تحديد الهدف بأي سلاح
بالتأكيد، فإن السؤال الأول والأهم بعد هذا الحدث، يتعلق بالسلاح الذي تمكنت إيران من خلاله من التعرف على الطائرة F35 الشبحية وتعقبها ثم إصابتها. تم تصميم هذه المقاتلة لتبقى مخفيةً عن رادارات الدفاع الجوي والطائرات الأخرى للدول، لذا فإن استهدافها قد أثار تساؤلات حول السلاح الذي استطاع إنهاء أسطورة التخفي لهذه الطائرة.
هذا الأمر يكتسب أهميةً خاصةً بالنسبة للمنافسين العالميين لواشنطن، وهما روسيا والصين. تنتج إيران في مجال الرادار والدفاع هذه المعدات، وقد صممت ووضعت في الخدمة أنظمة متنوعة على مرّ السنوات الماضية، من بينها نظام "15 خرداد" الذي أسقط مرةً طائرة "غلوبال هوك" فوق الخليج الفارسي. وفي كل من جولات الحرب الـ 12 يوماً وحرب رمضان، تمكنت قيادة الدفاع المتكامل لـ "خاتم الأنبياء" الإيرانية باستخدام أنظمة الدفاع المحلية من إسقاط مجموعة متنوعة من الطائرات المسيرة والطائرات الأمريكية-الصهيونية، بما في ذلك 3 طائرات F15، وطائرة واحدة للتزود بالوقود، وأكثر من 100 طائرة مسيرة من أنواع "هرمس"، و"هيرون" الإسرائيلية، و"MQ9"، والآن الـ F35 الأمريكية.
لا تزال هذه القيادة تمتنع عن ذكر التفاصيل لأسباب تتعلق بالسرية ومنع العدو من الوصول إلى معلومات التكتيك ونظام تحديد أهداف F35، ولكن هذا سؤال سيُناقش بشكل أكبر في المستقبل.
تداعيات إسقاط F35
إن تعقب واستهداف الطائرة F35 ليس حادثًا بسيطًا، بل يحمل في طياته آثارًا وتبعات متعددة يصعب تجاهلها. في المقام الأول، يُتوقع أن يؤثر استهداف F35 بشكل فوري على مجريات الحرب، مما يشكل تحديًا جديًا للتفوق الجوي للجهة الأمريكية-الصهيونية. إن إسقاط F35 يعني أن سماء إيران ليست آمنةً للطائرات الحربية المعادية، ومن المؤكد أن المعتدين سيعملون بحذر أكبر في العمليات الجوية المقبلة، إذ إن جزءًا كبيرًا من عملياتهم يعتمد على مقاتلات غير شبحية مثل F18 هورنت وF15 إيغل وF16، والتي يسهل اصطيادها بطبيعة الحال.
علاوةً على ذلك، فإن المراحل الأولية للعمليات الجوية لهذه الطائرات، تشمل تحديد الأهداف وتدمير الدفاعات الجوية وفتح الطريق للاختراق إلى سماء البلاد، وهو ما كان يتم عبر F35، لذا فإن هذه المقاتلة تُعتبر عين العدو في تنفيذ عمليات القصف، ومع فقدانها ستتقلص نسبة الهجمات الجوية بشكل ملحوظ.
ومن النتائج الأخرى لاستهداف F35 هو الأثر الكبير الذي سيلحق بمصداقية الادعاءات الأمريكية حول هذه الطائرة، بشكل عام، وتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. لقد أدت الدعاية الواسعة حول خاصية التخفي لهذه المقاتلة إلى رغبة عدد كبير من الدول في شرائها، ومن المؤكد أنه بعد إسقاط واحدة منها بواسطة الدفاع الإيراني، واحتمالية حدوث المزيد من الحالات في الأسابيع والأشهر المقبلة، ستعيد الدول المشترية النظر في قرارها بشأن الحصول على هذه السلاح باهظ الثمن.
وهذا الأمر قد يؤدي على الفور إلى انهيار أسهم شركة "لوكهيد مارتن" الكبرى، المصنعة لـ F35، ومن المعروف أن إيرادات مبيعات الأسلحة تشكل جزءًا مهمًا من الناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، مما سيترتب عليه خسائر اقتصادية كبيرة لإدارة ترامب.
