الوقت - يُحتفل بيوم القدس في هذا العام، سواء في إيران أو في سائر أنحاء المعمورة، في حين تواجه إيران في الوقت ذاته هجوماً غير متكافئ تشنه الجبهة الأمريكية-الصهيونية؛ تلك الحرب التي أجّجها نتنياهو وترامب عقب حرب غزة، والحق يُقال إن إيران أبدت قدرةً فائقةً على إظهار صمودها ومقاومتها في مواجهتها.
فقد نجحت موجات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، فضلاً عن فصائل المقاومة في المنطقة، على مدى الأيام الاثني عشر الماضية، في استهداف القواعد الأمريكية-الصهيونية مراراً وتكراراً، إما باجتياح أجواء المحتلين في تل أبيب، أو بخرق منظومات الدفاع الجوي الأمريكية. وعلى نحوٍ حديث، ومع اقتراب موعد يوم القدس العالمي بيومٍ واحد، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ الموجة الـ 41 من عملية "الوعد الصادق 4" تكريماً لأرواح شهداء حرب رمضان مُستهلاً ذلك برمز "إلى البيت المقدس".
وقد شملت العملية ضرب أهداف العدو الأمريكي-الصهيوني في تل أبيب والقدس المحتلة، فضلاً عن قواعد الجنود الإرهابيين الأمريكيين في المنطقة، وذلك بإطلاق أكثر من عشرة صواريخ ثقيلة ومدمرة من طراز "خرمشهر" و"قدر" المزوّدة برؤوس حربية متعددة الكيلوغرامات، وصاروخ "خيبر شکن" برأس حربي يزن طناً واحداً، والصاروخ الفائق السرعة "فتاح" برأس حربي مماثل، إلى جانب طائرات مسيّرة مُفخّخة ومُدمِّرة.
إن مجمل العمليات الإيرانية تُظهر، قبل أي شيء آخر، القدرة الهجومية لهذا البلد في مواجهة اعتداءات العدو الصهيوني-الأمريكي، والتزام توقيت هذه العمليات مع يوم القدس العالمي لهذا العام يحمل في طياته دلالاتٍ عميقةً ومعانٍ جليلة.
رُعب الغرب من يوم القدس العالمي
لم يَبقَ إلاّ يوم على موعد حلول يوم القدس العالمي، وإذا بالحكومات الغربية في بعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا، تُسارع إلى سدّ المنافذ وتعترض طريق المسيرات، لا سيما وأن موعد مسيرة القدس في لندن قد تزامن هذا العام مع اعتداءات الکيان الصهيوني بحقّ إيران. وفي هذا السياق، أعلن "شعبانة محمود"، وزير الداخلية البريطاني، عن إقراره لطلب شرطة العاصمة "ميتروبوليتان" بحظر مسيرة يوم القدس. وقد كان هذا المسؤول البريطاني قد ادّعى سابقاً أن هذا القرار جاء لدرء "الفوضى العارمة" وضبط "الاضطراب الشديد"، واستند في تبريره إلى اتساع رقعة التظاهرات، وتعدّد التجمعات المتقابلة، وتأثير المناخ السياسي المستمدّ من تواصل التحولات في غرب آسيا، مُصرّاً على أن الشرطة ستكون في وضع يُمكّنها من فرض قيودٍ صارمةٍ وقاسية في حال انعقاد تجمع ثابت.
وفي مواجهة هذا التضييق، برز "مسعود شجرة"، رئيس اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان والمكلّف بتنسيق فعاليات يوم القدس في لندن، لينتقد بشدّة قرار الشرطة والحكومة البريطانية، معلناً في بيانٍ صارم: "إن اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان تُدين بشدّة قرار شرطة العاصمة بحظر مسيرة يوم القدس". وأضاف أن مراسم يوم القدس العالمي لهذا العام ستنعقد في صورة تجمع ثابت.
وقد سبق أن سارت دولٌ أوروبية عديدة، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، على الدرب نفسه، حيث عرقلت سير الاحتجاجات والمسيرات المناهضة لـ "إسرائيل"؛ ومن ثم، فإن التوقعات تشير إلى أن سلطات الشرطة في تلك الدول ستقف هذا العام أيضاً بالمرصاد لإفشال المسيرات الشوارعية ليوم القدس العالمي.
يوم القدس: ساحة الغضب المُناهض لأمريكا والصهيونية
نظراً لأن مسيرة يوم القدس العالمي في هذا العام تُطوى صفحاتها في أرجاء المعمورة متزامنةً مع الحرب والعدوان المشتركين اللذين تشنّهما الولايات المتحدة الأمريكية والکيان الصهيوني على إيران، فإن التوقعات تشير إلى أن المحتجين سيوجّهون هذا العام قسطاً وافراً من احتجاجاتهم وهتافاتهم نحو السياسات والممارسات الأمريكية، واصفين إياها بأنها الشريك الأكبر والراعي الأهم لجرائم الکيان الصهيوني.
فخلال الأسبوعين الماضيين، خرج آلاف الناشطين المناهضين للحرب وأعضاء المنظمات الحقوقية في تظاهرات حاشدة بالعاصمة البريطانية، ليدينوا بشدة العدوان العسكري الذي يمارسه الکيان الصهيوني والولايات المتحدة ضد إيران، معلنين عن تضامنهم الصريح مع الحكومة والشعب الإيرانيين. وقد شارك في هذه المظاهرة فئاتٌ متنوعة من الشعب البريطاني، إلى جانب الإيرانيين والمسلمين من مختلف الجنسيات، رافعين أعلام إيران وحاملين لافتاتٍ نُقشت عليها عباراتٌ صارخة مثل "توقفوا عن القصف"، "كفّوا أيديكم عن إيران"، و"أوقفوا الحرب"، محوّلين بذلك شوارع لندن المركزية إلى ساحةٍ تطلّ منها صرخات الرفض للحرب.
وعليه، فإن المظاهرات والمسيرات المخصصة ليوم القدس العالمي في الدول الأوروبية هذا العام ستأتي امتداداً طبيعياً للاحتجاجات المناهضة للحرب والمواقف المعادية لأمريكا. وفي هذا السياق، صرّح "كريس ناينهام"، أحد كبار مسؤولي أضخم حملة مناهضة للحرب في بريطانيا المُسماة "ائتلاف Stop the War"، وسط الصحفيين قائلاً: "نحن نواجه اليوم أخطر وضعٍ شهده العالم على مدى العقود المنصرمة؛ فترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ويبثان الفوضى في ربوع إيران، لقد غامرا بخطر توسيع رقعة الحرب لتشمل كافة أنحاء الشرق الأوسط، وأرسيا دعائمَ عدم الاستقرار والهزّة في أرجاء العالم المتمدن".
وأضاف: "إنه لمدعاةٌ للخزي والعار أن تسمح حكومتنا باستخدام القواعد البريطانية أداةً لتعزيز هذه الفوضى". وختم حديثه بالقول: "إن الآلاف منا يتوافدون إلى هنا اليوم، لأن غالبية الشعب، بل الأغلبية الساحقة من سكان هذا البلد، تؤمن أن ما يجري هو مجرد جنونٍ محض؛ فهم يعارضون حروب ترامب بشدة، ويرجون ألا يكون لحكومة بلادنا أي دور فيها، وهذه هي الرسالة التي ستنطلق اليوم صارخةً من رحم هذه التظاهرة".
